2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
عبد المطلب أعميار
في كل الانظمة الديمقراطية، تشكل الانتخابات حدثا سياسيا يفتح الباب للتنافس بين القوى السياسية على خلفية البرامج الانتخابية المتباينة، في علاقتها بالاصطفافات الاجتماعية المختلفة من جهة، وفي علاقتها بـ”المثال الديمقراطي” L’idéal démocratique الذي يفتح افقا جديدا امام تطلعات الناخبين.
هي اداة متجددة، ليس فقط في ابعادها الشكلية، بل ايضا في المضمون السياسي للعملية الانتخابية التي تجدد افق التطلعات الاجتماعية. ولا يتحقق هذا الامر الا عبر السياسة بوصفها الحاضن “الموضوعي” لمختلف التطلعات والتعبيرات الاجتماعية المتباينة. وكلما عجزت الانتخابات عن ترجمة هذه التطلعات، فانها لا تعلن ازمة النموذج الديمقراطي فقط، بل تعلن ايضا مازق السياسة عندما تصبح عاجزة عن ترجمة تطلعات الناخبين والاستجابة لها.
وفي بلادنا، حيث يشكل المسار الديمقراطي تجربة ناشئة ظلت معها الانتخابات مختبرا لقياس مستوى الدمقرطة، في علاقتها بالقوانين، وبالمؤسسات، وبالنخب، وبالشعب، وبالناخبين، وبالاحزاب، وبالدولة. وفي كل مرحلة من مراحل العملية الديمقراطية شكلت الانتخابات محطة سياسية تجيب عن مختلف هذه المستويات.
في مرحلة ما سمي بـ”المسلسل الديمقراطي” كانت الانتخابات محطة سياسية لتجريب التوافقات المطلوبة بين الدولة والمعارضة من جهة، وبين الاحزاب والمجتمع من جهة اخرى. وقد كان لهذه الانتخابات مضمون سياسي ارتبط بمرحلة الصراع حول العملية الانتخابية والسياسية والدستورية، وحول مستلزمات بناء التوافق الوطني.
وفي مرحلة “التناوب” التوافقي كان المضمون السياسي للانتخابات يجيب عن الحاجة الموضوعية للانتقال لنموذج جديد في العملية السياسية قائم على تدشين مسار المصالحات السياسية والثقافية والحقوقية والتنموية في علاقتها بالدستور، وبالمجال العمومي، وبالمؤسسات، وبالنخب. وشكلت الانتخابات الخلفية السياسية لهذا التحول.
وفي مرحلة ما سمي بـ”الربيع العربي” شكلت الانتخابات خلفية سياسية لتجريب المشاركة السياسية للاسلاميين تحت شعار “محاربة الفساد والاستبداد”.
وفي كل هذه المسارات، شكلت الانتخابات مختبرا سياسيا حقيقيا يجيب عن الحاجة الوطنية المتجددة لمجابهة مختلف التحديات الكبرى في ابعادها الداخلية والخارجية.
وفي كل مرحلة كانت الانتخابات هي الوعاء الموضوعي الذي يحضن المضمون السياسي للعملية الديمقراطية طالما ان النخب المتصارعة كانت موجودة في قلب المجتمع. ومن داخله كانت تتاسس مختلف الشرعيات السياسية والديمقراطية التي تعطي للانتخابات مضمونا سياسيا في كل مرحلة.
وفي كل هذه المراحل المتعاقبة ظلت الدولة هي المبادر المركزي في تهيئة شروط
الانتقالات السياسية والدستورية والديمقراطية المطلوبة. حماية للمسار الديمقراطي من جهة،
وللاستقرار السياسي من جهة اخرى. والاهم من كل هذا، وهو ان الانتخابات ظلت هي الوعاء
السياسي الذي يحضن مختلف الانتظارات المجتمعية الكبرى، في ابعادها الديمقراطية والتنموية.
