لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح15): المرأة الوحيدة التي شاركت في توقيع وثيقة استقلال وميلاد مغرب ما بعد الاستعمار

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، مليكة الفاسي، المناضلة الوطنية الذي أضفت اللمسة النسائية الوحيدة على وثيقة المطالبة بالاستقلال، والتي دافعت بقوة عن تعليم ودخول المرأة للشأن العام في وقت كانت فيه الأصوات المطالبة بذلك نادرة..

المرأة الوحيدة التي شاركت في توقيع وثيقة استقلال وميلاد وطن ما بعد الاستعمار

مليكة الفاسي.. واحدة من أبرز النساء اللواتي تركن أثرا واضحا في تاريخ الحركة الوطنية المغربية، امرأة جمعت بين النضال السياسي والعمل الثقافي والدفاع المبكر عن تعليم المرأة وحقوقها.

ولدت سنة 1919 بمدينة فاس في أسرة علمية عريقة، كان بيتها مفتوحا للعلماء والمثقفين والمناضلين، وهو ما جعلها تنشأ في بيئة مشبعة بروح الوطنية والاهتمام بالشأن العام.

تلقت تعليمها داخل البيت على يد أساتذة متخصصين، إذ حرص والدها القاضي المهدي الفاسي على أن تتلقى تعليما متقدما في اللغة العربية والفرنسية والعلوم المختلفة، وفي هذا الوسط الثقافي بدأت مبكرا في الاهتمام بالكتابة والعمل الفكري، فدخلت عالم الصحافة وهي شابة، ونشرت مقالاتها في عدد من المجلات والصحف المغربية.

دافعت عن تعليم الفتيات وضرورة انخراط المرأة في المجتمع. وكانت في البداية توقع مقالاتها بأسماء مستعارة مثل “فتاة المدينة” و”باحثة المدينة”، بسبب الظروف السياسية والاجتماعية التي كانت تجعل ظهور المرأة في المجال العام أمرا صعبا.

ارتبط اسمها بشكل وثيق بالحركة الوطنية المغربية ضد الاستعمار الفرنسي. فقد انضمت إلى نشاطات الوطنيين منذ الأربعينيات، وكان بيتها فضاء للقاء المناضلين وتنظيم الاجتماعات السرية، كما لعبت دورا في نقل الرسائل بين الوطنيين والقصر الملكي، مما جعلها إحدى الشخصيات النسائية القليلة التي شاركت بشكل مباشر في العمل السياسي خلال تلك المرحلة الحساسة والصعبة من تاريخ المغرب.

اعتبر الحدث الذي خلد اسمها في التاريخ الوطني المغربي هو توقيعها على وثيقة المطالبة باستقلال المغرب في 11 يناير 1944، فقد كانت المرأة الوحيدة بين عشرات القادة الوطنيين الذين وقعوا تلك الوثيقة التاريخية التي طالبت بإنهاء الحماية الفرنسية وإقامة دولة مغربية مستقلة، ولم يكن دورها رمزيا فقط، بل شاركت أيضا في إعداد الوثيقة وفي التعبئة السياسية التي رافقت إعلانها.

إلى جانب نشاطها السياسي، كرست مليكة الفاسي جزءا كبيرا من جهودها للدفاع عن تعليم النساء وتمكينهن، فقد كتبت مقالات عديدة تشجع الأسر المغربية على إرسال بناتهن إلى المدرسة، واعتبرت تعليم الفتاة خطوة أساسية في نهضة المجتمع، كما أسهمت في تأسيس جمعيات اجتماعية وخيرية تهتم بمحاربة الأمية ومساعدة النساء والأطفال، ومن أبرزها جمعية “مواساة” التي اهتمت برعاية المحتاجين والأيتام.

كما عرفت باهتماماتها الثقافية المتعددة، إذ كانت محبة للفن والموسيقى الأندلسية، وأسهمت في تأسيس جمعية لهواة هذا الفن في مدينتها. وقد شاركت أيضا في العديد من المؤتمرات والندوات الدولية التي تناولت قضايا التعليم والمرأة، ما جعل حضورها يتجاوز حدود المغرب إلى فضاءات ثقافية أوسع.

بعد استقلال المغرب واصلت نشاطها الاجتماعي والثقافي، وظلت من الأصوات التي تدافع عن حضور المرأة في الحياة العامة. وقد حظيت خلال حياتها بعدة تكريمات تقديرا لنضالها الطويل.

فارقت الحياة سنة 2007 بعد مسار حافل بالعطاء والعمل الوطني.

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x