لماذا وإلى أين ؟

تَجميع الضعف لا يُنتِجُ القُوّة

عبد الحميد البجوقي

تطرح مقولة “تجميع الضعف لا يُنتِج قوة” نقاشاً سياسياً وفكرياً مُتجدداً في عالم اليوم ، خصوصاً داخل التيارات اليسارية التي تقع على يسار الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. فبينما تنطلِقُ فكرة التوحيد أو التجميع من مُنطلق براغماتي يسعى إلى تعزيز الوزن السياسي والتنظيمي، تكشف التجارب العملية في عدة بلدان أن جمع كيانات ضعيفة تنظيمياً أو جماهيرياً قد يُؤدي أحياناً إلى إنتاج ضعف مُركّب بدل قوة مُركّبة.

يستندُ هذا الطرح إلى فرضية أساسية مفادُها أن القوة السياسية لا تُبنى فقط على العدد أو الشكل التنظيمي الموحد، بل على وضوح المشروع السياسي، والقدرة التعبوية، والامتداد الاجتماعي الحقيقي. فإذا كانت هذه العناصر ضعيفة لدى كل مُكوِّن على حدة، فإن جمعها ضِمن تحالف أو جبهة قد يُنتِج كياناً أكبر حجماً تنظيميّاً، لكنه هش داخلياً، مُتنازع المرجعيات، ومُفتقِراً إلى مركز ثقل فكري وتنظيمي واضح.

داخل اليسار “الجدري” تحديداً، تظهر هذه الإشكالية بحِدّة بسبب تعدد المرجعيات الفكرية (ماركسية، تروتسكية، بيئية راديكالية، يسار اجتماعي جديد الخ.. وأخرى شخصية زعماتية) واختلاف الأولويات الاستراتيجية بين النضال الاجتماعي المباشر والعمل المؤسساتي. وعندما يتم تجاوز هذه التناقضات عبر صِيَغ تنظيمية تجميعية دون حلّها فكرياً وسياسياً، تتحول الوحدة إلى مجرد إطار شكلي يُخفي صراعات داخلية، ما يؤدي إلى استنزاف الطاقات بدل توجيهها نحو التوسع الجماهيري.

وقد أشار بعض القياديين اليساريين الشباب في أوروبا إلى هذه الظاهرة، من بينهم سياسيون انتقدوا التجربة الإسبانية حيث أدى توحيد عدة تيارات يسارية صغيرة داخل تحالفات انتخابية إلى نتائج محدودة، بل أحياناً إلى تراجع في الحضور السياسي. في هذه الحالة، لم يؤد التوحيد إلى تجميع قواعد اجتماعية جديدة، بل إلى تجميع أزمات تنظيمية وخلافات استراتيجية داخل إطار واحد.

تتجلى المُشكلة أيضاً في أن الوحدة بين قوى ضعيفة قد تُنتج خطاباً سياسياً ضبابياً يُحاول إرضاء جميع المكونات، فيفقد القدرة على مخاطبة المجتمع بلغة واضحة. كما أن التنازلات المتبادلة داخل التحالف قد تُفرِغ المشروع السياسي من حِدته، ما يجعل الكيان الموحد أقل جاذبية من مكوناته الأصلية لدى بعض القواعد.

لكن في المقابل، لا يمكن تحويل هذه المُقاربة إلى قاعدة مُطلقة.

التاريخ السياسي يُظهِر أن وحدات ناجحة تشكلت عندما سبقتها عملية فرز فكري وسياسي واضحة، وعندما قامت على مشروع استراتيجي مُشترك وليس فقط على الخوف من الهامشية أو السعي إلى تجاوز عتبات انتخابية.

بالتالي، يمكن القول إن الوحدة تُصبح قوة عندما تكون وحدة مشاريع قوية، لكنها تتحول إلى عامل مُضاعف للضعف عندما تكون مجرد تجميع اضطراري لقوى تعاني نفس الأزمات البنيوية. وهذا ما يفرض على اليسار إعادة طرح سؤال الأولويات، هل الهدف هو توسيع الحجم التنظيمي بسرعة، أم بناء مشروع سياسي قادر على إنتاج قوة اجتماعية حقيقية ولو بشكل تدريجي؟
في النهاية، لا يبدو أن معادلة “العدد يصنع القوة” تنطبق آلياً في المجال السياسي. القوة السياسية الحقيقية قد تولد أحياناً من أقلية واضحة المشروع، متماسكة التنظيم، قادرة على التأثير في المجتمع، أكثر مما تُولَد من تحالفات واسعة لكنها هشة وغير متجانسة.

إذا كان النقاش حول حدود “الوحدة العددية” يقود إلى التشكيك في جدواها حين تكون مبنية على ضعف بنيوي مشترك، فإن التاريخ السياسي والاجتماعي يُقدّم أمثلة معاكسة تؤكد أن أقلية منظمة، واضحة الرؤية، يمكن أن تتحول مع الزمن إلى قوة اجتماعية واسعة. التاريخ مليء بنماذج بدأت كأقليات هامشية لكنها نجحت في إعادة تشكيل موازين القوى داخل مجتمعاتها.

في أوروبا المعاصرة مثلاً، يظهر صعود اليمين المتطرف كحالة دالة على هذه الدينامية. فقد انطلقت هذه التيارات غالباً من أنوية تنظيمية صغيرة، لكنها ركزت على وضوح الخطاب، والانضباط التنظيمي، والقدرة على استثمار الأزمات الاجتماعية والثقافية. لم تعتمد هذه القوى في بداياتها على تحالفات واسعة بين كيانات ضعيفة، بل على بناء قاعدة صلبة ومتماسكة، ثم توسّعت تدريجياً داخل المجتمع إلى أن نجحت في فرض نفسها كلاعب سياسي رئيسي في عدة بلدان أوروبية (نمودج “فوكس” في إسبانيا و “إخوة إيطاليا “حزب رئيسة حكومة إيطاليا، أو “حزب فيدس” الذي يقوده رئيس الحكومة حاليا فيكتور أوربان، والنمودجين الألماني والبرتغالي الصاعدين بقوة..)

التجربة الدينية تُقدم بدورها مثالاً تاريخياً أكثر عُمقاً. فالمسيحية في بداياتها لم تكن سوى حركة صغيرة داخل فضاء ديني وسياسي شديد التعقيد داخل الإمبراطورية الرومانية. لكنها نجحت في الانتشار لأنها امتلكت سردية واضحة، وبِنية تنظيمية مرِنة، وقُدرة على مُخاطبة الفئات المُهمشة اجتماعياً. ومع مرور الزمن، تحوّلت من أقلية مُضطهدة إلى قوة دينية وحضارية كبرى أعادت تشكيل جزء واسع من التاريخ الإنساني.

ما يُميّزُ هذه النماذج ليس العدد في البداية، بل الوضوح الفكري، والانسجام التنظيمي، والقُدرة على إنتاج معنى سياسي أو روحي قادر على جذب قطاعات اجتماعية جديدة. بمعنى آخر، الأقلية المُنظمة قد تصنع أغلبية اجتماعية عندما تمتلك مشروعاً قابلاً للانتشار، وليس فقط إطاراً تنظيمياً قابلاً للتوسع الشكلي.

ماذا إذن عن التجربة الحزبية اليسارية في المغرب؟ يُلاحَظ بوضوح أن النمط يتكرر إلى حد ما، ويتمثل في أن محاولات التوحيد الواسعة غالباً ما كانت تتزامن مع تراجع الحضور الاجتماعي أو الجمود التنظيمي. ففي كل مرة يتم فيها بناء إطار يساري تجميعي واسع، تظهر بسرعة تناقضات مُرتبطة بالمرجعيات الفكرية، وأولويات العمل السياسي، والعلاقة مع الدولة، وطبيعة الخطاب الاجتماعي المُوَجّه للطبقات الشعبية.

في كثير من الحالات، تحوّلت هذه الإطارات “المُوحّدة” إلى فضاءات لتدبير التوازنات الداخلية أكثر من كونها أدوات للتوسع المجتمعي. فبدل أن تُنتج الوحدة خطاباً أكثر وضوحاً، أنتجت أحياناً خطاباً وسطياً فاقداً للحدة التعبوية التي تحتاجها الحركات الراغبة في التوسع داخل المجتمع.
كما أن جزءاً من الأزمة يرتبط بطبيعة التحولات الاجتماعية نفسها.

فالمجتمع المغربي شهِد خلال العقود الأخيرة تغيُّرات عميقة في البنية الطبقية، وفي أنماط العمل، وفي التوقّعات الثقافية للشباب، ما جعل الخطابات اليسارية التقليدية أقل قُدرة على التأثير، خصوصاً حين يتم اختزال مشروع اليسار في صيغ تنظيمية بدل تجديد أدوات التحليل والخطاب.

هذا لا يعني بالضرورة أن الوحدة خطأ استراتيجي في حد ذاتها، بل يُشير إلى أن الوحدة تُصبح عبئاً عندما تسبقها الحاجة التنظيمية وتغيب عنها الأرضية الفكرية والسياسية المشتركة.
الوحدة الناجحة هي نتيجة مسار تراكُمي من التقارب الاجتماعي والسياسي، وليست مُجرّد قرار فوقي لتجميع الهياكل.

في ضوء ذلك، قد يكون التحدّي الحقيقي أمام اليسار “الجدري”، في المغرب كما في غيره، هو إعادة بناء مشروع اجتماعي قادر على إنتاج جاذبية سياسية فعلية، بدل التركيز على إعادة تركيب الخرائط التنظيمية فقط. القوة السياسية، كما يُبيّن التاريخ مراراً، لا تولد من حجم الإطار فقط، بل من قدرة المشروع على التحول إلى تعبير حقيقي عن تطلعات قطاعات واسعة من المجتمع.

وبهذا المعنى، فإن السؤال المركزي ليس بالضرورة، كيف نوحد اليسار تنظيمياً؟ بل، كيف نُعيد بناء يسار قادر على إنتاج معنى اجتماعي وسياسي يجعل المجتمع نفسه يبحث عن هذه الوحدة ويطالب بها؟

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولليسار الذي أعتزُّ بالانتماء له فكريا.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x