لماذا وإلى أين ؟

القانون الجديد للمحاماة صدوره ودخوله حيز التنفيذ: نهاية معركة أم بداية جولة جديدة؟

ذ. الزروقي زكرياء*

يبدو أن معركة المحامين حول القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة دخلت مرحلة مختلفة، ليس لأن الخلاف قد حُسم لصالح أحد الأطراف، وإنما لأن النص انتقل من مرحلة الجدل التشريعي والمؤسساتي إلى مرحلة القانون النافذ الواجب التطبيق.

وهنا تحديداً تبرز أهمية قراءة طريقة صدور القانون ونشره، ليس فقط من زاوية شكلية، وإنما باعتبارها مؤشراً على إرادة الدولة في إنهاء حالة التعطيل التي طالت مرفق العدالة، وفتح صفحة جديدة مع هيئة الدفاع، دون أن يعني ذلك بالضرورة إغلاق جميع أبواب النقاش حول مضمون القانون.

لقد صدر الظهير الشريف القاضي بتنفيذ القانون ونشره بتاريخ 18 غشت، قبل أن يُعاد تصحيح الإحالة التي كانت قد أثارت إشكالاً مسطرياً أمام المحكمة الدستورية، ثم جرى نشر النص في الجريدة الرسمية عشية 20 غشت، وهو ما يعني عملياً أن الدولة اختارت الانتقال من منطق الانتظار إلى منطق التنفيذ.

وهذه النقطة تستحق التوقف عندها.

فالمحكمة الدستورية لم تفصل في دستورية القانون من حيث الجوهر، ولم تقل إن مقتضياته مطابقة للدستور أو مخالفة له، وإنما انتهت إلى عدم البت فيه بسبب عيب مرتبط بالإحالة. وبالتالي، فإن القول بأن المحكمة الدستورية أغلقت الطريق أمام المنازعة في القانون يحتاج إلى كثير من التحفظ.

بل إن انتهاء المسطرة الدستورية بهذه الطريقة يترك، من الناحية القانونية، مساحات أخرى للنقاش والطعن، خصوصاً متى دخلت الآليات الجديدة المتعلقة بالدفع بعدم الدستورية حيز التطبيق، حيث يمكن أن تصبح بعض مقتضيات القانون موضوعاً لمناقشة دستورية بمناسبة نزاعات قضائية محددة، متى توفرت شروط ذلك.

ومن هذه الزاوية، فإن نشر القانون في الجريدة الرسمية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إعلاناً عن نهاية كل شيء، وإنما باعتباره انتقالاً من مرحلة إلى أخرى.

القانون أصبح نافذاً، وهذه حقيقة قانونية لا يمكن تجاوزها.

لكن نفاذ القانون لا يعني تحصينه من التعديل، ولا يعني أن كل مقتضياته أصبحت بمنأى عن النقاش التشريعي أو الدستوري.

وهنا أعتقد أن على المحامين أن يميزوا بين أمرين: بين احترام القانون باعتباره نصاً نافذاً، وبين مواصلة العمل المؤسساتي والسياسي من أجل تعديل المقتضيات التي يرون أنها تمس جوهر استقلال المهنة وحصانة الدفاع وضمانات ممارسة المحاماة.

لقد حققت هيئة الدفاع، خلال هذه المعركة، شيئاً مهماً يتجاوز تفاصيل القانون نفسه: أظهرت قدرة غير مسبوقة على توحيد الصف، وأثبتت أن استقلال مهنة المحاماة ليس مطلباً فئوياً ضيقاً، وإنما يرتبط بصورة مباشرة باستقلال العدالة وتوازن السلط وضمان حقوق المتقاضين.

لكن الاستمرار في الإضراب إلى ما لا نهاية قد يحول مكسباً مهنياً وحقوقياً إلى كلفة يتحملها الجميع، وفي مقدمتهم المتقاضون والمعتقلون وأصحاب الملفات والجالية المغربية والمؤسسات والشركات، فضلاً عن المحامين أنفسهم.

لقد تعطلت المحاكم لأكثر من مائة يوم، وتراكمت الملفات، وتأجلت مصالح الناس، وازدادت الكلفة الاجتماعية والاقتصادية للأزمة.

ولهذا، فإن العودة إلى قاعات المحاكم لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها تراجعاً أو استسلاماً.

قد تكون العودة، في هذه المرحلة بالذات، شكلاً آخر من أشكال النضال.

تعليق الإضراب لا يعني إسقاط السلاح، وإنما يعني تغيير وسيلة استعماله.

فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الاشتغال على أكثر من واجهة: تشريعية، سياسية، مهنية وقانونية. ويحتاج المحامون إلى تحويل القوة التي راكموها خلال أشهر الاحتجاج إلى قوة تفاوضية قادرة على التأثير في الحكومة المقبلة والبرلمان المقبل، وعلى الدفع نحو مراجعة المقتضيات محل الخلاف.

إن المعركة لم تنتهِ، لكنها تغيرت.

لم يخسر المحامون الحرب لأن القانون نُشر، كما أنهم لم ينتصروا في المعركة لأنهم تمكنوا من تأخير دخوله حيز التنفيذ. والحقيقة الأكثر دقة هي أن الجولة الأولى انتهت دون أن تُحسم القضايا الجوهرية التي أخرجت المحامين إلى الاحتجاج.

ومن بين أهم ما تحقق: وحدة الصف، وقوة التفاوض، وإعادة طرح سؤال استقلال المهنة على المستوى الوطني، وإثارة نقاش واسع حول علاقة المحاماة بالعدالة وبباقي السلط.

وهذه مكاسب لا ينبغي تبديدها باستمرار مواجهة مفتوحة لا تبدو في هذه اللحظة قادرة على إنتاج نتيجة إضافية.

ثم إن القانون الجديد، رغم المقتضيات التي أثارت الاعتراض، يتضمن أيضاً مستجدات وإيجابيات يمكن مناقشتها وتقييمها بعيداً عن منطق الرفض الشامل. وهذا يقتضي من هيئة الدفاع أن تنتقل من موقع الاحتجاج على النص كله إلى موقع الاشتغال الدقيق على المواد التي تعتبرها غير منسجمة مع استقلال المهنة وضمانات الدفاع.

ومن هنا، فإن المعادلة الأكثر عقلانية اليوم هي: تعليق الإضراب، وليس إنهاء المعركة؛ احترام القانون النافذ، دون التخلي عن المطالبة بتعديله؛ والانتقال من ضغط الشارع إلى قوة المؤسسات.

فالعمل النقابي والسياسي لا يقوم فقط على الاستمرار في الاحتجاج، وإنما يقوم أيضاً على معرفة متى نضغط، ومتى نتفاوض، ومتى نعيد ترتيب الأوراق.

وقد يكون من الحكمة أن تُستثمر المرحلة المقبلة في التواصل مع مختلف الفاعلين السياسيين، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، من أجل جعل إصلاح قانون مهنة المحاماة التزاماً واضحاً في البرامج السياسية المقبلة، بدل انتظار مواجهة جديدة مع وزير العدل أو الحكومة.

أما القول إن «ما لم يتحقق بالنضال سيتحقق بمزيد من النضال»، فهو ليس قاعدة مطلقة في إدارة المعارك المؤسساتية. فالنضال الناجح ليس بكثرة مدته، وإنما بقدرته على إنتاج النتائج.

والمحاماة، قبل أن تكون مهنة، هي إحدى ضمانات العدالة. ولذلك فإن تعطيل المحاكم لا يمكن أن يتحول إلى غاية في حد ذاته، لأن المتضرر في النهاية ليس فقط الدولة أو الوزارة، وإنما المتقاضي الذي ينتظر حكماً، والمعتقل الذي ينتظر البت في قضيته، والأسرة التي تنتظر إنصافاً، والمقاولة التي تنتظر حسم نزاعها.

لقد انتهت جولة، وبدأت أخرى.

والقانون المنشور في الجريدة الرسمية أصبح واقعاً قانونياً، لكن الواقع القانوني ليس دائماً واقعاً أبدياً. فالقوانين تُعدّل، وتُراجع، وتُختبر أمام القضاء، وتخضع للتقييم والممارسة.

لذلك، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل اليوم إلى هيئة الدفاع ليست: تراجعوا، وإنما: غيّروا أدوات المعركة.

عودوا إلى المحاكم، حافظوا على وحدة الصف، راقبوا تنزيل القانون، وثّقوا الاختلالات، اشتغلوا على التعديلات، واستعدوا للجولة التشريعية المقبلة.

فالمعركة الحقيقية ليست معركة وزير أو حكومة، وإنما معركة حول سؤال أكبر: أي محاماة نريد؟ وأي عدالة نريد؟ وأي ضمانات نريدها لاستقلال الدفاع؟

وهنا تحديداً، لا ينبغي إسقاط السلاح، بل ينبغي فقط معرفة متى وكيف وأين يُستعمل.

ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم.

*جامعي باحث في القانون والسياسات العمومية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x