2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
إن الناخب يستعمل التصويت لتقييم من حكم، لكن أثر هذا التقييم لا يتوقف عند توزيع المقاعد، بل يمتد إلى تحديد من يستطيع تشكيل الحكومة، ومن يدفع إلى المعارضة، ومن يتحول رغم خسارته إلى “حزب محوري” لا يمكن تشكيل أغلبية بدونه. وتكشف المقارنة بين المغرب وإسبانيا وفرنسا وألمانيا أن العقاب الانتخابي لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة السياسية نفسها، لأن ذلك يتوقف على طبيعة النظام الانتخابي، وبنية النظام الحزبي، وقواعد تشكيل الحكومة، وقوة الثقافة الائتلافية
1) مفهوم العقاب الانتخابي
العقاب الانتخابي (Electoral Punishment) هو سلوك سياسي يعمد من خلاله جزء من الناخبين إلى سحب الثقة من حزب أو أغلبية أو قيادة سبق أن منحها صوته، بسبب عدم الرضا عن أدائها الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي أو الأخلاقي.
ولا يعني العقاب الانتخابي بالضرورة انتقال الناخب من حزب إلى حزب منافس. فقد يتخذ صوراً مختلفة: التصويت للمعارضة، الامتناع عن التصويت، التصويت الاحتجاجي لحزب جديد أو راديكالي، إسقاط مرشح بعينه مع الاحتفاظ بالانتماء الحزبي، أو معاقبة حزب مشارك في ائتلاف حكومي وتحميله كلفة سياسات لم يكن المسؤول الوحيد عنها.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الحكومات الائتلافية: المشاركة في الحكم توزع المناصب، ولكنها لا توزع دائماً المسؤولية الانتخابية بالتساوي. فقد ينجو الحزب الذي يقود الحكومة بينما يُعاقب شريكه الأصغر، وقد يحدث العكس. ويمكن تبسيط العلاقة في المعادلة التالية:
أداء حكومي سلبي + وضوح المسؤولية السياسية + وجود بديل مقنع = ارتفاع احتمال العقاب الانتخابي.
أما إذا كانت المسؤولية موزعة بين أحزاب عديدة، والبدائل غير واضحة، والانتماءات الحزبية ضعيفة، فقد يصبح العقاب مشتتاً ولا يؤدي إلى تداول سياسي واضح.
2) الحالة المغربية: العقاب الانتخابي الحاد ولكن ضمن نظام حزبي شديد التجزؤ
تمثل انتخابات 8 شتنبر 2021 إحدى أوضح حالات العقاب الانتخابي في التاريخ السياسي المغربي الحديث. فقد انتقل حزب العدالة والتنمية من 125 مقعداً سنة 2016 إلى 13 مقعداً فقط سنة 2021، أي خسارة 112 مقعداً. في المقابل حصل التجمع الوطني للأحرار على 102 مقعد، والأصالة والمعاصرة على 87، والاستقلال على 81 مقعداً.
هذه النتيجة لا يمكن تفسيرها فقط باعتبارها هزيمة انتخابية عادية، بل تشكل نموذجاً شبه مكتمل لـ “العقاب الانتخابي المكثف”.
أ- لماذا كان العقاب الانتخابي سنة 2021 شديداً؟
يرتبط ذلك أولاً بطول مدة المشاركة الحكومية للعدالة والتنمية، الذي قاد الحكومتين المتعاقبتين منذ 2011. فكلما طالت مدة الحزب في رئاسة الحكومة ارتفعت إمكانية تحميله مسؤولية تراكمية عن الاختلالات، حتى عندما تكون القرارات ناتجة عن تسويات مؤسساتية أو ائتلافية. كما ساهمت قضايا ذات أثر اجتماعي وسياسي كبير في استنزاف رصيده، إضافة إلى صراعاته الداخلية، وطريقة تدبير المرحلة التي أعقبت إعفاء عبد الإله بنكيران سنة 2017، والانقسام حول بعض الاختيارات الحكومية.
