لماذا وإلى أين ؟

واشنطن تدمج ملف الصحراء في “رؤية أمنية واسعة” تشمل الساحل والمتوسط (صحيفة)

تشير معطيات حديثة أوردتها صحيفة “أتلايار” الإسبانية إلى أن ملف الصحراء المغربية يشهد مرحلة سياسية مختلفة عن المسارات التفاوضية التقليدية التي عرفها خلال العقود الماضية، مؤكدة أن المفاوضات غير المعلنة التي جرت خلال الأسابيع الأخيرة في الولايات المتحدة وإسبانيا تعكس تحوّلاً في طريقة إدارة هذا الملف، مع بروز دور أمريكي مباشر في توجيه مسار النقاشات.

وبحسب الصحيفة الإسبانية، التي سبق أن نشرت ما أسمته بـ”مشروع وثيقة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب خلال جولة مدريد”، فإن استضافة لقاءات في مدن مثل فلوريدا وواشنطن ومدريد لا يعني مجرد استئناف لجولات التفاوض القديمة، بل يشير إلى “انتقال مركز الثقل من الإطار الأممي التقليدي إلى إدارة أكثر مباشرة من قبل واشنطن”، ما يمكن أن يُفهم منه أن الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة تنظيم موازين النفوذ في هذا الملف الحساس.

وترى “أتلايار” أن التطورات الجيوسياسية العالمية تلعب دوراً أساسياً في هذا التحوّل، فالتوترات المتزايدة في الشرق الأوسط، والحرب المستمرة في أوكرانيا، إضافة إلى التحولات السياسية والأمنية في إفريقيا ومنطقة الساحل، جعلت من الصعب التعامل مع قضية الصحراء باعتبارها نزاعاً إقليمياً معزولاً عن السياق الدولي الأوسع.

في هذا الإطار، تشير الصحيفة إلى أن المنطقة الممتدة بين المحيط الأطلسي والساحل الإفريقي أصبحت ذات أهمية استراتيجية متزايدة، فهذه المنطقة تشهد تنافساً متصاعداً بين القوى الدولية، مع حضور روسي متنامٍ ونفوذ اقتصادي صيني متزايد، في مقابل تراجع ملحوظ للدور الأوروبي. وفي ظل هذه المعادلة، يبرز المغرب كفاعل أساسي في معادلة الاستقرار الإقليمي.

وتضيف “أتلايار” أن إدارة الملف من قبل واشنطن تهدف -من بين أمور أخرى- إلى كسر حالة الجمود التي استمرت لعقود، فالمفاوضات الحالية تجري وفق قرار مجلس الأمن رقم 2797، كما تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب، والتي شهدت تطويراً ملحوظاً منذ طرحها لأول مرة عام 2007.

وتوضح الصحيفة أن هذه المبادرة تطورت من وثيقة مختصرة في بدايتها إلى مشروع تفصيلي يعكس تصوراً مؤسساتياً متكاملاً لإدارة الإقليم. وبالنسبة للخطاب المغربي، تمثل هذه المبادرة الحل النهائي للنزاع، بينما تصفها الأمم المتحدة بأنها أساس واقعي للتوصل إلى تسوية سياسية.

وتشير “أتلايار” إلى أن المفاوضات تُدار في أجواء من “السرية النسبية”، وهو ما قد يسمح للأطراف المعنية بمراجعة مواقفها بعيداً عن الضغوط الإعلامية والسياسية، وفي الوقت نفسه يمنح هذا الأسلوب الولايات المتحدة هامشاً أكبر لتوجيه مسار النقاشات نحو صيغة اتفاق محتملة.

ومن بين أبرز الملامح التي لفتت إليها الصحيفة اعتماد صيغة “الطاولة المستديرة” التي تجمع الأطراف الأربعة المعنية بالنزاع (المغرب، الجزائر، البوليساريو وموريتانيا)، وهي الصيغة التي سبق استخدامها في جولات جنيف، غير أن الاختلاف الأساسي هذه المرة يتمثل في الجهة التي تدير الإطار السياسي للمفاوضات.

وبحسب التحليل الذي نشرته الصحيفة الإسبانية، تتحرك الأطراف المختلفة وفق حسابات واضحة، فالمغرب يركز على تثبيت سيادته عبر مقترح الحكم الذاتي، بينما تعيد الجزائر تقييم موقعها ودورها في هذا الملف، أما جبهة البوليساريو فتواجه تحديات مرتبطة بتغير موازين القوى الدولية، في حين تحاول موريتانيا الحفاظ على مقاربة متوازنة تراعي مصالحها الأمنية والإقليمية.

وترى “أتلايار” أن واشنطن لا تسعى فقط إلى إنهاء النزاع، بل إلى إدماج هذا الملف ضمن رؤية أوسع ترتبط بأمن منطقة الساحل واستقرار غرب البحر الأبيض المتوسط. وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى المغرب كشريك أساسي في معادلة الاستقرار الإقليمي.

وتخلص الصحيفة إلى أن استمرار النزاع يشكل مصدر قلق أمني في المنطقة الممتدة بين الأطلسي والساحل، وهو ما يدفع الولايات المتحدة إلى الدفع نحو صياغة اتفاق إطار يمكن أن يشكل قاعدة لتسوية سياسية مستقبلية، حتى لو بقيت التفاصيل التقنية قيد التفاوض لاحقاً.

وفي ضوء هذه المعطيات، تشير “أتلايار” إلى أن قضية الصحراء لم تعد مجرد نزاع إقليمي محدود، بل أصبحت جزءاً من شبكة أوسع من التوازنات الجيوسياسية المرتبطة بالأمن والطاقة والنفوذ الدولي في إفريقيا.

ويبقى السؤال المطروح، وفق الصحيفة، حول طبيعة التوازنات الجديدة التي قد تفرزها هذه التحركات، ومن سيملك فعلياً مفاتيح المرحلة المقبلة من هذا الملف.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x