2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
سبتة.. الهجرة التي تَختَبِر العلاقات المغربية الإسبانية
عبد الحميد البجوقي
ليس من المُفيد، في تقديري، أن نتعامل مع أحداث سبتة باعتبارها مجرد أزمة هجرة. الهجرة هنا تبدو أقرب إلى الواجهة التي ظهرت فوقها خلافات أعمق، ومصالح متشابكة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي. والحجم الاستثنائي للتدفق الذي عرفته سبتة، وما رافقه من إجراءات أمنية وتجاذبات سياسية وإعلامية، جعل الحدث يتجاوز البعد الأمني والهجروي إلى أسئلة أكثر حساسية تتعلق بالسيادة، وبطبيعة العلاقة المغربية الإسبانية، ومستقبل الشراكة بين البلدين.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط عن أحداث سبتة كأزمة هجرة؟ بل ماذا كشفت هذه الهجرة عن خفايا العلاقة بين المغرب وإسبانيا وأوروبا؟
الشراكة التي تختبرها سبتة
لا أعتقد أن ما حدث في سبتة سيؤدي، في المدى المنظور، إلى هدم الشراكة الاستراتيجية بين المغرب وإسبانيا، لكنه سيكشف حدودها واختباراتها الحقيقية.
فالعلاقة بين البلدين لم تعد علاقة ثنائية تقليدية يمكن أن تتعطل بسبب أزمة ظرفية. لقد نشأت حولها شبكة واسعة من المصالح تشمل الأمن، ومكافحة الإرهاب، والهجرة، والتجارة، والطاقة، والتعاون القضائي، إضافة إلى المصالح المرتبطة بالاتحاد الأوروبي والعلاقات مع الولايات المتحدة.
ولهذا يمكن أن ترتفع حرارة الخطاب السياسي والإعلامي كثيراً، بينما تستمر قنوات الاتصال والتعاون في العمل تحت السطح. وهذه هي المفارقة التي تجعل المرحلة الحالية شديدة الحساسية. أزمة صاخبة في الخطاب، من دون أن تعني بالضرورة أزمة استراتيجية في العلاقات.
الموقف الإسباني نفسه ليس موحداً. فبينما تُصعّد المعارضة وبعض الأصوات المحلية في سبتة خطابها ضد الحكومة المركزية وضد المغرب، تؤكد الحكومة الإسبانية أهمية التعاون مع الرباط في تدبير الهجرة والأمن.
لذلك أرى أن الأزمة ستضغط على الشراكة، لكنها لن تكسرها. وربما تدفع الطرفين، بعد انحسار الضجيج السياسي والإعلامي، إلى إعادة ترتيب بعض قواعدها.
فسبتة تذكّر إسبانيا بأن علاقتها بالمغرب ليست مجرد ملف حدودي أو أمني، كما تذكّر المغرب بأن إدارة العلاقة مع إسبانيا تمر، بشكل أو بآخر، عبر أوروبا.
عندما تتحول الهجرة إلى ورقة تفاوض
هنا ينبغي أن نذهب أبعد من القراءة الأمنية التقليدية.
لقد تحولت الهجرة خلال السنوات الأخيرة من ملف للتعاون إلى ورقة تفاوض، وأحياناً إلى لغة غير معلنة لإدارة ملفات أخرى. وهذا لا يعني أن المغرب يستخدم الهجرة بصورة ميكانيكية، أو أن كل موجة هجرة هي قرار سياسي مغربي. اختزال المسألة في هذا التفسير سيكون تبسيطاً خطيراً.
فما حدث في سبتة له أيضاً أسباب اجتماعية واقتصادية وإنسانية واضحة داخل المغرب. الشائعات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والإحباط لدى قطاعات من الشباب، كلها عوامل لا يمكن تجاهلها.
لكن، في المقابل، لا يمكن إنكار أن الهجرة أصبحت إحدى أكثر أوراق الضغط حساسية في العلاقات الأوروبية ـ المغربية. أوروبا تعرف أن الموقع الجغرافي للمغرب يجعله شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه في حماية حدودها الجنوبية.
وهنا تظهر المفارقة المُزعجة، كلما ازدادت أوروبا اعتماداً على المغرب في مراقبة حدودها، ازدادت القيمة التفاوضية للمغرب، وكلما ازدادت حساسية أوروبا تجاه الهجرة، أصبحت هذه الورقة أكثر أهمية.
لكن مصلحة المغرب وإسبانيا لا تكمن في تحويل هذه الورقة إلى مواجهة مفتوحة. فالتعاون الأمني والهجروي بين البلدين أصبح أعمق من أن ينهار بسبب أزمة واحدة. بل إن الأزمة نفسها أظهرت الحاجة المتبادلة إلى هذا التعاون.
وفي الوقت ذاته، دخلت بروكسل على الخط، بما يعني أن سبتة لم تعد قضية إسبانية ـ مغربية خالصة، بل أصبحت جزءاً من نقاش أوروبي أوسع حول الحدود الخارجية لمنطقة شنغن والهجرة والتضامن بين الدول الأوروبية.
بين أمن الحدود وكرامة الإنسان
وسط هذا الصخب، هناك بعد إنساني يجب أن لا يختفي.
