لماذا وإلى أين ؟

انتخابات 2026 والحاجة إلى بارومتر مغربي للرأي العام

رضوان الرياش*

مقدمة

تأتي الانتخابات التشريعية لسنة 2026 في سياق سياسي واجتماعي واقتصادي دقيق، يتميز بتزايد انتظارات المواطنين، وارتفاع النقاش حول حصيلة العمل الحكومي، ومدى قدرة الاحزاب السياسية على تقديم بدائل واقعية تستجيب لمطالب المجتمع. كما تتزامن هذه الاستحقاقات مع تحولات عميقة مست سوق الشغل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والسكن والماء والهجرة، فضلا عن تنامي حضور شبكات التواصل الاجتماعي في تشكيل النقاش السياسي والانتخابي.

وفي خضم هذا النقاش، تبرز مفارقة تستحق التوقف عندها. فالاحزاب السياسية تتحدث باستمرار عن انتظارات المواطنين، والحكومة والمعارضة تستندان الى ما تعتبرانه مطالب المجتمع، ووسائل الاعلام تقدم قراءات حول توجهات الناخبين، بينما لا يتوفر المغرب، بالمعنى المؤسساتي المتكامل، على منظومة وطنية مستقلة ودائمة ومنتظمة لقياس الرأي العام السياسي والاجتماعي.

صحيح ان المغرب يتوفر على مؤسسات وطنية تنتج معطيات احصائية ودراسات ميدانية مهمة كمندوبيةالسامية للتخطيط، كما تشمله استطلاعات دولية معروفة مثل Afrobarometer  و Arab Barometer، غير ان الحاجة تظل قائمة الى بناء آلية وطنية مرجعية ومستقلة تسمح بقياس تطور اتجاهات المواطنين بشكل دوري، وليس فقط خلال المناسبات الانتخابية.

ومن هنا تطرح الانتخابات التشريعية لسنة 2026 سؤالا يتجاوز معرفة الحزب الذي سيتصدر النتائج، ليصبح السؤال الاكثر اهمية: هل نعرف فعلا ماذا يريد الناخب المغربي؟ وكيف يمكن الانتقال من الانطباعات السياسية والرقمية حول اتجاهات المجتمع الى معرفة علمية قابلة للقياس والتحليل والمقارنة؟

اولا: الانتخابات التشريعية لسنة 2026 والحاجة الى معرفة حقيقية باتجاهات الناخب المغربي

تكشف المرحلة السابقة للانتخابات التشريعية لسنة 2026 عن حاجة متزايدة الى معرفة دقيقة بالتحولات التي طرأت على المجتمع المغربي وعلى علاقته بالسياسة والمؤسسات والاحزاب. فالانتخابات ليست مجرد منافسة بين تنظيمات سياسية من اجل الحصول على المقاعد، وانما هي ايضا لحظة لتقييم السياسات العمومية ومحاسبة الاغلبية الحكومية واختبار قدرة المعارضة على تقديم بديل مقنع.

غير ان ممارسة هذه الوظيفة الديمقراطية تفترض معرفة ما يفكر فيه المواطن وما يعتبره من اولويات. وهنا تظهر اهمية استطلاعات الرأي باعتبارها اداة علمية تسمح بقياس اتجاهات المجتمع وفق عينات ممثلة ومعايير احصائية ومنهجية واضحة.

فمن المهم، قبل انتخابات 2026، معرفة مستوى الثقة في الاحزاب السياسية وفي البرلمان والحكومة والمعارضة، ومدى رضا المواطنين عن السياسات العمومية، والقضايا التي يعتبرونها ذات اولوية، ومدى استعدادهم للمشاركة في الانتخابات، والاسباب التي يمكن ان تدفع جزءا منهم الى العزوف.

كما ينبغي معرفة طبيعة العلاقة بين تقييم المواطن للحصيلة الحكومية وسلوكه الانتخابي. فقد يكون المواطن غير راض عن سياسة قطاعية معينة دون ان يؤدي ذلك بالضرورة الى تغيير اختياره الانتخابي، كما يمكن ان يكون راضيا عن بعض البرامج الحكومية لكنه يفضل حزبا اخر لأسباب مرتبطة بالمرشح او بالانتماء المحلي او بالثقة السياسية.

