2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
المغرب وصعود القوة الإقليمية: فرص التمكين ومخاطر الاحتكاك
جلال وحدي
الأطروحة المركزية:
الصعود الاستراتيجي المغربي ليس خطياً ولا سلمياً بطبيعته، بل صعود يولّد احتكاكات بنيوية داخلية وخارجية، وكل صعود غير مُدار بحس استراتيجي مؤسسي يتحول من فرصة تاريخية إلى عامل هشاشة.
المقدمة:
لم يعد المغرب مجرّد فاعل يبحث عن موقع في خرائط النفوذ الإقليمي، بل أصبح طرفاً يُعاد حسابه داخل معادلات المتوسط، الأطلسي، وإفريقيا. هذا التحول لا يعكس فقط تراكماً دبلوماسياً أو استثمارياً، بل يشير إلى انتقال نوعي من منطق “طلب الاعتراف” إلى منطق “إنتاج الوقائع الاستراتيجية”. غير أن هذه اللحظة التاريخية، بكل ما تحمله من فرص تمكين، تحمل في داخلها خطراً بنيوياً غالباً ما يُغفل في خطابات القوة الصاعدة: خطر أن تنمو الدولة أسرع من مجتمعها، وأن يتسارع منطق التمكين الاستراتيجي دون أن يواكبه نضج مجتمعي وسياسي قادر على حمل هذا التحول واستدامته.
ليست الدولة كياناً معزولاً عن محيطها الاجتماعي، ولا تُقاس قوتها فقط بقدراتها الأمنية أو نجاحاتها الدبلوماسية، بل بمدى امتلاكها لحزام مجتمعي واعٍ، منتج للقيمة، قادر على تحويل الإنجاز السياسي إلى معنى جماعي وإلى ذاكرة وطنية حية. فالمجتمع ليس عبئاً على مشروع القوة، بل خزانها الاستراتيجي، ومصدر شرعيتها العميقة، وحاضنة استمراريتها عبر الأجيال. دولة قوية لا ينبغي أن تكون نزوة نخبوية أو استعراضاً ظرفياً للقدرة، بل أداة تاريخية لتمكين إنسان المغرب، لا لتمكين أقلية قد تنجح في إدارة الحاضر، لكنها لا تستطيع وحدها حمل ذاكرة الوطن ولا صناعة مستقبله. ومن هذا المنظور، فإن التحدي الحقيقي أمام الصعود المغربي لا يكمن فقط في مقاومات الخارج أو احتكاكات البيئة الإقليمية، بل في الفجوة المتزايدة بين وتيرة بناء الدولة الاستراتيجية وبطء تشكّل مجتمع سياسي وفكري قادر على استيعاب هذا التحول ومده بالمدد الاستراتيجي والقيمي، ومساءلته، وحمايته من التحول إلى قوة بلا عمق اجتماعي أو إلى نفوذ بلا حامل تاريخي. هذه الورقة تحاول تفكيك هذه اللحظة المفصلية: لحظة تمكين تحمل في طياتها بذور القوة… وبذور الهشاشة في آن واحد.
اللحظة الأولى : الداخل كحقل هشاشة استراتيجية
لا يكمن التحدي الأعمق أمام الصعود المغربي في طبيعة البيئة الإقليمية أو في كثافة الاحتكاكات الخارجية فحسب، بل في البنية الداخلية التي يُفترض أن تحمل هذا الصعود وتمنحه عمقه الاجتماعي والتاريخي. فالدولة التي تتقدّم استراتيجياً بوتيرة أسرع من نضج مجتمعها السياسي والمعرفي تُراكم قوة بلا حاضنة. فعندما يُنظر إلى مشاريع بنية تحتية كبرى، مثل القطار فائق السرعة، أو الطرق السيارة الممتدة، أو الموانئ الاستراتيجية الضخمة، أو القطب التكنولوجي بالنواصر، أو المجمع الصناعي بطنجة كإنجازات نخبوية معزولة عن هموم المواطن اليومية في الصحة، والتعليم، والأمن الغذائي والوظيفي، فإن هذه الفجوة تتسع وتتحول القوة إلى اغتراب.
تتجلّى هذه الهشاشة في فجوة مركّبة بين منطق الدولة ومنطق المجتمع: فجوة في إنتاج النخب القادرة على التفكير الاستراتيجي، وفجوة في الوسائط السياسية، وفجوة أعمق في المجال المعرفي. فنلاحظ أن النقاش العام حول قضايا استراتيجية مصيرية، مثل إدارة الموارد المائية أو التحول الطاقي، غالباً ما يظل حبيس لغة تقنية إدارية، دون أن يتحول إلى نقاش مجتمعي ناضج تشارك فيه الجامعات ومراكز الفكر بفعالية. إن اختلال هذه الحلقات يُحوّل الصعود إلى إنجاز إداري–دبلوماسي معزول. الأخطر من ذلك أن هشاشة الداخل تُقاس بقدرة المجتمع على إنتاج “ذاكرة استراتيجية” مشتركة. دولة قوية بلا ذاكرة استراتيجية مجتمعية تُراكم قوة بلا عمق تاريخي. من هنا، لا يعود سؤال الداخل مسألة إصلاحات قطاعية، بل مسألة إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على قاعدة الشراكة في إنتاج المعنى الاستراتيجي.
اللحظة الثانية : الخارج كساحة احتكاك استراتيجي
لا يحدث صعود دولة في فراغ جيوسياسي. فكل انتقال من موقع هامشي وطرفي إلى موقع تأثير ونفوذ يولّد مقاومات. إن جزءاً معتبراً من الاحتكاكات التي ترافق هذا الصعود لا يُفسَّر بمنطق “العداء” بقدر ما يُفهَم في إطار ديناميات الاحتواء الناعم والخشية من فقدان مواقع نفوذ تاريخية. فالتوترات الدورية مع شركاء أوروبيين تقليديين، والتي تظهر على شكل أزمات دبلوماسية أو حملات إعلامية، لا يمكن تفسيرها دائماً بخلافات ظرفية، بل هي غالباً تعبير عن مقاومة هذا الطرف أو ذاك لإعادة تعريف المغرب لدوره كقوة أطلسية ومتوسطية ذات سيادة متزايدة.
التحدي الخارجي يكمن في قدرة المغرب على إدارة هذا الاحتكاك ببراغماتية استراتيجية عالية، والانتقال من دبلوماسية ردّ الفعل إلى دبلوماسية تشكيل البيئة (shaping the strategic environment). ويتطلب ذلك تفريقاً واعياً بين تنافس قابل للإدارة وخصومات بنيوية يصعب تحييدها. في هذا الإطار، يصبح الخطر الأكبر هو سوء تقدير طبيعة الاحتكاك الخارجي. فالانخراط في دبلوماسية نشطة متعددة الأبعاد، من الساحل إلى الخليج مروراً بأوروبا وصولاً إلى آسيا والأمريكتين، يفرض تحدي ترتيب الأولويات؛ فالطاقة الدبلوماسية ليست مورداً لا نهائياً، والتركيز على معارك رمزية قد يستنزف القدرة على تحقيق اختراقات استراتيجية في ملفات أكثر أهمية على المدى الطويل. إدارة الصعود في بيئة احتكاكية تقتضي اقتصاداً في الجبهات، وترتيباً دقيقاً للأولويات.
اللحظة الثالثة : من تشخيص الصعود إلى هندسة تمكينه : ثلاث ركائز للتحويل الاستراتيجي
إذا كان الداخل يمثل حقل الهشاشة، والخارج ساحة الاحتكاك، فإن الرهان الحقيقي يتموضع في لحظة التحويل الاستراتيجي، وهي اللحظة التي يُعاد فيها تعريف القوة كمنظومة متكاملة. ويمكن تحقيق ذلك عبر ثلاث ركائز عملية:
الركيزة الأولى: تأسيس “مجلس للأمن المعرفي (Knowledge Security Council) : إن ربط المعرفة بالأمن القومي يتطلب آلية مؤسسية وازنة. ومن هذا المنطلق، يمكن تصور إنشاء “مجلس للأمن المعرفي” يتبع لأعلى سلطة في الدولة — كالمجلس الأعلى للأمن باعتباره مؤسسة دستورية وجب تحيينها وتفعيلها في أسرع وقت ممكن —. يضم هذا المجلس خبراء من الجامعات، ومراكز الأبحاث، والقطاع الخاص، والاستخبارات الاستراتيجية، بالإضافة إلى الأطر السياسية والفكرية الوطنية، مع الانفتاح الحتمي على الكفاءات والأصول الاستراتيجية لمغاربة العالم كجسر وصل معرفي مع مراكز الفكر الدولية. لن تقتصر مهمته على تحليل التهديدات فحسب، بل ستشمل استشراف الفرص، وتوجيه سياسات التعليم والبحث العلمي لخدمة الرؤية الاستراتيجية للمملكة. والهدف الأسمى هنا هو تحويل الجامعات من مجرد مؤسسات تعليمية نمطية إلى “مفاعلات استراتيجية” تحظى بتمويل كافٍ واستقلالية مطلقة؛ تنتج المعرفة والحلول، وتسعى كهدف سيادي إلى تثبيت السيادة المعرفية والرقمية للمركب المغربي.
الركيزة الثانية: إطلاق “الميثاق الوطني لمجتمع القوة : لردم الفجوة بين الدولة والمجتمع، لا بد من عقد اجتماعي جديد. يمكن إطلاق “ميثاق وطني لمجتمع القوة”، وهو عملية حوار وطني واسع تشارك فيه النخب السياسية والاقتصادية والمجتمع المدني. الهدف هو ترجمة “الصعود الاستراتيجي” إلى “مشروع مجتمعي” واضح : كيف ستنعكس قوة المغرب على جودة التعليم، وفرص العمل، والكرامة الإنسانية؟ هذا الميثاق يحول المواطن من متلقٍ سلبي إلى شريك فاعل في مشروع القوة.
الركيزة الثالثة : بلورة “عقيدة التأثير البراغماتي (Doctrine of Pragmatic Influence) : إدارة الاحتكاك الخارجي تتطلب عقيدة واضحة. يجب أن تتجاوز الدبلوماسية المغربية منطق التحالفات التقليدية نحو “عقيدة التأثير البراغماتي”. تقوم هذه العقيدة على بناء تحالفات وظيفية ومؤقتة حول مصالح محددة (مثل الطاقة، الأمن السيبراني، الأمن الغذائي)، مع الحفاظ على مسافة استراتيجية من المحاور المتصارعة. هذا يمنح المغرب مرونة أكبر ويقلل من تكلفة الاحتكاكات، ويجعل منه شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه لأطراف متعددة في نفس الوقت.
خاتمة توجيهية (Strategic Conclusion) :
ثمة سؤال لا يطرحه خطاب القوة الصاعدة على نفسه عادةً، لأنه مُربك: لمن تصعد؟
لذلك لا يكمن التحدي اليوم في إثبات قدرة المغرب على الصعود، فقد دخلت المملكة الشريفة بالفعل مدار التمكين الاستراتيجي. التحدي الأعمق يتمثل في تحويل “وقائع القوة” العابرة إلى “مشروع قوة” مستدام. إن دولة سيادية تنمو بوتيرة أسرع من نضج فاعليها الاجتماعيين تخاطر بإنتاج فجوة اغتراب داخلي. وفي عالم يزداد فيه منسوب الاحتكاك الدولي، يصبح الاستثمار في الإنسان، وفي مأسسة الأمن المعرفي، وفي ربط المعرفة بالقرار السيادي، وإدماج النخب الفكرية المغربية والمهاجرة في عمق هذه الدينامية، شرطاً بنيوياً لاستدامة الموقع الإقليمي. وبعبارة جامعة : لن يُقاس الصعود المغربي فقط بمدى قدرته على فرض تموقعه في الخارج، بل بقدرته على تحويل هذا التموقع إلى أفق تمكين داخلي طويل النفس، يجعل من القوة رصيداً وطنياً مشتركاً لا امتيازاً نخبويًا عابراً.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها