لماذا وإلى أين ؟

مشاهير طنجة.. ديفيد هربرت الأرستقراطي الذي اختار طنجة وطناً

مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.

إليكم قصة اليوم :

لم يكن ديفيد هربرت رجلاً عادياً في سيرة طنجة الحديثة. كان الابن الثاني لإيرل بيمبروك الخامس عشر، وريث بيت عريق في إنجلترا هو ويلتون هاوس، حيث تمتد الحدائق كما تمتد الذاكرة العائلية عبر القرون. لكن ذلك الإرث الثقيل لم يكن قدَره النهائي. منذ شبابه، اختار هربرت حياة الترحال، يجوب العواصم والبحار برفقة أصدقاء ينتمون إلى عالم الأرستقراطية والفن، وكأنه يبحث عن مدينة تشبه روحه القلقة.

خلال الحرب العالمية الثانية، خدم في الأسطول التجاري البريطاني، وكان يقول إنه يأمل أن يؤدي واجبه من دون أن يضطر لقتل أحد. في عام 1942، غرقَت سفينته “ستراتالان” في البحر، وخرج من بين قلة نجت من الحادث. تلك التجربة، التي وضعته وجهاً لوجه أمام الموت، غيّرت شيئاً في داخله. لم يعد البيت الإنجليزي الفخم يعني له الكثير؛ صار يبحث عن حياة أقل رسمية، أكثر حرية، وأكثر اقتراباً من الضوء والبحر.

وجد ضالته في طنجة. المدينة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية بوجه جديد، مفتوحة على الأدباء والموسيقيين والمغامرين، كانت آنذاك تُخترع من جديد. هناك، بدأت “يوتوبيا طنجة” تتشكل بالتوازي مع ما عُرف لاحقاً بـ“الإنترزون”، مساحة رمزية للحرية والانفلات والإبداع. وصل هربرت ليستقر نهائياً، تاركاً وراءه ويلتون هاوس، وكأنه يبدّل اللقب الأرستقراطي بلقب آخر غير مكتوب: مواطن طنجة.

البيت الوردي.. قلب الحياة الاجتماعية في الجبل

على تلة صغيرة تُعرف باسم “الجبل”، في منطقة “جامع مقرع” غرب المدينة، أقام هربرت منزله الذي عُرف باسم “البيت الوردي”. هناك، لم يكن البيت مجرد إقامة خاصة، بل مركزاً يومياً للحياة الاجتماعية. كانت موائد الغداء والعشاء تُقام بانتظام، يجتمع حولها كتّاب ومصورون وموسيقيون وأرستقراطيون جاؤوا إلى طنجة بحثاً عن الحلم ذاته: حياة بلا قيود.

من بين ضيوفه وأصدقائه الدائمين أسماء لامعة مثل سيسيل بيتون، المصور الشهير في هوليوود خلال الأربعينيات والخمسينيات، الذي التقط صوراً وثّقت ما يمكن تسميته “العصر الذهبي” لطنجة. كان بيتون بعدسته يجمّد لحظات من تلك الأمسيات: ضحكات تحت شمس المتوسط، ظلال نخيل تمتد على جدران بيضاء، وأحاديث لا تنتهي عن الفن والسياسة والحب.

كان هربرت أيضاً صديقاً مقرّباً لبول بولز، الكاتب والموسيقي الذي وصل إلى طنجة حوالي عام 1947، وكان من أوائل من منحوا المدينة بعداً أدبياً عالمياً. حولهما، تدور أسماء أخرى: ويليام بوروز، جاك كيرواك، ميك جاغر، كيث ريتشاردز، براين جونز… أسماء صارت اليوم جزءاً من تاريخ المغرب الثقافي. كانوا يأتون إلى طنجة بحثاً عن شيء يتجاوز الشهرة: عن مساحة يعاد فيها اختراع الذات.

هربرت، الذي عاش في طنجة أكثر من ستين عاماً، لم يكن مجرد مضيف كريم أو شاهد على زمن استثنائي. في مذكراته، رسم صوراً نابضة لتلك الشخصيات التي كانت تظهر فجأة في المدينة ثم تختفي، كأن طنجة محطة عبور بين عالمين. لكنه هو لم يختفِ؛ اختار البقاء، كأن المدينة اختارته بدورها.

كان متديناً أنجليكانياً مخلصاً، محافظاً على زيارة الكنيسة رغم حياة السهر والموسيقى. وحين توفي عام 1995، دُفن في مقبرة كنيسة القديس أندرو في طنجة. نُقشت على شاهد قبره عبارة بسيطة تختزل الحكاية كلها: “لقد أحب المغرب”.

ربما كانت تلك الجملة أصدق من أي لقب أرستقراطي. فالرجل الذي نجا من غرق سفينة، وترك بيتاً تاريخياً في إنجلترا، واحتضن مدينة على ضفاف المتوسط، لم يكن يبحث عن مجد جديد، بل عن انتماء. وفي البيت الوردي، بين ضيوفه العابرين وصداقاته العميقة، وجد ما يشبه الوطن الأخير. طنجة لم تكن محطة في حياته… كانت النهاية التي اختارها بإرادته.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x