لكن العامل الأعمق هو انتقال جزء من الناخبين من التصويت الهوياتي إلى التصويت التقييمي. لم يعد السؤال بالنسبة إليهم: “من يمثل هويتي السياسية؟” بل أصبح: “ماذا أنجز الحزب بعد عشر سنوات من قيادة الحكومة؟”.
ب- هل كان سقوط العدالة والتنمية كله عقاباً انتخابياً؟
هنا ينبغي التحفظ منهجياً. فالانتخابات المغربية لسنة 2021 جرت أيضاً في ظل تغيير للقاسم الانتخابي وطريقة توزيع المقاعد، ولذلك لا ينبغي رد خسارة 112 مقعداً إلى العامل السلوكي وحده. إلا أن حجم التراجع كان أكبر بكثير من أن يُفسَّر حصراً بالتقنية الانتخابية، وهو ما يجعل العقاب الشعبي أحد المكونات الأساسية للنتيجة، دون اعتباره التفسير الوحيد.
ج- العقاب في المغرب لا يعني بالضرورة انتقالات إيديولوجية
هذه نقطة شديدة الأهمية. لم يكن سقوط العدالة والتنمية سنة 2021 بالضرورة انتقالا جماعياً للناخب المغربي من “الإسلام السياسي” إلى “الليبرالية” أو إلى “اليسار”.
فالتصويت المغربي يتداخل فيه: الانتماء الحزبي؛ شخصية المرشح؛ الشبكات المحلية؛ الأعيان؛ القدرة التنظيمية؛ الموارد الانتخابية؛ والتقييم الوطني للحكومة. ولهذا يمكن وصف الحالة المغربية بأنها عقاب انتخابي قوي ولكن بتداول حزبي أكثر منه تداولاً إيديولوجياً.
3) التحالفات المغربية بعد العقاب الانتخابي
بعد انتخابات 2021 تشكلت الأغلبية من:
التجمع الوطني للأحرار + الأصالة والمعاصرة + حزب الاستقلال.
وهي أغلبية كبيرة عددياً: 102 + 87 + 81 = 270 مقعداً من أصل 395.
وهنا تظهر خصوصية الحالة المغربية مقارنة بالحالات الأوروبية.
فالتحالف لم يكن مجرد وسيلة للوصول إلى عتبة الأغلبية، لأن 198 مقعداً تكفي حسابياً للحصول عليها، وإنما وفر أغلبية سياسية مريحة تتجاوز الحد الأدنى بكثير. وهذا النوع من التحالفات يمكن تسميته في الأدبيات السياسية بـ: (Oversized Coalition) — ائتلاف يفوق الأغلبية الضرورية.
ويمتلك مزايا مثل الاستقرار البرلماني، وتقليص قدرة المعارضة على إسقاط الحكومة، وتسهيل تمرير القوانين. لكن لديه في المقابل إشكالية ديمقراطية مهمة: كلما اتسعت الأغلبية، أصبح من الصعب على المواطن مستقبلاً تحديد من يجب معاقبته عن قرار حكومي معين. وهنا تنشأ مفارقة:
كلما كانت الحكومة الائتلافية أوسع، زادت قوتها البرلمانية، ولكن قد تقل وضوح مسؤوليتها السياسية أمام الناخب. وهذه المسألة بالذات ستكون مهمة جداً في انتخابات المغرب المقررة يوم 23 شتنبر 2026. فالانتخابات لم تجرِ بعد، ولذلك لا يمكن الجزم بوجود عقاب انتخابي للأغلبية الحالية، وإنما يمكن فقط تحليل شروط حدوثه. الموعد الرسمي للاقتراع هو 23 شتنبر 2026.
