لماذا وإلى أين ؟

عائلات المغرب (18): “آل القباج”.. حكاية بيت فاسي أنقذ الملكية

في المغرب، لا تُقاس العائلات الكبرى فقط بعدد أبنائها، بل بقدرتها على الحضور في أكثر من مجال في الوقت نفسه؛ في السياسة، في الاقتصاد، في الفكر، وحتى في اللحظات الحاسمة من تاريخ الدولة.

وفي هذه الحلقة من سلسلة “العائلات الكبرى”، نقترب من عائلة القباج، إحدى البيوتات الفاسية التي نسجت حضورها بهدوء داخل الإدارة والاقتصاد والثقافة.

تنتمي عائلة القباج إلى ما يسميه المؤرخون “الأسر الفاسية القديمة”، وهي تلك البيوتات التي تشكلت داخل النخبة العلمية والتجارية لمدينة فاس.

وتشير بعض كتب الأنساب إلى أن جذور العائلة تعود إلى شيخ الإسلام غانم بن علي، فيما تذهب مراجع أخرى إلى نسب شريف، وهو ما يفسر المكانة الاجتماعية التي احتلتها العائلة داخل الوسط الفاسي.

مثل كثير من العائلات الفاسية، لم يكتف “آل القباج” بالمكانة الرمزية داخل المجتمع، بل تحولت مع الزمن إلى خزان للكفاءات داخل الدولة المغربية، وانتقل بعض افرادها للعيش في مدن اخرى مثل مراكش والرباط، وشكلت نفوذا قويا هناك أيضا.

ومن أبرز وجوهها عمر القباج، المستشار الحالي للملك محمد السادس منذ سنة 2006، والرئيس السابق لمجموعة البنك الإفريقي للتنمية بين 1995 و2005، وهي تجربة جعلت اسمه من الأسماء الاقتصادية المغربية المعروفة دوليا.

في السياسة أيضاً برز اسم محمد القباج، الذي شغل منصب مستشار ملكي سابقا، وتقلد عدداً من الحقائب الوزارية، من بينها وزارة التجهيز ووزارة المالية والاستثمارات الخارجية، كما شغل منصب والي جهة الدار البيضاء.

ولا يتوقف حضور العائلة عند الدبلوماسية والوزارات، فداخل الإدارة الترابية والتمثيلية المحلية برز اسم طارق القباج، الذي قاد مدينة أكادير لسنوات بصفته عمدة للمدينة وبرلمانيا عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

لكن النفوذ العائلي لا يُقاس بالسياسة وحدها، فاقتصاديا، ارتبط اسم القباج بواحدة من أكبر شركات الأشغال في المغرب، وهي الشركة العامة للأشغال بالمغرب (SGTM).

تأسست الشركة بداية السبعينيات على يد الأخوين أحمد وامحمد القباج، في مرحلة كان قطاع البناء في المغرب خاضعا إلى حد كبير للشركات الأجنبية.

ومنذ ذلك الوقت تحولت SGTM إلى أحد أعمدة البنية التحتية في البلاد، حيث شاركت في إنجاز موانئ وسدود ومطارات ومشاريع استراتيجية داخل المغرب وخارجه.

ومع مرور السنوات توسعت الشركة داخل إفريقيا جنوب الصحراء، كما شرعت العائلة في فتح رأس مالها أمام السوق المالية، في خطوة تعكس تحولا جديدا داخل الشركات العائلية المغربية التي بدأت ترى في البورصة وسيلة لضمان الاستمرارية ونقل الثروة بين الأجيال.

في المجال الفكري، تركت العائلة أيضا بصمتها، حيث يعد محمد بن العباس القباج أحد رواد النهضة الأدبية في المغرب خلال القرن العشرين، وكتابه “الأدب العربي في المغرب الأقصى” ما يزال مرجعا أساسيا في دراسة الحركة الأدبية المغربية.

ومن داخل الحقل الديني والعلمي برز اسم فاطمة القباج، التي تعد من أوائل النساء اللواتي درسن في جامعة القرويين، قبل أن تصبح عضوا في المجلس العلمي الأعلى.

لكن اسم القباج دخل أيضا صفحات التاريخ من زاوية مختلفة تماما، زاوية الطيران والسياسة في زمن الانقلابات.

ففي صيف سنة 1972، كانت الطائرة الملكية التي تقل الملك الراحل الحسن الثاني عائدة من الخارج حين تعرضت لهجوم من طائرات عسكرية خلال محاولة انقلابية، وكان الذي يقود الطائرة في تلك اللحظة الحرجة هو الكولونيل محمد القباج.

يروي الرجل لاحقا أن الطائرة كانت شبه مدمرة بفعل الرصاص، وأن سقوطها كان يبدو مسألة وقت فقط، لكن الطيار واصل المناورة رغم إصابة المحركات، بينما دخل الحسن الثاني بنفسه إلى مقصورة القيادة وظل هادئا يوجه التعليمات ويطلب من الجميع الثبات.

بعد ساعات من التوتر، تمكنت الطائرة من الهبوط في مطار الرباط سلا رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها، ولاحقا قال الكولونيل القباج جملة ستبقى عالقة في الذاكرة: “لست أنا من أنقذ الحسن الثاني.. بل الملك هو الذي أنقذ الطائرة”.

ذلك المشهد يلخص جزءا من تاريخ المغرب في السبعينيات، زمن الانقلابات، حيث كانت مصائر الدول تتقرر أحيانا في قمرة قيادة على ارتفاع آلاف الأمتار.

اليوم، وبعد عقود من تلك الأحداث، تبدو عائلة القباج مثل نموذج كلاسيكي للعائلات الفاسية التي نجحت في الجمع بين ثلاثة عناصر: الدولة، والاقتصاد، والمعرفة.

فمن الوزارات إلى الشركات الكبرى، ومن قاعات الجامعات إلى مقصورة طائرة ملكية في لحظة تاريخية، ظل اسم القباج حاضرا في أكثر من فصل من فصول الدولة المغربية الحديثة.

وفي الحلقة المقبلة من سلسلة “عائلات المغرب”، نقترب من عائلة أخرى، لنطرح السؤال نفسه؛ هل تصنع السلطة في المغرب داخل المؤسسات.. أم داخل العائلات؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
العلمي الادريسي
المعلق(ة)
8 مارس 2026 22:15

القباج من العائلات اليهودية التي أسلمت و لا علاقة لا بالنسب الشريف ولا هم يحزنون
القباج : Alkabach
و تعتبر من العائلات الفاسية الكبرى مثلها مثل عائلات فاسية أخرى

وهذا فقط للتوضيح

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x