لماذا وإلى أين ؟

مشاهير طنجة.. “الحاج كاكا” أول بائع صحف بالشمال

مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.

إليكم قصة اليوم :

في زمن كانت فيه طنجة مدينة دولية تعجّ بالقناصل والبحّارة والتجّار، ظهر رجل بجلابته الأنيقة وابتسامته الهادئة، يحمل بين يديه رزم الصحف الأجنبية وينادي بأسمائها بصوت رخيم. كان اسمه محمد كاكا، لكن أهل المدينة عرفوه بلقب “الحاج كاكا”. لم يكن مجرد بائع متجول، بل أول مغربي في طنجة والشمال اختار أن يجعل من بيع الصحف مهنة ورسالة منذ بدايات عهد الحماية الدولية.

بين حي مارشان والبوليفار وميناء طنجة، كان حضوره مألوفاً كصوت الموج. يتنقل بخفة بين المقاهي والمتاجر والشوارع الرئيسية، يعرض الجرائد على الرواد والبحارة والموظفين، وكأنه وسيط بين العالم وطنجة. كان يدرك أن ما يحمله ليس أوراقاً مطبوعة فقط، بل أفكاراً وأخباراً تغيّر وعي الناس. لذلك ظل حريصاً على مظهره المغربي الأصيل، جلباب وصدرية تقليدية، في مشهد يجمع بين الأصالة وانفتاح المدينة على العالم.

مع مرور الوقت، لم تبقَ الفكرة حبيسة طنجة. انتقلت عدوى بيع الصحف المحمولة باليد إلى مدن الشمال الأخرى، خاصة بعدما بدأت الجرائد الوطنية العربية تجد طريقها إلى الأسواق. صار المشهد مألوفاً: شبان مغاربة يعرضون صحفاً وطنية أمام الدكاكين، أو يطرقون أبواب البيوت لإيصالها إلى المشتركين، كما حدث في أحياء المدينة القديمة حيث كان التوزيع يتم بسهولة عبر الأزقة المتشابكة.

باعة الجرائد.. رسل المقاومة في الظل

لكن حكاية بيع الصحف في الشمال لم تكن دائماً تجارية فقط. كثير من هؤلاء الباعة تحولوا إلى رسل للقضية الوطنية، يحملون بين طيات الجرائد رسائل سرية وتعليمات حزبية. من بينهم من كان يتنقل ليلاً فوق أسطح المنازل لإيصال الرسائل بعيداً عن أعين المراقبة، وأحياناً يتخفّى بلباس نسائي حتى لا يثير الشبهات، في مشهد يلخص حجم التضحية التي ارتبطت أحياناً بمهنة تبدو بسيطة في ظاهرها.

وسط كل ذلك، ظل صوت بائع الجرائد جزءاً من ذاكرة المدينة: “هنا الحرية… هنا الريف… هنا إسبانيا…”. أصوات تتعالى في الصباح، تختلط برائحة القهوة ودخان السفن، وتعلن أن الأخبار وصلت. كان زمناً مختلفاً، حيث ارتبطت “صاحبة الجلالة” بالعشق والنضال معاً، وحيث وقف رجال مثل الحاج كاكا في الواجهة، يبيعون الصحف… ويشاركون، بطريقتهم الخاصة، في صناعة الوعي الوطني.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x