تثير ظاهرة التحالفات الحكومية بعد الانتخابات إشكالية دقيقة تتجاوز مجرد الحساب العددي للمقاعد، وتتعلق أساساً بمدى احترام الإرادة السياسية التي عبر عنها الناخبون. فإذا كان حزب ما قد قاد الحكومة خلال ولاية كاملة، ثم دخل الانتخابات الموالية متحملاً مسؤولية حصيلتها، وتعرض لخسارة انتخابية واضحة أفقدته الصدارة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يكون منسجماً مع منطق المحاسبة الديمقراطية أن يعود الحزب نفسه مباشرة إلى الحكومة من بوابة التحالف مع الحزب الذي فاز بالانتخابات، وأن يحصل مجدداً على حقائب وزارية ومواقع تنفيذية مهمة؟
4) الانتخابات ليست فقط آلية لاختيار الفائز، بل آلية للمحاسبة
تقوم الديمقراطية التمثيلية على مبدأين متكاملين: التفويض والمحاسبة. فالناخب يمنح الحزب تفويضاً للحكم في انتخابات معينة، ثم يعود في الانتخابات الموالية لتقييم الطريقة التي استعمل بها ذلك التفويض. ومن ثم، فإن خسارة الحزب الذي قاد الحكومة لعدد مهم من الأصوات والمقاعد، وانتقال الصدارة إلى حزب آخر، يمكن أن تحمل دلالة سياسية واضحة مفادها أن جزءاً مهماً من الناخبين لم يعد يرغب في استمرار الحزب الأول في قيادة المرحلة السياسية بالطريقة السابقة.
ولهذا لا ينبغي قراءة الانتخابات باعتبارها مجرد عملية حسابية لتوزيع المقاعد، بل باعتبارها أيضاً حكماً سياسياً دورياً على من مارس السلطة.
5) المفارقة بين العقاب في صناديق الاقتراع والمكافأة داخل التحالف الحكومي
تظهر المفارقة عندما يعاقب الناخب حزباً قاد الحكومة، فيفقد الحزب نسبة مهمة من أصواته ومقاعده، وربما يفقد المرتبة الأولى، ثم تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة فيجد الحزب نفسه مرة أخرى داخل الأغلبية الجديدة، ويحصل على وزارات ومناصب تنفيذية مهمة. فنكون أمام مسارين متناقضين:
المسار الانتخابي: الناخب يقلص وزن الحزب.
المسار الائتلافي: المفاوضات تعيد الحزب إلى السلطة.
وبذلك قد يتحول الحزب، خلال أسابيع قليلة، من حزب تعرض للعقاب الانتخابي إلى حزب مشارك مجدداً في تدبير السلطة التنفيذية. المشكلة هنا ليست بالضرورة في دستورية التحالف، فقد يكون التحالف سليماً من الناحية القانونية، وإنما في مدى انسجامه مع الدلالة السياسية للتصويت.
6) لا ينبغي الخلط بين الشرعية الدستورية والمشروعية السياسية
من الضروري التمييز بين مستويين:
الأول هو المستوى الدستوري والقانوني: هل يوجد نص يمنع الحزب الخاسر من المشاركة في الحكومة؟
والثاني هو المستوى الديمقراطي والسياسي: هل تتفق مشاركته الفورية في الحكومة الجديدة مع الرسالة التي وجهها الناخبون إليه؟
قد تكون الإجابة عن السؤال الأول بالإيجاب من حيث إمكانية المشاركة، بينما تظل الإجابة عن السؤال الثاني محل نقاش. ومن هنا يمكن القول إن: ما يكون جائزاً دستورياً لا يكون بالضرورة الخيار الأكثر انسجاماً مع منطق المحاسبة السياسية.
7) حالة الحزب الذي قاد الحكومة تختلف عن حالة شريك حكومي صغير
ينبغي هنا إجراء تمييز مهم. فالحزب الذي كان يقود الحكومة ويتولى رئاستها يتحمل أمام الرأي العام مسؤولية سياسية أكبر من مسؤولية الأحزاب المشاركة معه، حتى وإن كانت القرارات الحكومية جماعية. فهو الذي قدم رئيس الحكومة، وقاد الأغلبية، ودافع عن الحصيلة، وخاض الانتخابات على أساسها. ولذلك، عندما يفقد هذا الحزب صدارة الانتخابات بصورة واضحة، فإن عودته مباشرة إلى الحكومة شريكاً في الأغلبية الجديدة تطرح إشكالية أكبر من عودة حزب صغير كان مجرد مكون من مكونات الائتلاف السابق.
