لماذا وإلى أين ؟

الحملة قبل الحملة: صراع “الأحرار” و”البام” وفرصة حزب الاستقلال الصامتة

رضوان الرياش*

على بعد أيام قليلة من الانطلاق الرسمي للحملة الانتخابية يومه 23 شتنبر 2026، يبدو أن الحملة السياسية سبقت الحملة القانونية. فاللقاءات الجهوية والتجمعات الحزبية، واستعراض الحصيلة، وتقديم البرامج والوعود، واستقطاب المرشحين والمنتخبين، وتبادل الاتهامات بين القيادات، كلها تؤكد أن الأحزاب دخلت فعلياً في المعركة الانتخابية قبل موعدها الرسمي.

غير أن أهم ما يميز هذه المرحلة ليس المواجهة التقليدية بين الأغلبية والمعارضة، بل انتقال مركز الصراع إلى داخل الأغلبية الحكومية نفسها، وخصوصاً بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة. وفي الوقت الذي يستهلك فيه الحزبان جزءاً مهماً من جهدهما في مواجهة بعضهما، يبرز حزب الاستقلال باعتباره الطرف الذي قد يستفيد انتخابياً وسياسياً من هذا الاستنزاف المتبادل، بينما تراهن المعارضة، وفي مقدمتها العدالة والتنمية، على تحويل حصيلة السنوات الخمس إلى موضوع للمحاسبة والعقاب الانتخابي.

أولاً: الحملة بدأت قبل موعدها والأغلبية تنتقل من التضامن الحكومي إلى حرب المواقع
من الناحية القانونية هناك تاريخ محدد لانطلاق الحملة الانتخابية وهو 10 شتنبر 2026، لكن من الناحية السياسية يصعب اعتبار اللقاءات والتحركات الحزبية الحالية مجرد أنشطة تنظيمية عادية. فالخطابات أصبحت موجهة إلى الناخب، والبرامج تعرض، والحصيلة تدافع عنها الأحزاب، والمرشحون يقدمون، والوعود تطلق، والمنافسون يهاجم بعضهم بعضاً. نحن إذن أمام ما يمكن تسميته بـ”الحملة قبل الحملة”.

والتحول الأبرز داخلها هو الانتقال التدريجي من منطق التضامن الحكومي إلى منطق التمايز الانتخابي. فحزب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال أداروا الحكومة نفسها، لكن صناديق الاقتراع لا تمنح الأصوات للأغلبية باعتبارها كتلة واحدة، وإنما لكل حزب على حدة. لذلك انتهت تقريباً مرحلة “نحن الأغلبية” وبدأت مرحلة “ماذا قدم حزبنا داخل الأغلبية؟”. وهنا يظهر التناقض الأساسي: كيف يمكن لثلاثة أحزاب أن تدافع عن حصيلة مشتركة، ثم يطلب كل واحد منها من الناخب أن يمنحه الأفضلية على شريكيه؟

حزب التجمع الوطني للأحرار يدخل الانتخابات باعتباره حزب رئيس الحكومة، ولذلك فهو الأكثر قدرة على تملك الحصيلة، لكنه في المقابل الأكثر تعرضاً للمحاسبة عليها. أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيحاول بناء معادلة أكثر تعقيداً: الاستفادة من المشاركة في الإنجازات، وفي الوقت نفسه تقديم نفسه باعتباره إمكانية لتغيير ميزان القيادة داخل الأغلبية. أما حزب الاستقلال، فيوجد في موقع ثالث قد يتحول إلى ميزة انتخابية: فهو شريك في الحكومة، لكنه ليس في قلب المواجهة الثنائية المشتعلة بين الحزبين الآخرين.

وهكذا أصبحت المعركة لا تدور فقط بين أغلبية ومعارضة، بل بين ثلاثة تصورات داخل الأغلبية نفسها: الاستمرارية مع حزب الأحرار، والتغيير من داخل الأغلبية مع حزب الأصالة والمعاصرة، وخيار ثالث يحاول حزب الاستقلال أن يقدمه دون الدخول في حرب الاستنزاف نفسها.

ثانياً: الأحرار والأصالة والمعاصرة.. التراشق حول المرشحين يخفي معركة أكبر على الصدارة
بلغ التوتر بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة مستوى لم يعد من الممكن اعتباره مجرد اختلاف طبيعي بين حليفين. وقد شكل ملف انتقال البرلمانيين والمنتخبين إحدى أبرز ساحات المواجهة.

فحزب الأحرار اتهم حزب الأصالة والمعاصرة باستقطاب عدد من نوابه ومرشحيه وقياداته، وتحدث عن ممارسات “الترغيب والترهيب”، بينما رفض الأصالة والمعاصرة هذه القراءة ودافع عن حرية الأشخاص في تغيير انتمائهم، مع التذكير بأن ظاهرة استقطاب المنتخبين ليست جديدة وأن أحزاباً أخرى، بما فيها حزب الأحرار، استفادت منها في محطات سابقة. لكن السؤال الحقيقي ليس من استقطب من.

السؤال هو: لماذا أصبحت كل عملية انتقال بين الحزبين تثير كل هذه الحساسية؟ الجواب يكمن في المرتبة الأولى.

فحزب الأحرار لا يدافع فقط عن مرشحيه، إنه يدافع عن إمكانية الاحتفاظ بصدارة انتخابات 2021. وحزب الأصالة والمعاصرة لا يبحث فقط عن تقوية لوائحه، إنه يرى في كل مرشح قوي ينتقل إليه إمكانية لتقليص الفارق والوصول إلى المرتبة الأولى. لذلك تحولت المعركة من خلاف حول الترحال إلى حرب مواقع انتخابية.

والأخطر أن التراشق انتقل من الأشخاص إلى الحصيلة نفسها. فكلما اقترب موعد الاقتراع أصبحت هناك محاولة لتمييز المسؤوليات داخل حكومة يفترض أن مسؤوليتها السياسية تضامنية. وهنا تظهر معضلة واضحة: عندما يتعلق الأمر بالحماية الاجتماعية أو الاستثمار أو بعض الأوراش الكبرى، يصبح الإنجاز جماعياً أو يسعى كل حزب إلى نسب جزء منه إلى نفسه. لكن عندما يتعلق النقاش بالبطالة أو القدرة الشرائية أو التضخم أو اختلال بعض السياسات، يبدأ البحث عن المسؤول القطاعي والحزبي. وهكذا أصبحت الحصيلة نفسها مجالا للمنافسة.

حزب الأحرار يحتاج إلى القول: لقد قدنا الحكومة وحققنا هذه النتائج، ولذلك نستحق الاستمرار. وحزب البام يحتاج إلى خطاب مختلف: شاركنا في الإنجازات، لكن منحنا موقعاً أقوى يمكن أن يجعل المرحلة المقبلة أفضل.

وهنا يطرح الناخب سؤالاً مشروعاً على الطرفين: إذا كان الخلاف بينكما بهذا العمق اليوم، فأين كان خلال السنوات الخمس الماضية؟ وإذا كانت السياسات التي ينتقدها أحدكما خاطئة، فلماذا استمر في تحمل المسؤولية عنها داخل الحكومة؟

هذه الأسئلة تجعل التراشق بين الحليفين سلاحاً ذا حدين: قد يسمح لكل حزب بالتمايز عن الآخر، لكنه قد يمنح المعارضة أيضاً مادة قوية للقول إن الخلاف ليس حول حصيلة الحكومة بقدر ما هو حول من سيملك موقع القيادة بعدها.

ثالثاً: الاستقلال بين المتصارعين.. هل يصبح الثالث هو المستفيد الأول؟
هنا يظهر المتغير الذي قد لا يحظى بالاهتمام الكافي في قراءة انتخابات 2026: حزب الاستقلال. فالتركيز الإعلامي والسياسي الكبير على المواجهة بين حزب الأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة قد يؤدي إلى بناء صورة انتخابية ثنائية، بينما الواقع يسمح بفرضية أخرى: أن يكون المستفيد من صراع الحزبين طرفاً ثالثاً لم يدخل حربهما بالحدة نفسها.

وهذه ليست مجرد فرضية نظرية. فعندما يتصارع حزبان على المجال الانتخابي نفسه، يمكن أن يحدث استنزاف متبادل: تتوزع الأصوات، وتنتقل الشخصيات بينهما، وتتصاعد الاتهامات، ويصبح جزء من الناخبين غير راغب في الانحياز إلى أي من طرفي المواجهة.

وهنا تتسع المساحة أمام حزب الاستقلال. فالحزب يمتلك عناصر قوة لا ينبغي التقليل منها: تاريخ سياسي طويل، وامتداد تنظيمي ومحلي، وحضور في المدن والقرى، وشبكات من المنتخبين، إضافة إلى مشاركته الحكومية التي تسمح له بالدفاع عن الحصيلة دون أن يتحمل رمزياً العبء نفسه الذي يتحمله حزب رئيس الحكومة. وهذا الموقع يمنحه إمكانية تقديم نفسه باعتباره “الخيار الثالث داخل الأغلبية”.

أي أنه يستطيع مخاطبة الناخب الذي لا يريد عودة المعارضة إلى الحكومة، لكنه في الوقت نفسه لا يريد استمرار التوازن الحالي بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة. وهنا تصبح استراتيجية الهدوء مفيدة انتخابياً.

فكل تصريح حاد بين الحزبين يضعف صورة الانسجام بينهما، لكنه لا يضر بالضرورة بحزب الاستقلال. وكل انتقال انتخابي من أحدهما إلى الآخر يعمق صراعهما الثنائي، لكنه قد يسمح لحزب الاستقلال بتقديم نفسه باعتباره الحزب الأقل انخراطاً في حرب الاستقطاب. بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك.

إذا كانت الفوارق في النتائج بين الأحزاب الثلاثة محدودة، فإن حزب الاستقلال لا يحتاج بالضرورة إلى تصدر الانتخابات حتى يكون الرابح السياسي الأكبر. قد يأتي ثالثاً بفارق محدود، لكنه يصبح رقماً أساسياً في معادلة تشكيل الأغلبية. وقد يتقدم إلى المرتبة الثانية إذا أدى الاستنزاف المتبادل بين حزب الأحرار والأصالة والمعاصرة إلى إضعاف أحدهما.

وفي سيناريو انتخابي أكثر انفتاحاً، لا ينبغي حتى استبعاد أن تمكنه دينامية انتخابية قوية من الاقتراب من المنافسة على الصدارة نفسها، خصوصاً في غياب استطلاعات رأي علمية منشورة تسمح بقياس موازين القوى الحقيقية قبل الاقتراع. لكن القوة الأهم لحزب الاستقلال قد تظهر بعد الانتخابات أكثر مما تظهر خلالها.

فإذا جاء حزب التجمع الوطني للأحرار أولاً دون أغلبية مريحة، سيحتاج إلى حلفاء. وإذا جاء حزب الأصالة والمعاصرة أولاً، سيحتاج إلى الأمر نفسه. وفي الحالتين يمكن لحزب الاستقلال أن يتحول من الحزب الثالث إلى بيضة القبان في بناء الأغلبية المقبلة.

وهنا نكتشف أن السؤال الانتخابي لا ينبغي أن يكون فقط: من سيأتي أولاً؟ بل أيضاً: من سيصبح ضرورياً لمن يأتي أولاً؟

وفي بعض الأنظمة الائتلافية قد يكون الحزب الذي يملك القدرة على ترجيح الأغلبية أكثر تأثيراً في هندسة الحكومة من حزب يتقدم عليه بعدد محدود من المقاعد. لذلك فإن التراشق بين حزب الأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة قد يقدم لحزب الاستقلال فرصة مزدوجة: الاستفادة انتخابياً من استنزافهما قبل 23 شتنبر، والاستفادة تفاوضياً من حاجتهما إليه بعد 23 شتنبر. لكن ذلك يبقى رهيناً بقدرة الحزب على تحويل موقعه الهادئ إلى خطاب انتخابي واضح، وعلى ألا يظهر مجرد متفرج على صراع شريكيه.

رابعاً: معركة الصدارة قد تنتهي بتحالف جديد.. والناخب هو من يعيد توزيع الأوراق
المفارقة الكبرى في المشهد الحالي هي أن الأحزاب الثلاثة التي تتنافس اليوم قد تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض غداً.

فحزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة يمكن أن يرفعا من حدة خطابهما إلى آخر أيام الحملة، وحزب الاستقلال قد يزيد من تمايزه عنهما، لكن صناديق الاقتراع ستعيد صياغة العلاقة بين الجميع.

قبل 23 شتنبر هناك منطق واحد: الحصول على أكبر عدد من الأصوات والمقاعد. بعد 23 شتنبر يبدأ منطق آخر: كيف نبني أغلبية؟ وهنا قد يتحول الخصم الانتخابي إلى حليف حكومي.

وهذا هو ما يجعل التراشق الحالي بين حزب الأحرار وحزب الأصالة حساساً سياسياً. فكلما ارتفع سقف الاتهامات، أصبح من حق الناخب أن يسأل لاحقاً: إذا كانت الخلافات بهذا العمق، فكيف يمكن تجاوزها في اليوم التالي للانتخابات؟ وفي هذه النقطة تحديداً قد يستفيد الاستقلال مرة أخرى.

فإذا وصلت العلاقة بين الحزبين المتنافسين إلى مستوى يجعل إعادة بناء الثقة بينهما صعبة، يصبح الحزب الثالث أكثر أهمية في هندسة التحالفات. وبالتالي قد نكون أمام ثلاثة سيناريوهات: استمرار التوازن الحالي بصيغة جديدة، أو تشكيل أغلبية بقيادة أحد الحزبين مع تعزيز موقع الاستقلال، أو إعادة تركيب أوسع للتحالفات إذا جاءت النتائج مختلفة جذرياً عن خريطة 2021.

وفي الجهة الأخرى، يراهن العدالة والتنمية وباقي المعارضة على سيناريو مختلف: أن يحول الناخب الصراع داخل الأغلبية إلى عقاب للأغلبية كلها بدل إعادة توزيع القوة بين مكوناتها. وهنا يوجد جوهر معركة 23 شتنبر. هل سيقول الناخب: أريد استمرار التجربة بقيادة الأحرار؟ أم سيقول: أريد تغيير القيادة داخل الأغلبية وأمنح الفرصة للبام؟ أم يختار الاستقلال باعتباره طريقاً ثالثاً داخل التجربة الحكومية؟ أم يقرر أن خمس سنوات تستوجب العقاب، فيعيد جزءاً من القوة إلى العدالة والتنمية أو الاتحاد الاشتراكي أو التقدم والاشتراكية أو غيرها من قوى المعارضة؟

لهذا فإن انتخابات 2026 أكثر تعقيداً من اختزالها في مواجهة بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة. فالصراع الثنائي الظاهر قد يخفي مستفيداً ثالثاً. والتاريخ الانتخابي يعلمنا أن الحزب الذي يدخل في حرب مفتوحة مع منافسه قد يربح المعركة المباشرة، لكنه قد يفتح في الوقت نفسه المجال أمام طرف آخر لجمع مكاسب الصراع. هنا يمكن صياغة مفارقة المرحلة في عبارة واحدة:

حزب الأحرار يخشى أن يفقد الصدارة، وحزب الأصالة يريد انتزاعها، والاستقلال يراقب صراعهما بحثاً عن المساحة التي يمكن أن يتقدم منها، بينما تراهن المعارضة على أن يعاقب الناخب الأغلبية بأكملها.

وعليه، فإن السؤال ليلة 23 شتنبر لن يكون فقط “من فاز؟”، وإنما أيضاً “من استفاد من صراع الآخرين؟”.

وقد يكون حزب الاستقلال أحد أهم الأجوبة الممكنة عن هذا السؤال، سواء من خلال تحسين مرتبته الانتخابية أو وهو الأهم، من خلال التحول إلى قوة ترجيح لا يمكن بناء الأغلبية المقبلة دونها.

وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: بينما يخوض حزب الأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة معركة شرسة حول من يكون الأول، قد يكون الحزب الذي يحسن إدارة موقعه بينهما هو من يمتلك في النهاية المفتاح السياسي لتشكيل الحكومة المقبلة.

*خبير في السياسات العمومية وعضو المركز المغربي للسياسات العمومية وتدبير الازمات

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x