2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
د. طارق أتلاتي*
في الاستراتيجية الدولية، لا تنشأ الأخطاء الكبرى عادة من نقص القوة، بل من سوء تقدير الواقع. فالإمبراطوريات نادرًا ما تُهزم لأنها ضعيفة، بل لأنها تقرأ العالم بطريقة خاطئة في اللحظة الحاسمة.
ومن هذا المنظور، تبدو احتمالات الانزلاق الأمريكي نحو مواجهة مع إيران على علتها مثالًا كلاسيكيًا على ما يسميه منظّرو العلاقات الدولية “الانحراف الاستراتيجي”؛ أي أن تنجر قوة كبرى إلى معركة جانبية في وقت يفترض أن تركز فيه على خصم أكثر خطورة.
خلال العقدين الأخيرين، كان التحدي الرئيسي الذي يشغل دوائر القرار في الولايات المتحدة الأمريكية هو صعود الصين باعتبارها المنافس الجيوسياسي الوحيد القادر على إعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وقد تجسد هذا القلق في استراتيجيات متعددة تهدف إلى احتواء النفوذ الصيني، خصوصًا مع تمدده الاقتصادي في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث استطاعت بكين أن تبني شبكات نفوذ واسعة عبر الاستثمار والبنية التحتية والشراكات طويلة المدى.
غير أن التركيز الاستراتيجي على هذا التحدي لم يمنع واشنطن من الوقوع في مفارقة خطيرة، فبينما كانت تراقب بدقة تحركات الصين في دول العالم الثالث، كانت في الوقت نفسه تنزلق تدريجيًا نحو تصعيد مع إيران حليف الصين ، وهو صراع لا يحمل بالضرورة نفس الوزن الاستراتيجي العالمي، لكنه قادر على استنزاف موارد سياسية وعسكرية هائلة.
جزء من المشكلة يعود إلى ما يمكن تسميته بـ”وهم الحرب القصيرة”. ففي بعض دوائر القرار، جرى التعامل مع سيناريو المواجهة العسكرية مع إيران باعتباره عملية محدودة، ضربات مركزة ضد أهداف عسكرية أو نووية، رد فعل إيراني مضبوط، ثم عودة سريعة إلى حالة الردع المتبادل. هذا التصور اعتمد على فرضيتين أساسيتين.
الفرضية الأولى أن الضربات العسكرية الأمريكية ستكون قادرة على تقليص القدرات الاستراتيجية الإيرانية بشكل كبير خلال وقت قصير. أما الفرضية الثانية فكانت أكثر جرأة ولخصت في أن التوتر الخارجي قد يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية في إيران، وأن قطاعات من الشارع الإيراني — التي سبق أن خرجت في احتجاجات اقتصادية وسياسية — قد تستغل اللحظة للضغط على النظام.
لكن هذه القراءة تتجاهل قاعدة تاريخية معروفة وهي أن المجتمعات التي تعيش توترات داخلية قد تتوحد سريعًا في مواجهة التهديد الخارجي. وهو ما حدث مرارًا في تجارب دول عديدة، حيث يؤدي الضغط الخارجي إلى تعزيز تماسك النظام بدل إضعافه.
في الحالة الإيرانية، أثبتت التجربة أن النظام السياسي الذي تشكل بعد الثورة الإيرانية سنة 1979 بنى لنفسه منظومة معقدة من أدوات الصمود انطلاقا من شبكة مؤسسات أمنية وعسكرية قوية، و عقيدة سياسية تقوم على مواجهة الضغوط الخارجية، ونفوذ إقليمي ممتد يمنحه القدرة على نقل الصراع خارج حدوده الجغرافية.
ولهذا السبب، فإن أي مواجهة عسكرية مع إيران لا يمكن تحليلها فقط من زاوية الضربات المباشرة، بل من زاوية شبكة التوازنات الإقليمية التي تحيط بها. فإيران لا تنظر إلى نفسها كدولة معزولة، بل كفاعل إقليمي يمتلك أدوات تأثير متعددة يمكن استخدامها لرفع تكلفة المواجهة على خصومه.
هنا يظهر التناقض داخل الاستراتيجية الأمريكية. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى إعادة توجيه مواردها نحو المنافسة الكبرى مع الصين. ومن جهة أخرى، قد تجد نفسها غارقة في مواجهة طويلة في الشرق الأوسط، وهو السيناريو ذاته الذي حاولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجنبه منذ التجارب المكلفة في حرب العراق 2003 والحرب في أفغانستان.
أما على المستوى السياسي الداخلي، فإن هذا السيناريو يضع شخصية مثل Donald Trump أمام معادلة معقدة. فالرجل الذي بنى جزءًا من خطابه السياسي على انتقاد التدخلات العسكرية الطويلة للولايات المتحدة، قد يجد نفسه — حتى لو كان الصراع محدودًا — أمام مواجهة تحمل مخاطر توسع غير متوقعة.
وفي حال تحولت هذه المواجهة إلى صراع مفتوح أو طويل الأمد، فإن التكلفة لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية وجيوسياسية أيضًا. فالشرق الأوسط ليس مجرد ساحة صراع سياسي، بل عقدة مركزية في النظام الطاقي العالمي وفي طرق التجارة الدولية. وأي اضطراب واسع في هذه المنطقة قد يخلق سلسلة من التداعيات التي تتجاوز حدودها الجغرافية.
لهذا السبب، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بإيران أو بالولايات المتحدة الاميركية بل بآليات اتخاذ القرار في القوى الكبرى. فكيف يمكن لقوة تمتلك أكبر جهاز استخباراتي وعسكري في العالم أن تنجرف نحو تقديرات قد تقلل من تعقيد خصمها أو من قدرة الصراعات الإقليمية على التحول إلى أزمات عالمية؟
التاريخ الاستراتيجي مليء بحروب بدأت باعتبارها عمليات محدودة، ثم تحولت إلى نقاط تحول كبرى في النظام الدولي. وإذا كان القرن الحادي والعشرون يشهد بالفعل إعادة تشكيل لموازين القوى العالمية، فإن الخطأ الأكبر الذي يمكن أن ترتكبه قوة عظمى ليس الدخول في حرب خاسرة بالضرورة، بل الدخول في حرب تُبعدها عن معركتها الاستراتيجية.
*رئيس المركز المغربي للدراسات و الأبحاث الاستراتيجية
الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.