2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
في المغرب، لا تصنع السلطة نفسها كل مرة من الصفر، فبين الأحزاب والإدارات والقطاعات الاستراتيجية، هناك أسماء عائلية تتكرر في مفاصل الدولة، وكأنها خيوط غير مرئية تربط الماضي بالحاضر.
في هذه الحلقة من سلسلة “العائلات الكبرى”، نقترب من عائلة العمراني، واحدة من الأسر الفاسية التي جمعت بين النسب العريق والحضور القوي داخل مؤسسات الدولة الحديثة.
تنتمي عائلة العمراني إلى ما يعرف في المغرب بـ“البيوتات الفاسية”، وهي الأسر التي لعبت أدواراً علمية واجتماعية داخل مدينة فاس منذ قرون.
وتورد كتب التراجم والأنساب، مثل “زهر الآس في بيوتات أهل فاس” لعبد الكبير الكتاني و“سلوة الأنفاس” لمحمد بن جعفر الكتاني، أسماء من آل العمراني ضمن العلماء والوجهاء الذين استقروا في المدينة وأسهموا في حياتها الدينية والفكرية.
ومع الزمن، انتشرت فروع من العائلة في مدن مغربية أخرى مثل الرباط والدار البيضاء، لكن حضورها ظل مرتبطاً بذاكرة فاس بوصفها إحدى العائلات التي شكلت جزءاً من النخبة التقليدية للمدينة.
في التاريخ المعاصر للمغرب، يبرز اسم محمد كريم العمراني كأحد أبرز الوجوه السياسية في العائلة. وُلد سنة 1919، وتدرج في مواقع المسؤولية داخل الدولة، قبل أن يصبح واحداً من أكثر رجال الدولة حضوراً خلال فترة حكم الملك الحسن الثاني.
شغل كريم العمراني منصب الوزير الأول في عدة حكومات، كما تولى إدارة المكتب الشريف للفوسفاط لسنوات طويلة، وهو القطاع الاستراتيجي الذي يعد أحد أعمدة الاقتصاد المغربي.
هذا المسار جعل اسم العمراني مرتبطاً بإدارة الملفات الاقتصادية الكبرى في البلاد خلال عقود من القرن العشرين، حيث كان الرجل جزءاً من النخبة الإدارية التي اعتمدت عليها الدولة في تدبير القطاعات الحيوية.
ولم يتوقف حضور العائلة عند جيل واحد، ففي الدبلوماسية المغربية المعاصرة يبرز اسم يوسف العمراني، الذي شغل مناصب دبلوماسية متعددة، من بينها منصب وزير منتدب لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون، قبل أن يعين سفيراً للمغرب لدى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 2023.
وفي مجال الرياضة، ارتبط اسم هشام العمراني بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم، حيث تولى منصب الأمين العام للهيئة القارية بين سنتي 2011 و2017، في مرحلة شهدت تحولات كبيرة داخل المؤسسة الكروية الإفريقية.
هكذا يتوزع حضور العائلة بين الإدارة العليا والدبلوماسية والرياضة، في مسار يعكس تحولات النخبة المغربية نفسها، من البيوتات العلمية التقليدية في فاس إلى مواقع القرار داخل الدولة الحديثة.
كتب التاريخ الاجتماعي للمغرب تشير إلى أن كثيراً من هذه العائلات لم تكتف بالحفاظ على مكانتها الرمزية، بل أعادت إنتاج نفوذها عبر التعليم والمناصب العليا داخل الإدارة، ومع مرور الزمن، تحولت بعض الألقاب العائلية إلى علامات معروفة داخل دوائر الدولة.
في هذا السياق، تبدو عائلة العمراني مثالاً على استمرارية النخبة المغربية عبر الأجيال، من الذاكرة العلمية لمدينة فاس إلى مواقع القرار في الاقتصاد والدبلوماسية.
وفي الحلقة المقبلة من هذه السلسلة، سنقترب من عائلة مغربية أخرى لنطرح السؤال ذاته: كيف تصنع النخبة في المغرب؟ وهل تتغير الوجوه… أم تبقى الأسماء نفسها؟