2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
د محمد شقير
بلغ عدد المسجلين في الحصيلة التي قدمتها وزارة الداخلية في يوليوز 2026، نحو 15.8 مليون ناخب، منهم 55% في الوسط الحضري و45% في الوسط القروي. أي أن الهيئة المسجلة نفسها أكبر عددياً في المدن، وهو أمر طبيعي بالنظر إلى الوزن الديمغرافي الحضري. وقد سجل خلال مراجعة اللوائح بين 15 ماي و10 يوليوز 2026حوالي 391 ألف تسجيل جديد. وإذا كانت هذه المعطيات المنشورة لا تفصل هذا الرقم بين الحضري والقروي فهذا لا يمنع من طرح سؤال أعمق: هل يمكن أن يؤدي العزوف الحضري المتزايد إلى “قروَنة” جزئية للاستراتيجية الانتخابية للأحزاب المغربية؟ وهل ستدفع مؤشرات ارتفاع العزوف الانتخابي بالمدن إلى التركيز على الرفع من نسبة التصويت بالقرى والبوادي ؟؟؟
1-التصويت بالقرى والبوادي كتصويت منتظم ومكثف
ينبغي التمييز ، لفهم الجغرافيا الانتخابية المغربية ، بين «ارتفاع نسبة المشاركة» وبين «كثافة التصويت»: فالقرى والبوادي لم تكن دائماً أكثر عدداً من المدن، وإنما كان الناخب القروي المسجل أكثر انتظاماً في الحضور إلى صندوق الاقتراع. وتظهر الأرقام الرسمية لمندوبية التخطيط أن هذه الظاهرة لها أساس بنيوي: ففي انتخابات 2021 بلغ معدل التسجيل في اللوائح الانتخابية 94.3% في الوسط القروي مقابل 56.7% في الوسط الحضري. ويمكن إرجاع هذه الظاهرة لأن الانتخابات في هذه المناطق القروية كانت مرتبطة دائما بعلاقات اجتماعية مباشرة. ففي القرية، المرشح ليس شخصية بعيدة أو مجهولة؛ حيث غالباً ما يكون ابن المنطقة، أو من عائلة معروفة، أو يرتبط بشبكة من الأعيان والوجهاء. لذلك يتحول التصويت من اختيار برنامج سياسي إلى اختيار شخص وعلاقة اجتماعية. وهذا ما جعل الولاءات العائلية والقبلية والمحلية عاملاً مهماً في الانتخابات. كما أنه بالنسبة إلى سكان جماعة قروية، انتخاب الرئيس أو المستشار الجماعي قد يرتبط بأمور ملموسة جداً: إنجاز طريق، التزويد بالماء الصالح للشرب ، الإنارة، النقل المدرسي، الأراضي، الرخص، الخدمات الجماعية وغيرها. ولهذا كان الناخب القروي يرى أن غيابه عن الانتخابات قد يضعف موقعه أو موقع عائلته داخل توازنات القرية. في المقابل، المواطن الحضري قد لا يرى العلاقة بين صوته وبين حياته اليومية بنفس الوضوح. بالإضافة إلى هذين الدافعين ، يكون الضغط الاجتماعي في القرية أقوى :فإذا كان الناخب في المدينة «مجهولاً» داخل كتلة سكانية ضخمة، ففي القرية، فالمجتمع أكثر ترابطاً، ومن السهل معرفة: من ذهب إلى التصويت؛ و من لم يصوت؛ ومن صوت مع أي مرشح، أو على الأقل من أي عائلة جاء التصويت. وبالتالي يصبح التصويت أحياناً سلوكاً جماعياً أكثر منه قراراً فردياً. إلى جانب ذلك فللأعيان قدرة تعبئة لا تتوفر بالدرجة نفسها في المدينة. فابن العائلة الكبيرة، والشيخ المحلي، والمنتخب السابق، والتاجر، والفقيه أو صاحب النفوذ أو المرشح نفسه يستطيع تعبئة شبكة من الأشخاص يوم الاقتراع.وهنا نفهم لماذا كان المرشح القروي القوي انتخابياً قد يكون أهم من الحزب الذي ينتمي إليه. حيث كانت الأحزاب تحتاج إلى استقطاب أعيان محليين قادرين على تحريك هذه الشبكات.ولهذا فإن ارتفاع المشاركة القروية تاريخياً يمكن فهمه باعتباره نتاج «الاندماج الانتخابي المحلي» أكثر من كونه دليلاً على ارتفاع الوعي السياسي بالضرورة. وبالتالي، فانتظام التصويت القروي شكل أحد أسباب اعتماد الدولة والأحزاب تاريخياً على الأعيان والوسطاء المحليين لضمان تعبئة انتخابية مستقرة، في مقابل صعوبة التحكم في الناخب الحضري.
2- العزوف الانتخابي كظاهرة حضرية
يمكن القول إن العزوف الانتخابي في المغرب يتخذ طابعًا حضريًا واضحًا. ففي المدن الكبرى، خصوصًا الدار البيضاء وفاس والرباط وطنجة، تكون المشاركة الانتخابية عادة أقل بكثير من المناطق القروية. ففي انتخابات 2021، مثلًا، تجاوز العزوف الانتخابي نسبة 65% في عدد من الدوائر الحضرية المكتظة، بينما سجلت الدوائر الصغيرة، وخاصة القروية، نسب مشاركة أعلى بكثير. واللافت أن هذا يحدث رغم أن المدن هي المجال الذي توجد فيه كثافة أكبر من التعليم والإعلام والجامعات والأحزاب والنقابات والمجتمع المدني. ولذلك لا يمكن تفسير العزوف الحضري بمجرد “قلة الوعي السياسي”.فالمدينة أكثر تسيسًا، لكنها أقل تصويتًا.و القرية أقل تسيسًا حزبيًا، لكنها أكثر تصويتًا.وهذا ما ظهر تاريخيًا؛ إذ سجلت بعض الانتخابات نسب مشاركة مرتفعة في العالم القروي مقابل نسب منخفضة جدًا في المدن الكبرى. ففي انتخابات شتنبر 2021، مثلًا، كانت المشاركة في بعض الدوائر الحضرية الكبرى منخفضة بصورة استثنائية. ويمكن تفسير هذا العزوف الحضري الأقوى بمجموعة من العوامل المتداخلة تتمثل بالأساس في ضعف الروابط الاجتماعية التقليدية التي تعبئ الناخب في القرية. و ارتفاع الفردانية الحضرية؛ فالناخب لا يشعر بالضرورة بأنه ملزم بالتصويت لأن العائلة أو الجماعة أو الأعيان يتوقعون ذلك. وكذا ارتفاع مستوى المساءلة السياسية؛ فالناخب الحضري يقارن البرامج والوعود بالنتائج السابقة. بالإضافة إلى انتشار الإحساس بأن التصويت لا يغير كثيرًا في السياسات العامة. إلى جانب ضعف العلاقة بين الأحزاب والناخب الحضري خارج فترة الانتخابات.ولعل وجود نسبة كبيرة من الشباب، داخل المدن وهم من أكثر الفئات ابتعادًا عن التسجيل والتصويت؛ قد يكرس أيضا هذا العزوف. ففي انتخابات 2021، بلغ معدل التسجيل لدى السكان خاصة الشباب في سن التصويت 94.3% في الوسط القروي مقابل 56.7% في الوسط الحضري. أي أن المشكلة الحضرية تبدأ قبل يوم الاقتراع نفسه: فهناك مواطنون حضريون كثيرون لا يدخلون أصلًا في الهيئة الانتخابية المسجلة. بل في المدن الكبرى، قد يتحول العزوف أحيانًا إلى شكل من أشكال الاحتجاج الصامت على العرض الحزبي، وليس مجرد شكل من أشكال اللامبالاة السياسية.
3. تركيز الأحزاب والسلطة على الناخب القروي.