وهنا تبرز اهمية هذه الدراسة والتي يمكن تساهم في الوعي المجتمعي وهذا ما يوضح الصورة اكثر للمواطنات والمواطنين في الاختيار والمحاسبة. فالديمقراطية لا تقوم فقط على اختيار من سيحكم مستقبلا، وانما تقوم ايضا على محاسبة من تحمل المسؤولية خلال الولاية السابقة. ولذلك فإن قياس مستوى الرضا عن العمل الحكومي قبل الانتخابات يسمح بفهم العلاقة بين المسؤولية السياسية والمحاسبة الانتخابية.

وتزداد اهمية هذا الموضوع مع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح من السهل الخلط بين الرأي العام والرأي الرقمي. فآلاف التعليقات المؤيدة او المعارضة لموقف سياسي معين لا تعني بالضرورة ان ذلك الموقف يمثل غالبية المجتمع المغربي. فمستخدمو المنصات الرقمية لا يمثلون عينة احصائية للمواطنين، كما ان الخوارزميات والحملات الرقمية والمحتوى الممول والحسابات المنظمة يمكن ان تؤثر في حجم انتشار بعض المواقف. لذلك تحتاج انتخابات 2026 الى الانتقال من منطق “نبض الشارع” غير المحدد علميا الى منطق قياس اتجاهات المجتمع بواسطة ادوات علمية مستقلة وشفافة.

ثانيا: استطلاعات الرأي بين تقييم البرامج الحزبية وقياس المشاركة والعزوف الانتخابي

تقدم الاحزاب السياسية خلال الانتخابات برامج تتضمن وعودا والتزامات في مجالات التشغيل والاستثمار والصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية وغيرها. لكن السؤال الاساسي هو: على اي اساس تم ترتيب هذه الاولويات؟

فالبرنامج الانتخابي الحديث لا ينبغي ان يكون مجرد وثيقة يعدها خبراء الحزب او قيادته، وانما يفترض ان يكون نتيجة عملية متكاملة تبدأ بالاستماع الى المجتمع وقياس حاجياته ثم ترتيب اولوياته وتحويلها الى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.

ومن هنا يمكن لاستطلاعات الرأي ان تساهم في تحسين جودة البرامج الانتخابية. فإذا اظهرت الدراسات، على سبيل المثال، ان التشغيل يمثل الاولوية الاولى للشباب، وان القدرة الشرائية تشكل الانشغال الرئيسي للأسر، وان الصحة تتصدر اهتمامات فئات اخرى، فإن الاحزاب ستكون مطالبة بتقديم اجابات دقيقة عن هذه الإنتظارات، وليس الاكتفاء بالشعارات العامة.

كما تسمح استطلاعات الرأي بمقارنة البرامج الحزبية مع إنتظارات المجتمع، وهو ما يفتح المجال امام تقييم أكثر موضوعية للعرض السياسي. فبدلا من السؤال عن الحزب الذي قدم البرنامج الاكثر جاذبية، يمكن التساؤل عن الحزب الذي قدم البرنامج الاكثر ارتباطا بالاولويات الفعلية للمواطنين.

ويكتسي قياس العزوف الانتخابي اهمية خاصة. فالنقاش حول ضعف المشاركة غالبا ما يبدأ بعد اعلان النتائج، بينما ينبغي دراسة الظاهرة قبل الانتخابات. والمطلوب هو معرفة من ينوي التصويت، ومن لم يحسم موقفه، ومن قرر عدم المشاركة، ولماذا.

