2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم:
في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت طنجة مدينة تعيش على إيقاع العالم. السفن القادمة من أوروبا ترسو في موانئها، والقناصل والدبلوماسيون يتنقلون بين أزقتها، بينما كانت الدولة المغربية تحاول أن تحافظ على توازنها وسط تحولات سياسية واقتصادية متسارعة. في قلب تلك المرحلة ظهر اسم رجل من أبناء المدينة، هو محمد الغسّال الطنجي، الذي جمع بين العمل المخزني والكتابة، وبين التجربة الدبلوماسية وتوثيق تفاصيل عصره.
لم يكن الغسّال مجرد موظف في الإدارة المخزنية، بل كان شاهداً على مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب. اشتغل أميناً في بعض المراسي المغربية خلال عهد السلطان محمد بن عبد الرحمن، ثم واصل عمله في عهد السلطان الحسن الأول. كانت وظيفته تضعه في تماس مباشر مع حركة التجارة والبحر والدبلوماسية، حيث تمر الأخبار والرسائل والقرارات التي تربط المغرب بالعالم الخارجي.

رحلة إلى لندن… حين دوّن الطنجي دهشة الاكتشاف
في تلك الفترة، كان المغرب يبعث ببعض موظفيه وكتّابه لمهام خارجية مرتبطة بالشؤون الدبلوماسية. ومن بين تلك الرحلات، كانت تجربة محمد الغسّال في لندن خلال عهد السلطان مولاي عبد العزيز، سنة 1320 للهجرة. أقام هناك مدة قصيرة كاتباً في إحدى السفارات المغربية، لكنه خرج من تلك التجربة بانطباعات عميقة عن مدينة مختلفة تماماً عن مدن المغرب.
كانت لندن بالنسبة له عالماً جديداً: شوارع واسعة، قطارات، ومظاهر حداثة لم تكن مألوفة في بلاده آنذاك. لم يكتفِ الغسّال بمشاهدة تلك التحولات، بل قرر أن يسجلها في كتاب حمل عنوان “الرحلة التتويجية إلى عاصمة البلاد الإنجليزية”. في هذا العمل، حاول أن ينقل للقارئ المغربي صورة عن تلك المدينة البعيدة، وأن يصف ما رآه من تنظيم وعمران وعادات اجتماعية مختلفة.
لم يكن كتابه مجرد سرد لرحلة، بل كان نافذة يطل منها المغاربة على عالم أوروبي سريع التغير. وقد حظي هذا العمل باهتمام لاحق، إذ تُرجم إلى اللغة الفرنسية سنة 1908، قبل أن يعاد نشره لاحقاً بتحقيق الباحث عبد الرحيم مودن.

لكن تجربة الغسّال الفكرية لم تتوقف عند هذا الكتاب. فقد ترك أيضاً عدداً من المؤلفات التي تعكس اهتمامه بتاريخ المدن والرحلات والعلماء. من بينها كتاب “إيضاح البرهان والحجة في تفضيل ثغر طنجة” الذي خصصه للحديث عن مكانة مدينته، وكتاب “الرحلة الطنجوية الممزوجة بالمناسك المالكية”، إضافة إلى عمل آخر بعنوان “التعريف بالحضرة المراكشية وبمن وقفت عليه من الأولياء والعلماء الأجلة”.
ومع مرور الزمن، بدأت تظهر وثائق أخرى تكشف جانباً مختلفاً من حياته المهنية. فقد عثر الباحثون على مجموعة من المراسلات الرسمية الموجهة إليه، محفوظة في أرشيفات تاريخية، تكشف حجم الدور الذي كان يقوم به داخل الإدارة المخزنية. بلغ عدد هذه الرسائل تسعاً وعشرين مراسلة رسمية، تعود إلى فترة تمتد لعدة أشهر في ثمانينيات القرن التاسع عشر.
كانت هذه الرسائل صادرة عن شخصيات بارزة في الدولة، من بينها السلطان الحسن الأول نفسه، الذي كانت مراسلاته مختومة بطابعه الشريف، إضافة إلى الوزير محمد المفضل غريط، وكذلك الوزير المفوض الإسباني في المغرب. تعكس تلك الوثائق الثقة التي كان يحظى بها الغسّال، إذ كان يتولى أحياناً تدبير شؤون دار النيابة في طنجة في غياب النائب السلطاني، إلى جانب مهامه في الميناء.
تكشف تلك المراسلات أيضاً عن مرحلة تاريخية حساسة، خاصة بعد مؤتمر مدريد سنة 1880، حين توسعت الامتيازات القنصلية للأجانب في المغرب. ولذلك أصبحت الوثائق المرتبطة برجال الإدارة والدبلوماسية مصدراً مهماً لفهم طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية في تلك الفترة.
عاش محمد بن الحسن الغسّال سنوات طويلة بين العمل والكتابة والترحال. وفي نهاية حياته استقر في مدينة مراكش، حيث توفي وقد تجاوز الثمانين من عمره. ومع مرور الزمن، بقيت كتبه ورسائله شاهدة على رجل لم يكن مجرد موظف في زمنه، بل شاهداً على مرحلة كاملة من تاريخ المغرب، كتبها بقلمه وتركها للأجيال القادمة.