2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
أحمد نور الدين: قمة باماكو.. رصاصة الرحمة على نفوذ الجزائر في الساحل وبوابة لتعزيز مغربية الصحراء (حوار)
اختتم اتحاد دول الساحل” (بوركينا فاسو، مالي، والنيجر) أشغال قمته المنعقدة في باماكو، أمس الثلاثاء 23 دجنبر 2025.
ولم تكن مخرجات هذه القمة مجرد توصيات عابرة، بل جاءت بقرارات سيادية غير مسبوقة؛ شملت تفعيل جيش مشترك لمواجهة الإرهاب، وإطلاق قناة تلفزيونية موحدة، وتأسيس بنك للاستثمارات، في توجه صريح نحو قطيعة تامة مع الهيمنة التقليدية وبناء تكتل إقليمي بديل.
وتفتح هذه التحولات العميقة الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقرار في المنطقة: كيف ستؤثر هذه “الدولة الكونفدرالية” الوليدة على موازين القوى في الساحل؟ وما هي تداعياتها على العلاقات المتوترة أصلا مع الجارة الجزائر؟ وكيف يمكن للمملكة المغربية، عبر مبادراتها الاستراتيجية كـ “المبادرة الأطلسية”، أن تستثمر هذا الوضع الجديد لتعزيز عمقها الإفريقي ودعم قضية الصحراء.
حول هذه المحاور وغيرها، يحاورنا الخبير في العلاقات الدولية وشؤون الصحراء، الدكتور أحمد نورالدين، ليضع مخرجات قمة باماكو تحت مجهر التحليل السياسي والاستراتيجي.
نص الحوار:
ما هي آثار هذا الحلف على الوضع بالساحل؟
أكيد أنّ مخرجات قمة باماكو لكونفدرالية دول الساحل التي اختتمت اشغالها يوم الثلاثاء 23 دجنبر 2025، لها وقْع وأثر على الأوضاع في منطقة الساحل والصحراء وفي جوانب متعددة تهم الدبلوماسية والأمن والاقتصاد والتنمية والإعلام، وغيرها. فإذا رجعنا إلى البيان الختامي سنجده ركّز على محاربة الإرهاب بكل أصنافه بما في ذلك ما سماه البيان بالإرهاب الاقتصادي والإعلامي، كما ان القمة صادقت على إنشاء قوة مشتركة بين الدول الثلاثة لمحاربة الإرهاب، وأكيد ان هذه الإجراءات ستكون لها انعكاسات على الساحة العسكرية والأمنية، في مستواها الأدنى ستهم تعزيز التعاون لمحاربة المجموعات الإرهابية التي تنشط في الدول الثلاثة وفي المناطق الحدودية المشتركة، وفي مستواها الأعلى يمكن لهذه الإجراءات أن تشكل بديلاً إقليمياً للقوات الأجنبية التي تمّ طردها من المنطقة ومنها القوات الفرنسية و”المنوسما” التابعة للأمم المتحدة، بل ويمكنها أن تشكل أيضاً بديلاً للتعاون الإقليمي في إطار المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا “سيداو”، وهذا سيغير الخارطة الجيوسياسية بشكل جذري في منطقة الساحل، خاصة إذا اخذنا بعين الاعتبار الخطوات المتسارعة للاندماج بين الدول الثلاثة في إطار دولة كونفدرالية أو فدرالية لها شعارها ونشيدها ومؤسساتها بما في ذلك مجلس وزرائهان وبنك للاستثمارات، الخ.
ما هي انعكاساته الإقليمية، بما فيها العلاقة مع الجزائر المتوترة مع هذا الحلف؟
تحالف دول الساحل الثلاثة سيقوي مكانتها الدبلوماسية والتفاوضية مع جيرانها المباشرين ومع المجتمع الدولي بصفة عامة. وكما ورد في البيان الختامي، هناك إشارة في الفقرة 12 إلى الجزائر، وإن لم يذكرها بالاسم، حينما يدين البيان الدول الإقليمية في الجوار والراعية للإرهاب في المنطقة، ونحن نعلم أنّ رئيس الوزراء جمهورية مالي وجه اتهامات في الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى الجزائر بأنها تزعزع استقرار بلده وترعى التنظيمات الإرهابية.