لأن العقاب في هذه الحالة لا يتعلق فقط بتراجع عدد المقاعد، وإنما يمكن أن يُفهم باعتباره سحباً للثقة السياسية من قيادة التجربة الحكومية السابقة.
8) حالة المغرب وخصوصية الفصل 47
تكتسب المسألة أهمية خاصة في النظام الدستوري المغربي. فالفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. وبذلك منح الدستور المغربي للصدارة الانتخابية أثراً دستورياً مباشراً.
وهذا الاختيار يحمل دلالة مهمة: نتائج صناديق الاقتراع ليست مجرد أرقام توزع المقاعد، وإنما تحدد أيضاً الحزب الذي ينطلق منه تشكيل الحكومة. لكن الفصل 47 لا يمنع الحزب الذي خسر الصدارة من المشاركة في الحكومة التي يقودها الحزب المتصدر. وهنا ننتقل مرة أخرى من سؤال الدستورية إلى سؤال المشروعية الديمقراطية.
فإذا كان حزب قاد الحكومة ثم فقد المرتبة الأولى، فإن دخوله حكومة يقودها الحزب الذي عاقبه الناخبون لصالحه قد يكون قانونياً، لكنه يثير السؤال التالي: ما القيمة السياسية للعقاب الانتخابي إذا كان الحزب المعاقب يستطيع العودة مباشرة إلى الحكومة والحصول على مواقع وزارية مهمة؟
9) التجربة الألمانية تقدم مثالاً مضاداً مهماً
تكشف ألمانيا أن الديمقراطية البرلمانية لا تقوم بالضرورة على قاعدة إخراج الحزب الخاسر من الحكومة. ففي انتخابات فبراير 2025 تعرض الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD)، الذي كان يقود حكومة أولاف شولتس، لهزيمة كبيرة، إذ تراجع إلى 16.4% بعدما كان قد حصل على 25.7% سنة 2021، وأصبح القوة الثالثة بعد CDU/CSU وAfD. ومع ذلك عاد SPD إلى الحكومة شريكاً للاتحاد المسيحي الفائز بالانتخابات، وتولى رئيسه المشارك لارس كلينغبايل منصب نائب المستشار ووزارة المالية.
وهذه الحالة مهمة لأنها تمنعنا علمياً من القول إن عودة الحزب الخاسر “غير ديمقراطية” بصورة مطلقة. الأدق أن نقول إنها تكشف توتراً داخل الديمقراطية البرلمانية بين منطقين:
منطق المحاسبة الانتخابية: الذي يفترض أن تكون للخسارة آثار سياسية.
منطق بناء الأغلبية البرلمانية: الذي يسمح للأحزاب بالتفاوض بعد الانتخابات لإنتاج حكومة قابلة للحياة.
وقد ذهب تحليل أكاديمي للحالة الألمانية إلى أن استمرار SPD الطويل في الحكومات رغم تراجعه الانتخابي قد يؤدي إلى مزيد من إضعاف موقعه السياسي، وهو ما يؤكد أن العودة إلى الحكومة قد تكون ممكنة مؤسساتياً، لكنها ليست بلا تكلفة ديمقراطية أو انتخابية.
10) إسبانيا تقدم نموذجاً أكثر وضوحاً لأولوية الأغلبية البرلمانية
إسبانيا تقدم مثالاً آخر. ففي انتخابات 2023 حل الحزب الشعبي PP أولاً، بينما جاء الحزب الاشتراكي PSOE ثانياً. ومع ذلك، لم يتمكن الحزب الأول من جمع أغلبية التنصيب، بينما نجح بيدرو سانشيز في بناء أغلبية برلمانية أعادته إلى رئاسة الحكومة.
في النظام الإسباني إذن لا تمنح المرتبة الأولى وحدها حق قيادة الحكومة؛ المعيار الحاسم هو القدرة على الحصول على ثقة البرلمان. وهذا يختلف جذرياً عن المغرب، حيث ربط الفصل 47 تعيين رئيس الحكومة بالحزب المتصدر للانتخابات.
