2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
صرخة شعب القبائل : نريد تقرير المصير
تيليلي إغودان -القبايل
لطالما تغنّت الجزائر بشعار حق الشعوب في تقرير مصيرها، دون أن تطبّق هذا المبدأ على نفسها، إذ أفرغته من محتواه وجعلته أسلوبًا لابتزاز دول المنطقة. غير أن المثير في الأمر هو بروز تناقض صارخ؛ فالجزائر تحتل أقدم شعب في إفريقيا، وهو شعب القبائل، حيث لا يزال هذا الشعب المغلوب على أمره يكابد الاحتلال والقهر، إسوةً بالشعب الجزائري، تارةً بالتضييق على حقه في تقرير مصيره، وتارةً بقمع واعتقال المعارضين والتضييق على حقه في التعبير عن طموحاته، رغم أن الدستور الجزائري يعطي لهذا الشعب حق تقرير مصيره.
فما هو الأساس الدستوري لحق شعب القبائل في تقرير مصيره وفقًا للدستور الجزائري؟ وما هي الخطوات الواجب اتخاذها من حركة الماك، التي تعتبر نفسها حركة تحرر وطني والممثل الشرعي للقبائليين في المنفى؟
منطقة القبائل: الجغرافيا والتاريخ والسكان
منطقة القبائل أو بلاد القبائل، وتسمى بالقبائلية «ثامورث ن لقبايل»، هي منطقة ثقافية وطبيعية في شمال شرق الجزائر، وتغطي عدة ولايات في شرق ولاية بومرداس، وولاية تيزي وزو، وولاية بجاية، وشمال ولاية البويرة، وولاية المدية، وشمال ولاية برج بوعريريج، وشمال ولاية سطيف، وولاية جيجل، وشمال ولاية ميلة، وغرب ولاية سكيكدة.
أُطلق اسم «كابيلي» (Kabylie) على المنطقة خلال فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر، وهو مستمد في الأصل من كلمة «قبائل» في اللغة العربية. ويطلق الناطقون بالعربية حاليًا على المنطقة اسم «بلاد لقبايل».
في تاريخ ما قبل الاستعمار في شمال إفريقيا، استُعمل اسم «القبايل» (المفرد أو الجمع) في البداية على جميع مناطق المغرب العربي التي تسكنها القبائل المحلية، لكن في منتصف القرن التاسع عشر اكتسب الاسم معنى أكثر دقة، ليصبح محفوظًا تدريجيًا للمجموعة التي شكّلتها جبال التل بين مدينة الجزائر وقسنطينة، حول كتل جرجرة، والبيبان، وبابور.
يتوزع القبائليون في مدن وقرى، بحيث يقطن منطقة القبائل حوالي 3 ملايين نسمة، موزعون على مدن كبرى مثل بجاية وتيزي وزو، ومدن صغرى كالبويرة، إضافة إلى قرى أخرى. أما خارج منطقة القبائل، فهم موزعون على عدة ولايات، بعدد يقدّر بـ2.5 مليون نسمة، أغلبهم يقطنون الجزائر العاصمة وقسنطينة ووهران.
الفن القبائلي كوسيلة لمقاومة الاحتلال الجزائري
لقد لعبت الأغنية القبائلية المعاصرة دورًا هامًا في تقوية الوعي بالانتماء إلى الهوية الأمازيغية بمنطقة القبائل، وكانت لها قاعدة شعبية واسعة على يد مغنين قبائليين كبار، أمثال سليمان عزام، وإيدير، وآيتمنقلات، والمناضل فرحات مهني، رئيس الحكومة القبائلية في المنفى، وغيرهم.
وقد بدأت معهم حركة الاحتجاج المعلن ضد نظام الحكم الاستعماري الفرنسي ثم الجزائري، وكان لهم جمهور واسع في الداخل والخارج.
وبدأت الأغنية القبائلية تعرف الشهرة خلال الفترة الممتدة بين 1945 و1950، عندما قام جيل من الشباب القبائلي المناضلين في صفوف التيار الوطني الراديكالي بتأليف أغانٍ ملتزمة (les chansons engagées) باللغة الأمازيغية، خاصة أناشيد الحركة الكشفية المتطورة في منطقة القبائل، باستعمال كلمات النشيد «kker a mmi-s umazigh»، ومعناها بالعربية: «انهض يا ابن مازيغ».
