2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم :
لم يكن محمد بن علي الرباطي يتخيل، وهو طفل وُلد في الرباط سنة 1861، أن اسمه سيُذكر يوماً بوصفه أحد رواد التشكيل المغربي الحديث. تعلّم في كتّاب قرآني لفترة قصيرة، ثم انصرف إلى تعلم بعض الحرف اليدوية، فاشتغل نجاراً. كانت يده تعرف الخشب أكثر مما تعرف الورق، وتفهم في قياس الألواح أكثر مما تفهم في قياس الظلال. لكن الحياة كانت تخبئ له طريقاً آخر، يبدأ من طنجة.
في سنة 1886، شدّ الرحال إلى المدينة الشمالية التي كانت آنذاك تعيش تحوّلات كبرى. طنجة لم تكن مجرد ميناء، بل عاصمة دبلوماسية تعج بالقناصل والتجار والرسامين والرحالة. في أزقتها تختلط اللغات، وفي مقاهيها تُعقد الصفقات وتُحاك الحكايات. هناك، في حي القصبة تحديداً، اختار الرباطي أن يستقر. لم يأتِ باحثاً عن الفن، بل عن لقمة العيش.
عام 1903، اشتغل طباخاً لدى الرسام الإيرلندي جون لافيري، الذي كان قد استقر في طنجة منذ 1890 بصفته رساماً للمحكمة البريطانية. كان لافيري فناناً معروفاً في أوروبا، ينقل إلى لوحاته ملامح الشخصيات والأمكنة بدقة أكاديمية. أما الرباطي، فكان يعدّ الطعام في مطبخ البيت، يراقب من بعيد حركة الريشات والألوان، ويصغي لصمت اللوحات وهي تولد.

من مطبخ القصبة إلى صالات لندن
في غرفته الصغيرة، بعيداً عن الأعين، بدأ الرباطي يرسم. لم يتلقَّ تكويناً أكاديمياً، ولم يجلس يوماً أمام أستاذ فنون. كان يرسم بالألوان المائية على الورق، مستخدماً ما توفر في طنجة من أدوات بسيطة. لم يكن مهتماً بالقصور ولا بالبورتريهات الرسمية، بل كان يرسم الناس كما يراهم: بائع الخبز، النسوة في الأسواق، الأطفال في الأزقة، والمواكب الشعبية التي تعبر الشوارع. كانت لوحاته بسيطة في شكلها، لكنها غنية بالتفاصيل، تنبض بألوان الحياة اليومية.
ذات يوم، لمح لافيري بعض تلك الرسومات. لم يرَ فيها محاكاة متقنة للمدارس الأوروبية، بل رأى صدقاً نادراً. شجّعه على الاستمرار، وفتح له نافذة لم يكن يحلم بها. لم يعد الرباطي مجرد طباخ يرسم في الخفاء؛ صار فناناً يجد من يؤمن بموهبته.

سافر معه إلى بريطانيا، وهناك أقام معرضه الأول سنة 1916 في غاليري غوبيل بلندن. تخيّلوا المشهد: رجل مغربي، لم يتلق تعليماً فنياً نظامياً، يعرض أعماله في قلب العاصمة البريطانية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى. كانت لوحاته أشبه برسائل بصرية من طنجة، تحكي عن مدينة لا يعرفها الجمهور الأوروبي إلا من خلال تقارير الدبلوماسيين أو خيالات المستشرقين.
بعد الحرب، انتقل إلى فرنسا. في مرسيليا، أقام معرضه الثاني سنة 1919. لكن الحياة هناك لم تكن كلها أضواء صالات العرض؛ اشتغل في مصنع للسكر، يعيد تجربة الكدح من جديد. كان الفن بالنسبة له شغفاً لا يُغنيه عن العمل، والعمل ضرورة لا تُطفئ شغفه.

عاد إلى المغرب بعد ثلاث سنوات. اشتغل في مصرف، ثم فتح مطعماً، وكأن المطبخ ظل يرافقه أينما حلّ. ومع ذلك، لم يهجر الرسم. في 1922، أقام معرضه الثالث في فندق المأمونية بمراكش، أحد أبرز فضاءات النخبة آنذاك. كانت لوحاته قد صارت أكثر ثقة، وأكثر وعياً بذاتها.
ابتداءً من 1933، تفرغ للفن بعدما حصل على محترف خاص به. لم يعد يرسم في غرفة ضيقة، بل في فضاء يمنحه الحرية الكاملة. كان قد صار من الجيل الأول للرسامين المغاربة الذين تأثروا بالتقنيات الأوروبية، من حيث استخدام الحامل والألوان الزيتية وأساليب المنظور، لكنه لم يفقد خصوصيته. لم يعد إلى المنمنمات التقليدية أو الزخارف والخط العربي بوصفها الأفق الوحيد للتعبير، بل تجاوزها نحو تصوير الحياة اليومية بجرأة.

يراه بعض النقاد فناناً فطرياً، لأنه لم يتخرج من أكاديمية، بينما يرى آخرون أن أعماله وثيقة بصرية تؤرخ لطنجة في عشرينيات القرن الماضي. في لوحاته نرى الأسواق، المواسم، الأزياء، وملامح الناس البسطاء الذين لم تلتفت إليهم عدسات المصورين الرسميين. لقد منحهم مكاناً في التاريخ، ولو على ورق مائي بسيط.
توفي سنة 1939، بعد أن عاش بين الرباط وطنجة، بين النجارة والمطبخ وصالات العرض. لم يكن أميراً ولا صاحب جاه، بل رجل اكتشف موهبته متأخراً، وآمن بها رغم كل شيء. قصة محمد بن علي الرباطي هي حكاية فنان خرج من قلب الحياة اليومية ليحوّلها إلى فن، حكاية رجل كتب سيرة طنجة بالألوان، وترك خلفه ذاكرة بصرية لمدينة كانت تتشكل بين الشرق والغرب.