11) فرنسا — من العقاب الانتخابي إلى “البرلمان المعلق”
الحالة الفرنسية أكثر تعقيداً. في الانتخابات التشريعية المبكرة لسنة 2024 أفرزت الجولة الثانية مجلساً بلا أغلبية مطلقة. وأظهرت النتائج الرسمية حصول اتحاد اليسار على الكتلة الأكبر في تصنيف وزارة الداخلية، بينما حصل معسكر الرئيس على نحو 150 مقعداً، وحقق التجمع الوطني وحلفاؤه تقدماً كبيراً، دون أن يحصل أي طرف على الأغلبية المطلقة البالغة 289 مقعداً. وهنا ظهر نموذج مختلف للعقاب الانتخابي.
فقد عوقب المعسكر الرئاسي بخسارته الأغلبية التي كان يتمتع بها سابقاً، لكن الناخب لم يمنح أي بديل أغلبية واضحة. يمكن تسمية ذلك: العقاب دون تفويض بديل. أي أن الناخب يقول للحاكم: “لا أريد استمرار الوضع السابق”، لكنه لا يقول بوضوح: “أريد أن يحكم هذا البديل وحده”. وهذه من أخطر نتائج التفكك الحزبي، لأنها تنتج ما يسمى: (Hung Parliament) — برلماناً معلقاً.
فالبرلمان الفرنسي الحالي لا يزال شديد التجزؤ، وأحد المؤشرات على ذلك استمرار استعمال آليات حجب الثقة والصراع حول الأغلبية حتى سنة 2026. ففي يوليوز 2026 مثلاً لم تنجح مذكرة حجب الثقة بعد أن حصلت على 132 صوتاً فقط.
خصوصية فرنسا: تختلف فرنسا عن ألمانيا وإسبانيا بسبب تقليد الجمهورية الخامسة الذي اعتاد لفترة طويلة على وجود أغلبية رئاسية واضحة. لكن تراجع الثنائية التقليدية بين اليمين واليسار، وصعود الوسط الماكروني والتجمع الوطني واليسار الراديكالي، جعل النظام الفرنسي يتحرك نحو منطق التعددية القطبية دون أن تتطور فيه بعد ثقافة الائتلاف بنفس درجة ألمانيا. ولهذا أصبحت فرنسا تعاني من:
تعدد حزبي قوي + ثقافة ائتلافية ضعيفة = صعوبة إنتاج أغلبية مستقرة.
12) نحو مفهوم “الأثر السياسي للعقاب الانتخابي”
يمكن هنا اقتراح مفهوم تحليلي يفيد الدراسة، وهو “الأثر السياسي للعقاب الانتخابي”. فلا يكفي أن يخسر الحزب أصواتاً ومقاعد لكي نقول إن العقاب حقق وظيفته كاملة، بل يجب البحث فيما إذا كانت الخسارة قد غيرت موقعه داخل السلطة.
وبناءً على ذلك يمكن التمييز بين أربع درجات:
العقاب التصويتي: انخفاض عدد الأصوات.
العقاب التمثيلي: خسارة المقاعد البرلمانية.
العقاب القيادي: خسارة صدارة الانتخابات ورئاسة الحكومة.
العقاب السلطوي: الانتقال من الحكومة إلى المعارضة.
وتعتبر الدرجة الرابعة أقوى صور العقاب السياسي، لأنها تحقق التداول بين الأغلبية والمعارضة. أما إذا خسر الحزب رئاسة الحكومة لكنه عاد مباشرة شريكاً قوياً في الحكومة الجديدة، فإن العقاب يكون جزئياً: فقد خسر القيادة، لكنه لم يخسر المشاركة في السلطة.
13) المعارضة ليست عقوبة بل وظيفة ديمقراطية
من الأخطاء السياسية التعامل مع الانتقال إلى المعارضة باعتباره هزيمة ينبغي على الحزب تفاديها بأي ثمن. فالمعارضة جزء من التداول الديمقراطي. وقد يكون من الأصح سياسياً لحزب تعرض لعقاب انتخابي واضح أن ينتقل إلى المعارضة، ويقوم بمراجعة تجربته الحكومية، ويعيد بناء برنامجه وتنظيمه وثقة ناخبيه، ثم يعود للمنافسة في الانتخابات التالية.
وبهذا المعنى تصبح المعارضة مرحلة لإعادة بناء الشرعية السياسية وليست مجرد إقصاء من السلطة. أما الإصرار على المشاركة في كل حكومة، بصرف النظر عن الرسالة التي حملتها الانتخابات، فقد يؤدي تدريجياً إلى تحويل الحزب من مؤسسة تسعى إلى تنفيذ مشروع سياسي إلى مؤسسة هدفها الأساسي الاستمرار داخل السلطة التنفيذية.
14) التحالف الذي يلغي نتائج الانتخابات يضعف المسؤولية السياسية
لا تكمن المشكلة في التحالف في ذاته، فالأنظمة متعددة الأحزاب تحتاج إليه، وإنما في التحالف عندما يصبح وسيلة لإفراغ الاختيار الانتخابي من أثره السياسي. فالتحالف الديمقراطي السليم ينبغي أن يكمل نتيجة الانتخابات لا أن يلغي معناها.
وإذا عاقب الناخب حزباً على حصيلة حكومية، ثم شاهده بعد أسابيع يعود إلى الحكومة ويتولى وزارات وازنة، فقد يتولد لديه شعور بأن تغيير تصويته لم يؤدِ إلى تغيير حقيقي في ممارسة السلطة. ومن أخطر النتائج الممكنة لذلك تراجع الثقة في الانتخابات نفسها، لأن المواطن قد يصل إلى السؤال: إذا كان الحزب الذي عاقبته في صندوق الاقتراع سيعود إلى الحكومة من خلال مفاوضات ما بعد الانتخابات، فما الجدوى السياسية من عقابي له؟ وهذا السؤال يمس جوهر الديمقراطية التمثيلية.
خلاصة
لا يمكن من الناحية العلمية وضع قاعدة مطلقة تقول إن الحزب الذي قاد الحكومة وخسر الانتخابات يُمنع ديمقراطياً من العودة إليها، لأن التجارب المقارنة، وعلى رأسها ألمانيا، تثبت أن الديمقراطيات البرلمانية قد تسمح بذلك عندما تفرضه حسابات الأغلبية. لكن يمكن الدفاع بقوة عن أطروحة أكثر دقة مفادها أن الحزب الذي قاد الحكومة وتعرض لعقاب انتخابي واضح يُفترض، من زاوية المسؤولية السياسية، أن يتحمل النتائج وأن يمنح التداول معناه، خصوصاً عندما توجد أغلبية بديلة قابلة للحياة من دونه.
فإذا كان لا يمكن تشكيل أي أغلبية مستقرة إلا بمشاركته، تصبح عودته مفهومة في إطار الضرورة البرلمانية. أما إذا كانت هناك بدائل حكومية قابلة للحياة، ومع ذلك اختار الحزب الخاسر العودة إلى السلطة للحصول على حقائب ومناصب، فإن الإشكال الديمقراطي يصبح أكثر حدة.
وبالتالي يمكن صياغة القاعدة على النحو الآتي:
كلما كانت هزيمة الحزب القائد للحكومة أكثر وضوحاً، وكلما كانت إمكانية تشكيل أغلبية بديلة من دونه أكبر، أصبحت عودته الفورية إلى السلطة أقل انسجاماً مع منطق العقاب الانتخابي والتداول الديمقراطي، حتى وإن ظلت جائزة من الناحية الدستورية.
وهذا هو الفارق الأساسي بين ديمقراطية الأرقام وديمقراطية المسؤولية: الأولى تسأل هل توجد مقاعد كافية لتشكيل الحكومة؟ أما الثانية فتضيف سؤالاً أكثر عمقاً: هل تعكس الحكومة التي تشكلت فعلاً الرسالة السياسية التي أرسلها المواطنون عبر صناديق الاقتراع؟
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.