وكان أساس وجوهر الأغنية القبائلية يغلب عليه الأثر الوطني الثوري والسياسي، في محاولة لتصحيح أخطاء النظام والدعوة إلى التحرر. ونذكر، على سبيل المثال لا الحصر، أغنية «بارزيدان» (Berzidan)، أي «الرئيس»، للمغني فرحات مهني، من كلمات محند أويحي، والتي كانت سببًا في مضايقات لا حصر لها من طرف النظام. كما نجد أغنية «Amzzarti»، أي «الهارب من الجندية»، وأغنية «أدّو» (Adu)، وتعني «ريح الحرية».
ومن أغاني إيدير نقف على أغنية «تاقراولة» (Tagrawla)، وتعني في الأمازيغية «الثورة»، و«تيغري ن وݣدود» (Tighri n Wegdud)، وتعني «نداء الشعب»، فضلًا عن المجموعة النسوية «جرجرة والحرية» التي غنت أغنية «Taqbaylit»، أي «بنت القبائل».
وابتداءً من سنة 1974، أعطت الأغنية القبائلية الحديثة، خاصة مع النجاح الذي أحرزه المطرب إيدير ومجموعة من المطربين المؤلفين ذوي الموهبة الكبيرة، أمثال آيتمنقلات وفرحات مهني، لموضوع الهوية الأمازيغية قاعدة جماهيرية، كما عززت من مصداقية الثقافة الأمازيغية على المستوى الوطني والدولي.
والموسيقى في منطقة القبائل تحمل الكثير من الإثارة، حتى لو كانت في المناسبات العادية، وهي تتميز بطابع شعبي محض، مما مكّن الأغنية من الانتقال خارج الحدود على يد المؤلفين والمغنين أمثال: إقربوشن، والشيخ الحسناوي، وسليمان عازم، وشريف خدام، وآيتمنقلات، وإيدير، ومعطوب الوناس، وتكفاريناس، وغيرهم.
والخلاصة أن الأغنية القبائلية كانت دائمًا صوت الحرية والانعتاق والخلاص من الاستعمار الجزائري الرافض لمبدأ تقرير المصير الذي اعترف به الدستور الجزائري.
الأساس الدستوري لمطالبة شعب القبائل بتقرير مصيره
تنص المادة 32 من الدستور الجزائري على أن: «الجزائر متضامنة مع جميع الشعوب التي تكافح من أجل التحرر السياسي والاقتصادي والحق في تقرير المصير وضد كل تمييز عنصري».
وانطلاقًا من هذه المادة الدستورية، يصبح من حق شعب القبائل المطالبة بتقرير المصير وتفعيل الدستور كميثاق للأمة، وجب احترامه وتنزيله، لأنه نابع من الشعب وإلى الشعب، على اعتبار أن شعب القبائل شعب فريد له هوية مستقلة عن باقي الشعب الجزائري، كما أنه أقدم وجودًا من دولة الجزائر التي تأسست بالصدمة الاستعمارية سنة 1962، عن طريق المرسوم الفرنسي الذي خيّر الجزائريين وقتها بين البقاء تحت الحكم الفرنسي أو الاستقلال وبناء نظام جديد.
إن هذه المادة في الدستور الجزائري هي الطريق لنيل الكرامة لشعب القبائل عن طريق الترافع المؤسساتي في الأمم المتحدة والمنظمات الأممية، فالضغط القانوني والسياسي لا يقل شأنًا عن الحراك الجماهيري في الشارع.
القبائل… حركة الماك الممثل الشرعي للقبائليين
تعدّ حركة استقلال منطقة القبائل، المعروفة اختصارًا بحركة «الماك»، تنظيمًا سياسيًا يرنو إلى تحقيق استقلال منطقة القبائل عن الحكم الجمهوري الجزائري.
تأسست الحركة من طرف المغني الشعبي فرحات مهني، غداة أحداث «الربيع الأسود» عام 2001، وذلك بعد الاحتجاجات العنيفة التي دارت رحاها في المنطقة الشمالية، بغاية الدفاع عن الهوية الأمازيغية في وجه الحكومة «المتعصبة للعروبة»، كما وصفها المتظاهرون.
وطفت الاحتجاجات بحدة غداة «اغتيال» طالب في المدرسة الثانوية بمقر للدرك الوطني. ففي 18 أبريل 2001، أصيب ماسينيسا قرماح، البالغ من العمر 18 عامًا، بجروح بالغة بسبب طلقات حية منبعثة من رشاش كلاشنيكوف في مقر الدرك ببني دوالة، وهي بلدة جبلية قريبة من تيزي وزو، شرق الجزائر العاصمة.
لقد كان الهدف من تأسيس حكومة في المنفى، حسب رئيسها السيد فرحات مهني، نسف الظلم والاحتقار والهيمنة التي تمارسها الحكومة الجزائرية، والتي تنكر وجود الشعب الأمازيغي وتسعى إلى طمس وجوده وهويته بالقمع والتهميش.
وفي 14 دجنبر 2025، أعلنت حركة تقرير المصير في القبائل «MAK» وحكومة القبائل في المنفى «أنافاد»، اليوم الأحد، رسميًا، عن استقلال جمهورية القبائل الاتحادية من العاصمة الفرنسية باريس، وقد لاقت الخطوة ترحيبًا كبيرًا من لدن القبائليين والمتعاطفين معها، رغم التعتيم الإعلامي للنظام الجزائري.
الخاتمة:
في ضوء ما سبق، يتضح أن قضية شعب القبائل، لا يمكن اختزالها في مجرد خلاف سياسي أو ثقافي عابر، بل ترتبط، من وجهة نظرنا، بمسألة الهوية والحقوق السياسية والثقافية وبحق الشعوب في التعبير عن تطلعاتها واختيار مستقبلها.
وإذا كانت الجزائر تؤكد في خطابها السياسي والدستوري دعم حق الشعوب في التحرر وتقرير المصير، فإن السؤال الذي يظل مطروحًا هو مدى قابلية هذه المبادئ للتطبيق عندما يتعلق الأمر بالشعوب والمكونات الموجودة داخل حدودها. ومن هنا تبرز أهمية الاحتكام إلى الآليات القانونية والمؤسساتية، بدلًا من الاقتصار على الخطاب السياسي أو المواجهة الميدانية.
كقبايلية تؤمن بحق شعبي في تقرير مصيره فإني أقترح ما يلي:
- تفعيل المسار القانوني والمؤسساتي من خلال دراسة النصوص الدستورية والقوانين الجزائرية ذات الصلة، وتحديد الأسس القانونية التي يمكن الاستناد إليها في المطالبة بحق تقرير المصير.
- اللجوء إلى المؤسسات والهيئات الدولية عبر تقديم ملف موثق يتضمن المعطيات التاريخية والثقافية والسياسية، وطرح القضية أمام الهيئات الأممية والمنظمات الدولية المختصة وفق القواعد والإجراءات المعمول بها.
- اعتماد الترافع السلمي والدبلوماسي باعتباره وسيلة أكثر قدرة على إيصال المطالب إلى المجتمع الدولي، مع تجنب كل ما من شأنه تحويل القضية إلى صراع مسلح أو مواجهة تهدد المدنيين.
- توثيق الانتهاكات للحقوق والحرياتبشكل قانوني ودقيق، من خلال جمع الشهادات والوثائق والأحكام القضائية والتقارير الحقوقية، حتى يستند أي تحرك دولي إلى معطيات قابلة للتحقق.
- تعزيز الحضور الإعلامي والثقافي** للقضية القبائلية، والتعريف بالهوية واللغة والثقافة القبائلية، مع الاستفادة من الفنون والأدب والموسيقى باعتبارها أدوات للتعريف بالقضية وإيصالها إلى الرأي العام.
- الاحتكام إلى إرادة السكان باعتبار أن أي حديث عن تقرير المصير ينبغي أن يستند، في نهاية المطاف، إلى إرادة السكان المعنيين، وبوسائل سلمية وديمقراطية وشفافة تتيح لهم التعبير الحر عن خياراتهم.
وفي المحصلة، فإن قضية القبائل ستظل مرتبطًة بقدرة أصحابها على بناء ملف سياسي وقانوني متماسك، يستند إلى التاريخ والهوية والحقوق والحريات، ويضع إرادة السكان في صدارة أي مسار مستقبلي. فالقضايا التي ترتبط بحقوق الشعوب لا تُحسم بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى التوثيق، والترافع، والحوار، والعمل المؤسساتي، والاحتكام إلى الوسائل السلمية والقانونية.