هل يعود العزوف الى ضعف الثقة في الاحزاب؟ ام الى عدم الاقتناع بالمرشحين؟ ام الى الاعتقاد بان الانتخابات لا تؤثر في السياسات العمومية؟ ام الى ضعف التواصل السياسي؟ ام الى عدم معرفة البرامج؟ ام الى عوامل اقتصادية واجتماعية؟

إن معرفة هذه الاسباب تسمح بالانتقال من التعامل مع العزوف باعتباره مجرد رقم انتخابي الى اعتباره ظاهرة سياسية واجتماعية تحتاج الى التشخيص. كما يمكن لاستطلاعات الرأي دراسة تأثير مجموعة من العوامل في القرار الانتخابي: هل يصوت المواطن للحزب ام للمرشح؟ هل تؤثر الحصيلة الحكومية في اختياره؟ ما موقع البرنامج الانتخابي؟ وما حجم تأثير الاسرة والمحيط المحلي ووسائل الاعلام والمنصات الرقمية؟

هذه الاسئلة تجعل استطلاع الرأي اداة لفهم السلوك الانتخابي، وليس مجرد وسيلة للتنبؤ بالفائز.

ثالثا: التجارب المقارنة ودروسها للمغرب في تنظيم وقياس الرأي العام

تظهر التجارب الديمقراطية المقارنة ان استطلاعات الرأي اصبحت جزءا من الحياة السياسية، لكن طريقة تنظيمها تختلف من دولة الى اخرى. ففي فرنسا توجد تجربة مهمة في تنظيم استطلاعات الرأي ذات الصلة بالانتخابات ووضع قواعد تتعلق بالشفافية والمنهجية والنشر، بما يسمح بالتوفيق بين حرية البحث وحق المواطن في الحصول على المعلومات من جهة، وحماية نزاهة العملية الانتخابية من جهة ثانية.

وفي المملكة المتحدة تطورت تقاليد مهنية قوية لدى مؤسسات استطلاع الرأي، تقوم على اهمية الكشف عن منهجية اختيار العينة وطرق الترجيح وصياغة الاسئلة، مع وجود اهتمام كبير بتحليل الاخطاء التي يمكن ان تقع فيها الاستطلاعات ومراجعة مناهجها.

اما الولايات المتحدة فتتميز بتعدد المؤسسات والجامعات ومراكز الابحاث والشركات التي تقوم باستطلاعات الرأي. وتسمح هذه التعددية بمقارنة النتائج وعدم احتكار قياس الرأي العام من طرف مؤسسة واحدة.

وتقدم تجربة Eurobarometer نموذجا مهما من زاوية الاستمرارية، لان القيمة العلمية لا تكمن فقط في معرفة رأي المواطن في لحظة معينة، وانما في متابعة تطور هذا الرأي عبر الزمن. كما تشكل تجربتا Afrobarometer وArab Barometer مرجعيتين مهمتين بالنسبة للمغرب، لكونهما تقومان بقياس اتجاهات المواطنين في عدد من القضايا المرتبطة بالديمقراطية والحكامة والثقة في المؤسسات والاقتصاد والاوضاع الاجتماعية.

والدرس الاساسي الذي يمكن للمغرب استخلاصه من هذه التجارب هو ان نجاح استطلاعات الرأي يحتاج الى ثلاثة عناصر مترابطة: الاستقلالية العلمية، والشفافية المنهجية، والاستمرارية الزمنية. كما يجب التمييز بين تنظيم استطلاعات الرأي وبين احتكارها. فالمطلوب ليس احداث مؤسسة رسمية تكون وحدها صاحبة الحق في معرفة اتجاهات المواطنين، وانما وضع منظومة تسمح بتعدد مؤسسات البحث والاستطلاع في إطار قواعد علمية وقانونية واضحة.

رابعا: نحو احداث البارومتر المغربي للرأي العام بعد انتخابات 2026

يمكن ان تشكل الانتخابات التشريعية لسنة 2026 مناسبة لفتح نقاش وطني حول احداث “البارومتر المغربي للرأي العام“، باعتباره آلية مستقلة ودائمة لقياس اتجاهات المواطنين، وليس مؤسسة موسمية تظهر عند اقتراب الانتخابات وتختفي بعدها. وينبغي ان يقوم هذا المشروع على الاستقلالية عن الحكومة والاحزاب السياسية والمصالح الاقتصادية، مع وجود مجلس علمي يضم متخصصين في العلوم السياسية وعلم الاجتماع والاقتصاد والاحصاء والقانون والاتصال وتحليل البيانات.

كما ينبغي وضع قواعد صارمة للشفافية تلزم كل استطلاع بالكشف عن الجهة التي طلبته ومولته، وحجم العينة وطريقة اختيارها، وتوزيعها الجغرافي والاجتماعي، وتاريخ جمع البيانات، وطريقة طرح الاسئلة، ونسبة عدم الاجابة، وهامش الخطأ، وطريقة معالجة البيانات وترجيحها.

ولا ينبغي ان يقتصر البارومتر المغربي على نوايا التصويت، بل يمكن ان يصدر بشكل دوري مؤشرات حول الثقة في المؤسسات، وتقييم السياسات العمومية، والاوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وأولويات المواطنين، وإنتظارات الشباب، والمشاركة السياسية، وجودة الخدمات العمومية، والرضا عن التدبير المحلي والترابي.

وفي الفترات الانتخابية يمكن تطوير بارومتر خاص بالمشاركة الانتخابية، وآخر بأولويات الناخبين، وثالث بتقييم الحصيلة الحكومية، ورابع بالعوامل المؤثرة في الاختيار الانتخابي، مع احترام الضوابط القانونية المتعلقة بإجراء ونشر استطلاعات الرأي ذات الصلة بالانتخابات. والغاية ليست صناعة الرأي العام او توجيه الناخب، وانما معرفته وفهم تحولاته.

فالديمقراطية لا تحتاج فقط الى معرفة رأي المواطن يوم الاقتراع، بل تحتاج الى معرفة تطور مواقفه بين استحقاق انتخابي وآخر. كما تحتاج الاحزاب الى معرفة علمية بالمجتمع حتى تستطيع بناء برامج واقعية، وتحتاج الحكومة الى معرفة تقييم المواطنين لسياساتها، وتحتاج المعارضة الى معطيات تسمح لها ببناء البدائل، ويحتاج الباحث والاعلامي الى بيانات موثوقة بدل الاعتماد على الانطباعات. ومن هذه الزاوية، يمكن ان تمثل انتخابات 2026 نقطة انطلاق للانتقال من مرحلة ادعاء معرفة ما يريده المواطن الى مرحلة قياس ما يريده فعلا.

والسؤال الحقيقي في الانتخابات المقبلة لا ينبغي ان يكون فقط: من سيفوز؟

بل ينبغي ان تسبقه اسئلة اكثر عمقا: ماذا يريد المغاربة؟ ما القضايا التي ستحدد تصويتهم؟ لماذا يشارك بعضهم ويعزف آخرون؟ كيف يقيمون حصيلة الولاية الحكومية؟ ما درجة ثقتهم في الاحزاب؟ وما البدائل التي ينتظرونها من الحكومة المقبلة؟

إن الاجابة العلمية عن هذه الاسئلة من شأنها ان تجعل استطلاع الرأي جزءا من تطوير الممارسة الديمقراطية، وان تساعد على ربط البرامج الحزبية بالإنتظارات الحقيقية للمجتمع، وتعزيز وظيفة الانتخابات باعتبارها آلية للاختيار والمحاسبة في الوقت نفسه.

وبذلك لا يكون “البارومتر المغربي للرأي العام” مجرد اداة لمعرفة من سيتصدر الانتخابات، بل مؤسسة للإنصات المستمر الى المجتمع، ووسيلة لتقريب القرار السياسي والسياسات العمومية من المواطن، وآلية اضافية لتعزيز جودة الديمقراطية المغربية. هذه البنية تحصر صلب الموضوع في اربعة عناوين فقط، مع مقدمة وخلاصة مدمجة في العنوان الرابع، وتجعل انتخابات 2026 هي الخيط الناظم للتحليل كله.

*خبير في السياسات العمومية وعضو المركز المغربي للسياسات العمومية وتدبير الازمات

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها





من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x