لا يمكن أن تتحول أجساد الأطفال والشباب، ولا خوف الأسر، ولا مآسي الهجرة، إلى مجرد أرقام في دفتر التفاوض السياسي. وفي الوقت نفسه، لا يمكن استخدام البعد الإنساني لإعفاء الدول من مسؤوليتها في حماية حدودها وتنظيم الهجرة.
المشكلة أن الطرفين يبدوان أحياناً وكأنهما يتعاملان مع أعراض الأزمة أكثر مما يتعاملان مع أسبابها.
المغرب يواجه اختلالات اجتماعية واقتصادية ينبغي الاعتراف بها ومعالجتها، وإسبانيا تواجه بدورها تحديات في تدبير الهجرة، خصوصاً في ما يتعلق باستقبال القاصرين وتوزيع المسؤوليات بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية.
وهكذا تكشف سبتة أن جزءاً من الأزمة مغربي، وجزءاً منها إسباني، وجزءاً آخر أوروبي. ولذلك فإن تحميل طرف واحد كامل المسؤولية لا يفسر الواقع، بل يختصره اختصاراً سياسياً مريحاً.
هل تستخدم المعارضة الإسبانية سبتة ضد المغرب؟
خطاب الأحزاب المعارضة في إسبانيا، وخصوصاً اليمين، يجب أن يُقرأ أولاً في سياق الصراع السياسي الداخلي.
سبتة تمنح المعارضة فرصة لإعادة طرح أسئلة الأمن والهجرة وحدود قدرة حكومة بيدرو سانشيز على حماية الحدود. وهذا ليس جديداً في السياسة الأوروبية، عندما تصبح الهجرة قضية أمنية، تصبح تلقائياً مادة انتخابية.
لذلك فإن تحميل المغرب وحده مسؤولية كل ما يحدث في سبتة قد يخدم سياسياً بعض القوى الإسبانية، لكنه لا يقدم تفسيراً كاملاً للأزمة.
بل إن الهجرة أصبحت في أحيان كثيرة ستاراً يُخفي وراءه ملفات أكثر حساسية، مستقبل سبتة ومليلية، العلاقة مع المغرب، الموقف الإسباني من الصحراء، موقع إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي، وحدود استقلال قرارها في السياسة الخارجية، فضلاً عن الصراع الداخلي في إسبانيا حول من يمتلك الخطاب الأكثر تشدداً تجاه المغرب والهجرة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط، هليستخدمالمغربالهجرةللضغطعلىإسبانيا؟
بل ينبغي أن نسأل أيضاً، لماذا أصبحت الهجرة أصلاً إحدى أكثر أدوات الضغط حساسية في العلاقة بين الضفتين؟ ومن المُستفيد سياسياً من تحويل كل أزمة اجتماعية إلى أزمة أمنية؟
ليست أزمة جديدة… بل مرحلة جديدة من الأزمة القديمة.
من هنا يمكن فهم الصورة الأوسع.
ما نراه اليوم ليس بالضرورة بداية أزمة مغربية ـ إسبانية جديدة، بل ربما بداية مرحلة جديدة في إدارة الأزمة القديمة.
سبتة ليست مجرد حدود، والهجرة ليست مجرد هجرة، والمواجهة الإعلامية ليست دائماً انعكاساً حقيقياً لمستوى العلاقات بين الدول.
لقد دخلت العلاقة المغربية الإسبانية، منذ التحول الكبير في الموقف الإسباني من قضية الصحراء، مرحلة تقوم بدرجة أكبر على المصالح المتبادلة، أكثر مما تقوم على المجاملات السياسية. ولذلك تستطيع مدريد والرباط أن تختلفا بشدة في بعض الملفات، وأن تتعاونا في ملفات أخرى في الوقت نفسه.
أما الاتحاد الأوروبي، فسيجد نفسه مضطراً إلى التعامل مع المغرب ليس فقط باعتباره جاراً جنوبياً، وإنما باعتباره شريكاً مركزياً في أمن حدوده الجنوبية.
وهنا تصبح سبتة قضية أوروبية بقدر ما هي قضية إسبانية ومغربية.
سبتة لا تهدم الشراكة… لكنها تعيد تعريفها
في تقديري، سيعود الهدوء الاستراتيجي في نهاية المطاف، حتى لو استمر الصخب السياسي لبعض الوقت. لكن ذلك لا يعني أن كل شيء سيعود كما كان.
لقد كشفت أحداث سبتة هشاشة بعض التوازنات، وكشفت أيضاً أن ورقة الهجرة يمكن أن تنتقل بسرعة من ملف إنساني إلى ملف أمني، ومن ملف أمني إلى ورقة سياسية، ومن ورقة سياسية إلى ورقة تفاوضية أوروبية.
ولهذا أقول:
لن تهدم سبتة الشراكة المغربية الإسبانية، لكنها ستُجبرها على إعادة تعريف نفسها.
وربما الأهم من ذلك كله أن ما انفجر في سبتة قد لا يكون سوى الجزء المرئي من جبل الجليد.
أما ما خفي قد يكون أعظم.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.