واليوم، من حق كل المتتبعين طرح السؤال المشروع: “اي مضمون سياسي للانتخابات
التشريعية القادمة؟”
هل نعلنها لان الخيار الديمقراطي الدستوري بعد 2011 اصبح محسوما، ويسمح اليوم بالمنافسة السياسية المفتوحة، على قواعد التعددية والنزاهة والمصداقية؟
هل نعلنها لان كل الفرقاء السياسيين يؤمنون حقيقة بنضج العملية الديمقراطية، داخل احزابهم، وفي المجال العام ايضا؟
هل نعلنها لان الاحزاب تؤمن بضرورة تقديم الحساب امام الناخبين المغاربة، وتحمل المسؤولية عن نتائج ذلك؟
هل نعلنها لان العملية الانتخابية ستفتح افقا جديدا في المسار السياسي ببلادنا؟
وكيفما كان الحال، فان الاجابة عن هذه الاسئلة تفترض استقراء الوضع السياسي العام في علاقته بالانتخابات من جهة، وفي علاقته بالتحولات السياسية التي يعرفها الحقل السياسي الوطني.
انها مناسبة للقول ان الانتخابات التشريعية، بالمشهد الحالي، لا تسائل الاحزاب فقط، بل تسائل الدولة ايضا. لان تنظيم الانتخابات، حتى ولو كان عرفا ديمقراطيا ودستوريا، الا انه من المفروض ان يشكل “اجابة سياسية” تنقل الناخبين الى دائرة “الامل المنشود”
و”الثقة في المؤسسات”، وتدفعهم للذهاب الى صناديق الاقتراع متطلعين الى التغيير
المامول. فما هي يا ترى الافاق التي ستفتحها الانتخابات التشريعية المقبلة في ظل تراكم الملفات
الكبرى لتضارب المصالح، واستغلال النفوذ، وفي ظل مساحات فقدان الثقة التي ترتسم يوما بعد يوم في المؤسسات وفي العمل السياسي؟
ثم، باي ضمانات سياسية ستشكل الانتخابات القادمة افقا ايجابيا في المسار الديمقراطي والدستوري
باستحضار حجم الكتلة العريضة غير المسجلة في اللوائح الانتخابية، وباستحضار مساحات العزوف الانتخابي التي تتسع خلال العمليات الانتخابية؟
وفوق هذا وذاك، ما الجدوى من العملية الانتخابية اذا كانت ستعيد انتاج نفس التقاطب
السياسي الذي اخرج “جيل زيد” غاضبا الى الشارع، ومعه العديد من الحركات
الاحتجاجية والاجتماعية، ولعل اخرها المشاهد المؤلمة للنزوح الجماعي الى سبتة
المحتلة، مع ما تعنيه من فقدان للامل، وانسداد للآفاق، وشعور بالاحباط
والياس؟
واذا كانت العديد من المؤشرات توحي بان الدورة الانتخابية المرتقبة، اذا ما استمرت الامور على ما هي عليه، لن تعرف جديدا في تركيبة التقاطب المهيمن. وبالتالي، استمرار انكماش المجال السياسي الديمقراطي لصالح التقاطب الحالي. وهو ما يعني، ان العملية السياسية-الانتخابية لن تساهم في خلق اجواء الانفراج السياسي، وعناصر القوة الداعمة لمواجهة حدة الطلب الاجتماعي، وشروط الانتقال الى مغرب “السرعة الواحدة” مع ما يتطلبه من ادوات سياسية للانتقال الى
“ديمقراطية الانجاز” la démocratie de la performance
التي لم تعد تسمح بتعددية سياسية عجفاء حولت الاحزاب الى “وكالات انتخابية” بدون اي مضمون سياسي او مشروع مجتمعي.
وعليه، فان الذهاب الى الانتخابات بنفس الشروط القائمة اليوم، بنفس البنيات والمصالح، مع ما خلفته بالامس القريب من تعبيرات احتجاجية اربكت المجتمع، والدولة على حد سواء، لن تعمل، والحالة هاته، الا على تعميق الهوة بين المؤسسات التمثيلية
والنسيج المجتمعي المتحرك.
ان الوضع السياسي العام يسائل الانتخابات التشريعية القادمة على مستوى طبيعة النماذج السياسية
المتبارية عشية الانتخابات. ويسائل ايضا صورة النخبة الحزبية امام الناخبين،
ناهيك عن اضمحلال فكرة “المثال الديمقراطي” التي اختفت من المجال السياسي الوطني.
وهكذا، يبدو شعار “المغرب بسرعة واحدة” مجردا من الحمولات السياسية والمجتمعية
التي قد تعطيه مضمونا في الاجندة الوطنية، ناهيك عن تحوله الى شعار انتخابي بدون مضمون سياسي.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبه.