2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
نساء في الواجهة (ح21): “الملكة خناثة”.. قصة أول امرأة روائية في التاريخ المغربي
نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).
سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..
وسيكون موضوع حلقة اليوم، الأديبة والصحفية آمنة اللوه، أول روائية في التاريخ النسائي المغربي..
مبدعة “الملكة خناثة”.. قصة أول امرأة روائية في التاريخ المغربي
آمنة اللوه، واحدة من الأسماء المبكرة التي أسهمت في تشكل الأدب المغربي الحديث، وخصوصا في ما يتعلق ببدايات الكتابة النسائية. ولدت سنة 1926 بمدينة الحسيمة في شمال المغرب، داخل أسرة ارتبط بعض أفرادها بالحركة الوطنية وبنضالات الريف التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي. عاشت طفولتها في بيئة ريفية قبل أن تنتقل مع أسرتها إلى تطوان، حيث تابعت دراستها الأولى، وهي مرحلة ستلعب دورا أساسيا في تكوين وعيها الثقافي وميولها المبكرة نحو القراءة والكتابة.
في نهاية الأربعينيات شدّت الرحال إلى إسبانيا لمتابعة دراستها العليا، فالتحقت بجامعة جامعة مدريد حيث حصلت سنة 1957 على الإجازة في الأدب، لتصبح من أوائل المغربيات اللواتي نلن شهادة جامعية من هذه المؤسسة. وواصلت مسارها الأكاديمي هناك إلى أن نالت سنة 1978 دكتوراه الدولة في الأدب بميزة مشرفة، في إنجاز علمي نادر بالنسبة لامرأة مغربية في تلك المرحلة.
بعد عودتها إلى المغرب، كرست آمنة اللوه جزءا كبيرا من حياتها للعمل التربوي. بدأت بالتدريس في التعليم الابتدائي ثم الثانوي، قبل أن تتقلد عددا من المسؤوليات التربوية، من بينها إدارة مدرسة المعلمات والإشراف على القسم الداخلي للبنات في تطوان. كما اشتغلت لاحقا مفتشة للتعليم النسوي في نواحي الرباط، وأسهمت من خلال هذه المهام في تكوين أجيال من التلميذات والمدرسات.
وفي مرحلة لاحقة التحقت بالبحث الجامعي، حيث عملت أستاذة باحثة بالمعهد الجامعي للبحث العلمي في جامعة محمد الخامس، كما شاركت في اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، وهو ما يعكس المكانة الفكرية التي حظيت بها داخل الحقل التربوي المغربي.
إلى جانب نشاطها التربوي، حضرت آمنة اللوه بقوة في المجال الثقافي والصحفي، إذ نشرت مقالات عديدة تناولت قضايا المجتمع والتعليم والثقافة، كما تعاونت مع الإذاعة المغربية وأسهمت في النقاش العمومي حول التحولات الاجتماعية في المغرب.
غير أن حضورها الأبرز تجلى في المجال الأدبي، حيث تعد من رائدات السرد النسائي في المغرب. ففي سنة 1954 نشرت عملها المعروف «الملكة خناثة قرينة المولى إسماعيل»، وهو نص تاريخي سردي يرى عدد من الباحثين أنه من أوائل الأعمال الروائية في الأدب المغربي الحديث المكتوب بالعربية. وقد حاز هذا العمل جائزة المغرب للآداب في منطقة الحماية الإسبانية في السنة نفسها.
لم يكن هذا النص مجرد استعادة لمرحلة من التاريخ المغربي، بل حمل أيضا بعدا نقديا لقضايا المرأة داخل المجتمع التقليدي. فقد قرأه بعض النقاد بوصفه نصا يلمح إلى معاناة النساء داخل منظومة اجتماعية يطبعها عدم التكافؤ، خصوصا في ما يتعلق بتعدد الزوجات وما يرتبط به من تهميش لكرامة المرأة. ولهذا تعد كتاباتها من الإرهاصات الأولى التي طرحت سؤال المرأة في الأدب المغربي الحديث.
إلى جانب هذا العمل، أنجزت آمنة اللوه عددا من الدراسات والكتب التي مزجت بين الاهتمام الأدبي والبحث التاريخي والثقافي، من بينها كتابات حول الطفولة المغربية وتاريخ التعليم في شمال البلاد، فضلا عن مقالات ودراسات تناولت شخصيات وأحداثا من تاريخ المغرب.
خلال مسارها الطويل نالت عدة تكريمات وأوسمة، من بينها وسام العرش بعد الاستقلال، تقديرا لعطائها الثقافي والتربوي.
رحلت آمنة سنة 2015 في مدينة تطوان، تاركة وراءها تجربة رائدة في الأدب والتربية، واسمها ما يزال يحضر بوصفه أحد الأسماء التي ساهمت مبكرا في فتح المجال أمام صوت المرأة داخل الأدب المغربي.