أشارت تحليلات الانتخابات المغربية إلى اختلاف استراتيجيات الحملات بين المجالين الحضري والقروي وإلى الدور الحاسم الذي ظل يلعبه الناخب القروي منذ الانتخابات المحلية الأولى سنة 1960. حيث ترتفع الاهمية الانتخابية للناخب القروي نسبيًا، مقارنة بالناخب الحضري . فكلما ازداد العزوف في المدن، أصبحت الأحزاب أمام مفارقة تتمثل في أن الناخب الأكثر تعليمًا وتسيسًا قد يصبح انتخابيًا أقل أهمية من الناخب القروي الأكثر انتظامًا في التصويت. وعلى الرغم من أنه لا توجد مؤشرات توحي بأن التسجيل في القرى كان أكثر انتظاماً أو تعبئةً منه في المدن، حيث أن المعطيات الرسمية المتاحة عن انتخابات 2026 لا تسمح بالقول بأن الإقبال على التسجيل كان أكبر في القرى من حيث العدد أو النسبة، إلا أن القرى التي ليست بالضرورة أكثر تسجيلاً، ستكون أكثر قابلية لتحويل التسجيل إلى مشاركة انتخابية فعلية؛ بينما المدينة التي تضم كتلة انتخابية أكبر، ستكون أكثر تعرضاً للعزوف. وهذا يقود إلى استنتاج سياسي مهم جداً يتمثل في أنه إذا استمر العزوف الحضري مقابل الانتظام النسبي للتصويت القروي، فقد تصبح تعبئة الناخب القروي أكثر جاذبية للأحزاب في الانتخابات، ليس لأن عدد القرويين أكبر، بل لأن العائد الانتخابي من كل عملية تعبئة قد يكون أعلى وأكثر قابلية للتوقع. حيث يمكن أن تلجأ الأحزاب المتنافسة إلى مجموعة من الآليات الانتخابية لتعبئة التصويت القروي من خلال الاعتماد أولاً على الأعيان والوسطاء المحليين حيث تعتبر هذه ربما أهم أداة في الوسط القروي. فالاحزاب المتنافسة لن تتوجه بالضرورة إلى كل ناخب بشكل فردي، وإنما سيتم البحث عن شخصيات لها قدرة على الوصول إلى شبكة من السكان: منتخبون محليون، أعيان، رؤساء جماعات، فعاليات جمعوية، مهنيون وشخصيات عائلية. وبالتالي يمكن اعتبار استقطاب الأعيان القرويين أحد أهم رهانات المنافسة الانتخابية في انتخابات 202، وربما أكثر أهمية من الخطاب والبرنامج الحزبي في عدد من الدوائر القروية .فمن الأمثلة اللافتة ما وقع في إقليم الخميسات، حيث أشارت تقارير إلى استقطاب حزب الأصالة والمعاصرة لرئيسة المجلس الإقليمي التي كانت تنتمي إلى التجمع الوطني للأحرار، في سياق الصراع حول التزكيات . أما بالنسبة لاستقطاب الاعيان من طرف القيادات الحزبية فعادة لا يتم بقرار حزبي مركزي واحد، وإنما عبر شبكة من المفاوضات المحلية تبدأ قبل الحملة الانتخابية بوقت طويل. فبعدما يشخص الحزب الدائرة حول من هو رئيس الجماعة و من هم أعضاء المجلس و من هم المنتخبون السابقون ومن له عائلة واسعة و من له نفوذ في عدد من الدواوير ، ومن يستطيع تعبئة الناس يوم الاقتراع…، تبدأ الاتصالات غالباً عبر قيادات حزبية جهوية وإقليمية؛ أو برلمانيين ومنتخبين حاليين؛ أو وسطاء محليين؛ أو أصدقاء أو شخصيات تربطها علاقة بالمرشح المحتمل. ليعقب ذلك مرحلة التفاوض حول التزكية. وفي حالة الاتفاق ، يتحول المرشح نفسه إلى حلقة وصل بين الحزب والبنية الاجتماعية المحلية . فالمرشح الذي يستطيع بناء “شبكة” من الوسطاء