2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة.. “إميلي كين”، الإنجليزية التي أصبحت “شْرِيفَة”
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
وُلدت إميلي كين سنة 1850، ابنةً لحارس أحد سجون لندن. نشأت في بيئة صارمة، لكنها أصرت، بإرادتها الخاصة، على أن تتلقى تعليمها في مدرسة داخلية إنجليزية. كانت فتاة مختلفة عن محيطها؛ لا يرضيها المصير التقليدي الذي كان ينتظر كثيراً من نساء عصرها. في سبعينيات القرن التاسع عشر، كانت أوروبا غارقة في شغفها بالشرق، في ما سُمّي آنذاك بالوهم الاستشراقي. وربما، مدفوعةً بهذا الحلم وبالرغبة في كسر قيود المجتمع الفيكتوري، قررت إميلي سنة 1872، وهي في الثانية والعشرين من عمرها، أن تسافر إلى المغرب رفقة عائلة بيرديكاريس. لم تكن تعلم أن تلك الرحلة ستغيّر حياتها إلى الأبد.
حين وصلت إلى طنجة، كانت المدينة تعيش ذروة زمنها الدولي. القناصل، الدبلوماسيون، الباحثون، الأطباء، والمغامرون يتقاطرون عليها من كل صوب. كانت الثقافات تتداخل في شوارعها، واللغات تتعانق في أسواقها، حتى صار من الطبيعي أن يسمع المرء العربية والإسبانية والفرنسية والإنجليزية في الزقاق نفسه. في هذا المناخ المتعدد، خطت إميلي أولى خطواتها، شابة إنجليزية تراقب بعين فضولية عالماً جديداً. لكن المدينة لم تكن وحدها من يراقبها؛ فقد لفتت انتباه الشريف الكبير لوزان، وريث واحدة من أكثر الزوايا الدينية نفوذاً في المغرب، وأحد أقوى الرجال في البلاد آنذاك.

بين لندن ووزان… زواج يتحدى الأعراف
لم يكن الزواج بين شريف مغربي وامرأة إنجليزية أمراً مألوفاً في ذلك الزمن. بل كان، في نظر كثيرين، ضرباً من الغرابة. ومع ذلك، تم الزواج، وأنجبت إميلي طفلين. كان الشريف رجلاً منفتحاً، يقدّر الأفكار الأوروبية دون أن يتخلى عن جذوره، ولم يعترض قط على احتفاظ زوجته بمعتقداتها وعاداتها. عرفت إميلي كيف تحافظ على هويتها دون أن تمسّ باحترام مجتمعها الجديد، فبنت جسراً صامتاً بين ثقافتين.
انخرطت في الحياة السياسية والدينية لزوجها، وسافرت معه بين المغرب وأوروبا، شاهدة على تحولات زمن مضطرب. كانت عائلة الشرفاء في المغرب تحظى بمكانة خاصة، باعتبارها تُنسب إلى سلالة الرسول، وهو ما منحها احتراماً واسعاً ونفوذاً روحياً وسياسياً. في طنجة ووزان، كان للشريف مقامه وضريحه، وكان الناس يقصدونه طلباً للبركة. وسط هذا العالم المفعم بالرمزية، لم تكن إميلي مجرد زوجة أجنبية؛ كانت حاضرة بقوة، حتى أن البعض بدأ يناديها “الشريفة”.
ورغم أن بعض أفراد عائلة الشريف لم يتقبلوا وجودها بسهولة، فإن أهل طنجة أحبوها. كانت قريبة من الناس، تنصت لقصصهم، وتحاول فهم عاداتهم. لم تكتفِ بالمراقبة من خلف أسوار القصور، بل نزلت إلى الواقع، إلى الأزقة والأسواق. كانت مفتونة بالثقافة المغربية، بطقوسها وموسيقاها وألوانها، حتى بدا وكأنها تزوجت المغرب نفسه، لا رجلاً فحسب.

وأهم ما قامت به في مدينة طنجة كان في المجال الصحي. ففي زمن كانت فيه الأوبئة تفتك بالسكان، ساهمت في إدخال لقاح الجدري إلى المدينة، خطوة أنقذت أرواحاً كثيرة. لم يكن الأمر سهلاً؛ فالإقناع بفكرة التلقيح كان يتطلب شجاعة وثقة متبادلة. لكنها نجحت، مستفيدة من مكانتها ومن شبكة علاقاتها الدولية. بذلك، تركت أثراً عملياً لا يُمحى، يتجاوز حدود القصور والزوايا.
في مطلع القرن العشرين، كانت السياسة المحلية في طنجة تخضع لرقابة شديدة، لكن الأفكار كانت تتشكل في الخفاء. عائلات نافذة، بدأت تمارس أدواراً سياسية واقتصادية مؤثرة، بينما كان الحس الوطني يتنامى تمهيداً لظهور حركات تطالب بالاستقلال. عاشت إميلي تلك التحولات من موقع فريد: أوروبية المنشأ، مغربية الانتماء بالزواج، شاهدة على تداخل الدين والسياسة والثقافة في مدينة لا تشبه سواها.
طنجة، التي منحتها اسماً جديداً وهوية جديدة، بقيت مرتبطة بها كما بقيت هي مرتبطة بها. كانت المدينة في أوج ازدهارها الدولي، مختبراً للتعددية والتعايش. وبفضل ذلك الماضي، ما زال أهلها اليوم يتقنون لغات عدة ويتحركون بسهولة بين ثقافات مختلفة، حتى لو لم يدرسوها في مدارس رسمية.
قصة إميلي كين ليست مجرد حكاية زواج عابر للثقافات، بل سيرة امرأة كسرت القيود الاجتماعية في عصرها، ووجدت في طنجة فضاءً لتحقيق ذاتها. بين جدران الزوايا ونسيم البحر، كتبت فصلاً إنسانياً فريداً، عنوانه الاحترام المتبادل والشغف بالاكتشاف. ولعل أجمل ما في قصتها أن المدينة التي استقبلتها غريبة، ودّعتها واحدةً من بناتها.