وإدراج إدانة الجزائر وإن كان ضمنياً كنقطة في البيان الختامي للقمة، ينذر بتصعيد اللهجة مع هذا البلد الذي تؤكد كل تصرفاته في المنطقة أنه عنصر يهدد الأمن والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء من خلال علاقاته المشبوهة مع الجماعات المتطرفة، والتي كان أو لازال يرأسها مواطنون جزائريون مثل “الموقعون بالدم” أو “الموجاو” أو “نصرة الإسلام والمسلمين” والتي أثبتت تقارير دولية محايدة عن تورط الاستخبارات الجزائرية في التعامل معها بل وتحريضها ضدّ دول الجوار/ وقد سبق أن كشفت “ويكي ليكس” عن تعاون بين الجزائر وتلك المجموعات الإرهابية. وفي خذا الحالة من المرشح ان تظل العلاقات مقطوعة مع مالي وقد تشمل كل دول الكونفدرالية لأنها اتفقت على توحيد مواقفها الدبلوماسية وسياستها الخارجية، وهو ما سيزيد من عزلة النظام الجزائري ويكشف ما تبقى من أوراقه أمام الراي العام الإفريقي والدولي.

هل سيستفيد ملف الصحراء من هذا الوضع الجديد؟
لا شك في أن التغيرات الجارية في المنطقة تدعم الشرعية التاريخية لمغربية الصحراء، وتعزز الموقف المغرب ووزنه الاستراتيجي في المنطقة، ولكن هذا التوجه يقتضي من الخارجية المغربية التعبئة المستمرة ومواصلة المبادرات في هذا الاتجاه، لأنه لا يمكن أن ننتظر من الآخر، حتى ولو كان اخاً شقيقاً، أن يقوم مقامنا أو أن “يأكل الثوم بفمه بدلاً عنّا”.
وأظنّ أن الظروف مواتية الآن للمغرب لتعزيز التعاون مع هذه الكونفدرالية الناشئة في إطار المصالح المشتركة ومساعدتها على بناء مؤسساتها. ولدينا مؤشر إيجابي في هذا الاتجاه، ويتعلق الأمر بإشارة البيان الختامي للقمة ضمنياً في الفقرة 19 إلى المغرب من خلال توجيه القادة الثلاثة التحية إلى الدول التي تتبنى مقاربة إيجابية وبنّاءة تجاه كونفدرالية دول الساحل وتقدم لها الدعم الواضح في هذه الظروف الصعبة التي تمرّ منها.
وأعتقد أنّ المغرب واحد من تلك الدول التي تدعم بإيجابية الدول الثلاثة للخروج من أزمتها واستعادة استقرارها وتعزيز التنمية فيها من خلال المبادرة الأطلسية لفتح موانئ المملكة أمام الدول الحبيسة في الساحل، ووضع المغرب رهن إشارتها لكل بنياته التحتية واللوجستية، بالإضافة إلى ترافعه عنها أمام مجلس السلم والأمن في الاتحاد الإفريقي وأمام المنتظم الدولي، فضلاً عن المساعدات المباشرة مثل توفير مولدات كهربائية أو دعم الفلاحين بالأسمدة وغيرها من البرامج المدنية والعسكرية التي أطلقها المغرب في السنوات القليلة الأخيرة. وعلينا أن نتعهدها وننميها لتشكل حزاماً استراتيجيا للعمق الاستراتيجي المغربي.
مع تعدد الاوراش واتساع مجال النشاط الديبلوماسي والشروط الجيوسياسية الجديدة الضاغطة على المملكة وجب التفكير خارج الصندوق في آليات جديدة لتوسيع المهام وتفويض الصلاحيات للتحرك بفعالية اكبر خارج المهام الكلاسكية المعهودة.