المحليين قد يكون أكثر قدرة على تحويل التأييد إلى أصوات يوم الاقتراع.. كما تلجأ الأحزاب إلى الأسواق الأسبوعية التي تعتبر فضاء شديد الأهمية للتواصل القروي، لأنه يجمع سكان عدة دواوير ومناطق في مكان واحد وفي يوم واحد. ولذلك يمكن أن تصبح الجولات الانتخابية واللقاءات المباشرة في الأسواق وسيلة فعالة للتعريف بالمرشح والحزب. وتؤكد تقارير انتخابات 2026 استمرار حضور الجولات في الأسواق والتواصل المباشر ضمن أدوات الحملات التقليدية لجل الاحزاب. كما أن تنظيم الوصول عبر استعمال وسائل النقل من شاحنات وحافلات وغيرها تسهل عملية تعبئة الأصوات القروية . فتسهيل حضور السكان إلى التجمعات الانتخابية، واللقاءبالمرشحين، ثم تنظيم التواصل مع الناخبين يوم الاقتراع، كلها أدوات مهمة في المناطق المتباعدة جغرافياً. لكن يجب أن تبقى الممارسات ضمن الحدود القانونية، خصوصاً أن القانون يمنع استعمال وسائل الهيئات العامة والجماعات الترابية في الحملة الانتخابية. كما أنه في الوسط القروي يمكن أن تتحول المساعدة الاجتماعية أو العلاقة الشخصية أو الولائم أو الوعود بالمنافع إلى أداة لاستمالة الناخب.وهنا ينتقل الأمر من التعبئة السياسية إلى الزبونية الانتخابية. والقانون المغربي واضح في تجريم الحصول على أصوات الناخبين بواسطة الهدايا أو التبرعات أو المنافع أو الوعود بها بقصد التأثير على التصويت.لذلك فإن الحديث عن “تعبئة قروية” لا ينبغي أن يعني تلقائياً وجود شراء للأصوات؛ فهناك فرق بين التواصل، والتأطير، والتعبئة، والزبونية، وشراء الأصوات. بالإضافة إلى ذلك يمكن اعتبار الرقص الشعبي في بعض اللقاءات الحزبية التواصلية أو حتى في الحملات الانتخابية ، ولاسيما في الوسط القروي، آلية تواصل وتعبئة جديدة نسبياً .فمن واللافت أن هذا التحول يتزامن فعلاً مع الاستعداد لانتخابات 23 شتنبر 2026، حيث أصبحت التغطيات ترصد مشاركة قيادات حزبية في أحيدوس والركادة وغيرها، كما أن بعض الأنشطة والمواسم والتظاهرات الشعبية أصبحت فضاءات للحضور السياسي قبل الموعد الرسمي للحملة. وإذا ما تم التساؤل عن لماذا يكتسب الرقص أهمية خاصة في الوسط القروي؟فإن الامر قد يرجع لأن هذا الرقص أصبح يقو بعدة وظائف سياسية محتملة: من أهمها تكسير رمزياً المسافة بين الزعيم والجمهور. وهذه نقطة مهمة جداً في البادية، حيث لا يُبنى التصويت دائماً على البرامج المجردة، بل على العلاقة الشخصية، والثقة، والانتماء المحلي، والقدرة على الاندماج في الجماعة. وتؤكد دراسة حديثة حول استراتيجية الأحزاب في المغرب أن ضعف الأداء القروي يرتبط جزئياً بضعف البنيات المحلية ومحدودية القدرة على التكيف مع أنماط التواصل المحلية.كما أنه حين يشارك مرشح في أحيدوس أو الركادة أو العيطة أو غيرها، فهو لا يقدم خطاباً سياسياً عن الثقافة المحلية؛ بل يشارك فعلياً في أحد رموزها الاحتفالية. وهذا ما يجعل الرسالة السياسية غير لفظية التالية:«أنا أعرف ثقافتكم، أحترمها، وأستطيع أن أشارككم فرحتكم.»ولهذا يمكن أن يكون الرقص أكثر فعالية من خطاب سياسي طويل بالنسبة إلى بعض الفئات التي لا تجد نفسها بالضرورة في اللغة السياسية الحزبية. بالإضافة إلى خلق «صورة انتخابية» قابلة للتداول الرقمي والانتشار الفايسبوكي.ففي الماضي كان حضور المرشح في الموسم أو التجمع ينتهي بانتهاء المناسبة. أما اليوم، فالهاتف يصور المشهد، ثم يتحول الرقص إلى فيديو قصير ينتشر في فيسبوك وتيك توك ويوتيوب وواتساب.وبالتالي يمكن للمرشح أن يحصل من دقيقة رقص على انتشار يفوق ما يحصل عليه من عشر دقائق خطاب.لكن أن هناك وظيفة انتخابية أعمق حيث أن الرقص يمكن أن يؤدي وظيفة «اختبار القبول الشعبي».فالمرشح الذي يدخل إلى حلقة الرقص، ويستجيب له الجمهور، ويحيط به الناس، ويُصوَّر وسطهم، يحصل على مشهد يوحي بـ:الشعبية و القرب و القبول و القدرة على الحشد.ومن هنا يصبح الرقص شبيهاً، في وظيفته الرمزية، بما كان يمثله في الماضي حجم الحشد والتصفيق والهتافات.
4- التقطيع الانتخابي وأهمية استقطاب الناخب القروي.
إن طبيعة التقطيع الانتخابي في المملكة تمنح الدائرة القروية الصغيرة وزناً تمثيلياً وسياسياً أكبر نسبياً من وزن الدائرة الحضرية الكبيرة.فمجلس النواب في 2026 يتكون من 395 مقعداً: 305 مقاعد محلية و90 مقعداً جهوياً، والقاعدة القانونية للتقسيم المحلي تنص على مراعاة التوازن الديمغرافي مع الجانب المجالي، مع إمكانية إحداث أكثر من دائرة في العمالة أو الإقليم. مما يمنح نوعا من الامتياز النسبي للدوائر القروية. الشيء الذي انتقده الحزب الاشتراكي الموحد في مذكرته الانتخابية ، حيث اعتبر أن عدد السكان لكل مقعد يمكن أن يتراوح، بحسب الدائرة، من أكثر من 200 ألف نسمة في بعض الدوائر الحضرية إلى نحو 10 آلاف في بعض الدوائر القروية.وهذا فارق بالغ الأهمية سياسياً.فإذا كانت دائرة قروية تضم مثلاً عشرات الآلاف من السكان تنتخب 3 مقاعد، بينما دائرة حضرية كبيرة تضم مئات الآلاف تنتخب العدد نفسه أو عدداً قريباً منه، فإن: صوت الناخب في الدائرة القروية يصبح، من حيث القدرة على إنتاج مقعد نيابي، أثقل نسبياً من صوت الناخب في الدائرة الحضرية. ففي جهة الدار البيضاء–سطات مثلاً، نجد دوائر حضرية صغيرة نسبياً داخل المدينة: الدار البيضاء-أنفا 4 مقاعد، عين السبع-الحي المحمدي 4، الحي الحسني 3، عين الشق 3… وفي المقابل نجد دوائر إقليمية ذات طابع قروي أو مختلط مثل سيدي بنور بـ4 مقاعد، بنسليمان بـ3، مديونة بـ2.وفي جهة الرباط–سلا–القنيطرة تظهر الصورة بصورة أوضح: هناك دوائر حضرية مثل الرباط-المحيط بـ4 مقاعد، لكن أيضاً دوائر واسعة ذات امتداد قروي مثل الخميسات-أولماس بـ3 مقاعد، تيفلت-الرماني بـ3، سيدي قاسم بـ5 وسيدي سليمان بـ3. وبالتالي ، فالمسألة ليست عدد الدوائر القروية في حد ذاته، وإنما المساحة والسكان والمقاعد التي تجتمع داخل الدائرة.وهذا له أثر سياسي مهم جداً خاصة في حالة ارتفاع نسبة العزوف الحضري.إذ يمكن تصور المعادلة هكذا:
دائرة قروية صغيرة السكان + عدد مقاعد محدود + شبكات اجتماعية محلية قوية + قابلية أكبر للتعبئة = أهمية انتخابية مرتفعة جداً للدائرة.
بينما في المدينة: عدد سكان كبير + دائرة أكثر تعقيداً + عزوف أعلى + ناخب أقل ارتباطاً بالشبكات المحلية = تكلفة أكبر للحصول على المقعد.
وهذا قد يجعل الحزب يحسب حملته ليس فقط وفق عدد الناخبين، وإنما وفق كلفة تحويل هؤلاء الناخبين إلى مقعد.
وبالتالي ، فإذا كان التقطيع الانتخابي المغربي لا يمنح القرى أفضلية معلنة، فهو ينتج تفاوتاً في الوزن التمثيلي بين الدوائر، يكون في حالات عديدة لصالح الدوائر القروية على حساب الدوائر الحضرية الكبرى. وهذا ما قد يدفع بعض الأحزاب تعتبر الاستثمار في دائرة قروية محدودة السكان أكثر جاذبية انتخابياً من الاستثمار في دائرة حضرية ضخمة تحتاج إلى موارد تنظيمية وإعلامية وبشرية أكبر.
ومن هنا يمكن الربط بين التقطيع الانتخابي + العزوف الحضري + التصويت القروي الأكثر انتظاماً + الأعيان + الثقافة المحلية + أشكال التعبئة مثل الرقص والأهازيج والمواسم. هذه العناصر مجتمعة قد تجعل الدائرة القروية مركزاً استراتيجياً متزايد الأهمية في حسابات الأحزاب، حتى لو لم يتغير عدد المقاعد المخصص رسمياً للقرى.
ولعل هذا الوضع يثير سؤالاً أعمق: هل أصبح التقطيع الانتخابي نفسه أحد العوامل التي تفسر لماذا يبدو الناخب القروي أكثر أهمية انتخابياً من الناخب الحضري؟
5- الاستراتيجية الانتخابية للأحزاب واستقطاب الناخب القروي.
يمكن الإشارة إلى أنه إذا ما تواصل أي ارتفاع في وتيرة ونسب العزوف الحضري مقابل بقاء قدرة أكبر على التعبئة في الوسط القروي، فقد نشهد نوعاً من إعادة اكتشاف الحزب المغربي للقرية انتخابياً. أي أن الحزب لن يسأل فقط: من لديه أكبر عدد من الناخبين؟ بل سيصبح السؤال:أين يوجد الناخب الذي يمكن تحويل تسجيله إلى تصويت فعلي بأقل تكلفة تنظيمية؟وهنا قد تصبح القرية، والأعيان، والأسواق الأسبوعية، وشبكات الدواوير والمرشحين المحليين أكثر أهمية للأحزاب، في حين تركز السلطة على الجانب الإداري: التسجيل، الإخبار، وتسهيل الوصول إلى مكاتب التصويت وضمان شروط المشاركة. وهكذا، فإن ارتفاع العزوف الحضري قد يدفع السلطة والأحزاب إلى إعادة موازنة استراتيجيات التعبئة لصالح المناطق التي تكون فيها كلفة الوصول إلى الناخب أقل، ونسبة الاستجابة أعلى. وهذا ليس مجرد افتراض نظري؛ فنتائج انتخابات 2021 أظهرت فجوة حضرية-قروية شديدة. فقد كانت المشاركة مرتفعة في عدد من الدوائر القروية والصحراوية، بينما تجاوز العزوف 65% في عدد من الدوائر الحضرية الكبرى، ومنها دوائر في الدار البيضاء وفاس والرباط وسلا وطنجة-أصيلة.
وبالتالي ، فمن المتوقع بأنه أمام أي عزوف انتخابي لافت في المدن ، فقد تلجأ الأحزاب بحكم كونها قبل كل شيء أحزاب حضرية ، إلى تبني استراتيجية مزدوجة وليس استراتيجية قروية فقط. حيث يمكن أن تتجه الانتخابات المقبلة إلى نوع من «التخصص الجغرافي للتعبئة»: ففي البادية يتم تعبئة الأعيان والمنتخبين المحليين؛و العلاقات العائلية والمحلية؛و الخدمات والمشاريع؛ و النقل الجماعي للناخبين يوم الاقتراع؛والتركيز على ضمان المشاركة أكثر من الإقناع السياسي. أما في المدن فيتم استهداف فئات محددة بدلاً من محاولة تعبئة المدينة كلها؛ كبعض فئات الطبقة الوسطى؛ والناخبون الذين سبق لهم التصويت؛ واللجوء إلى الحملات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. أي أن القرية قد تصبح مجال «تأمين الأصوات»، بينما تصبح المدينة مجال «استعادة الناخبين». فالقرى قد تمنح الأحزاب انتخاباً مضموناً نسبياً بفضل شبكات التعبئة المحلية، لكن المدن هي التي تمنحها الوزن السياسي والرمزي والاجتماعي. ولهذا قد تصبح انتخابات 2026، من هذه الزاوية، مواجهة بين منطقين انتخابيين: منطق التعبئة في البادية مقابل منطق استعادة الثقة في المدينة.
أما بالنسبة إلى السلطة، فارتفاع المشاركة الوطنية يظل مهماً من حيث شرعية العملية الانتخابية وصورتها السياسية. لذلك ليس من مصلحتها التخلي عن المدن، لأن المدن هي مركز الثقل الديموغرافي والإعلامي والاقتصادي والسياسي.بل إن انخفاض المشاركة في المدن الكبرى يمكن أن يصبح مشكلة سياسية بحد ذاته، خصوصاً إذا أصبح نمطاً مستقراً.والانتخابات التشريعية لسنة 2021 توضح ذلك: فقد بلغ المعدل الوطني 50.18%، لكنه كان متوسطاً يخفي تفاوتاً حاداً بين المشاركة المرتفعة في مناطق قروية وصحراوية والمشاركة المنخفضة جداً في بعض المدن. لذا يمكن للسلطة في الإطار القانوني، أن تستخدم أدوات هدفها رفع المشاركة وتسهيل ممارسة الحق في التصويت، وليس توجيه التصويت لحزب معين.ومن أمثلة ذلك:التسجيل وتحيين اللوائح الانتخابية. وإخبار الناخبين بمكاتب التصويت. حيث بدأت السلطات الإدارية المحلية في 24 غشت 2026 تسليم الإشعارات التي تحدد للناخب مكان مكتب التصويت وتذكره بتاريخ الاقتراع وساعاته.وهذه أداة مهمة جداً في القرى، لأن المسافة والجهل بمكان التصويت يمكن أن يتحولا إلى عائق أمام المشاركة. إلى جانب ذلك يمكن للسلطات المحلية أن تشجع المواطنين على ممارسة حقهم الانتخابي، وتوضح إجراءات التصويت، خصوصاً في المناطق النائية.
أما بالنسبة للأحزاب ، فإذا استمر العزوف الحضري في الارتفاع، فقد تصبح قدرة أي حزب على تعبئة القرى أكثر أهمية من حجم شعبيته الوطنية الحقيقية؛ وهذا قد يعيد إلى الواجهة بقوة دور الأعيان والوسطاء المحليين، بل وقد يعطي دفعاً جديداً لظاهرة الترحال الحزبي ، لأن قيمة المرشح القادر على تحريك شبكة انتخابية ستزداد كلما أصبح الناخب الحضري أقل استجابة للحملات الحزبية.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها