2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
مشاهير طنجة؛ سلسلة رمضانية تهدف إلى إبراز البعد الدولي والتاريخي لمدينة طنجة، وتعزيز الوعي بهويتها المتعددة الروافد، من خلال ربط القارئ بأسماء صنعت الحدث أو أثرت في مسارات ثقافية وسياسية فنية وأخرى تركت بصمتها بالمدينة من خلال عوالم المخدرات والجريمة، انطلقت من هذه المدينة أو مرت عبرها.
إليكم قصة اليوم:
في مطلع القرن العشرين، حين كانت طنجة مدينةً تتقاطع فيها المصالح الدولية وتتشابك فيها خيوط السياسة بالتجارة، ظهر رجل لم يكن مجرد تاجر أو إداري، بل صانع نفوذ وفاعل في رسم ملامح مرحلة كاملة. كان اسمه خوسيه خورّو أندريو، وُلد سنة 1885 في وهران، لكن جذوره تعود إلى بلدة كالبي في أليكانتي الإسبانية. منذ صغره، نشأ في بيئة تجمع بين العمل والطموح، فقد كان والده من رجال الأعمال الذين أسسوا مشاريع مهمة، من بينها مصنع للتبغ، ما جعل الابن يقترب مبكراً من عالم التجارة والمال.
لم يكن خوسيه خورّو شاباً عادياً. كان ذكياً، سريع التعلم، ويملك شخصية قوية جعلت من يلتقيه يدرك أنه أمام رجل مختلف. حين تعرّف عليه رجل الأعمال الشهير خوان مارش، رأى فيه ما لم يره في غيره: طاقة قيادية وقدرة على إدارة المشاريع بثقة. لذلك لم يتردد في تعيينه ممثلاً عاماً لأعماله في شمال إفريقيا. كانت تلك اللحظة بداية مسار طويل، قاد الشاب الطموح إلى المغرب، وتحديداً إلى طنجة، المدينة التي ستصبح لاحقاً جزءاً من هويته.

طنجة… المدينة التي صنعت الرجل وصنعها
وصل خوسيه إلى طنجة لأول مرة سنة 1907، وكانت آنذاك مدينة مختلفة عن أي مكان آخر. لم تكن مجرد ميناء، بل فضاء دولياً مفتوحاً، حيث تتعايش قوى أجنبية متعددة وتُصاغ القرارات الاقتصادية والسياسية في كواليسها. في هذا المناخ، بدأ يبني مسيرته، مستفيداً من دعم خوان مارش، ومن حسه التجاري الحاد.
على مدى عقدين، أسس وطور عدة شركات في شمال المغرب، من أبرزها شركة متخصصة في قطاع النفط، ما جعله يدخل عالم الطاقة الذي كان يشهد نمواً سريعاً آنذاك. لكن إنجازه الأكبر كان في قطاع التبغ، حيث نجح في إعادة توجيه عائدات احتكار التبغ في المنطقة الشمالية نحو الإدارة الإسبانية بدل الفرنسية، في خطوة كانت تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية في آن واحد. بفضل هذا النجاح، تولى إدارة هذا الاحتكار، ثم أصبح رئيساً له، وظل في هذا المنصب حتى سنة 1960.
لم يكن نشاطه مقتصراً على التبغ أو النفط، بل امتد إلى قطاع النقل البحري، الذي كان شريان الحياة لطنجة. في سنة 1931، أصبح مستشاراً ومندوباً في مضيق جبل طارق ضمن شركة النقل البحري الإسبانية الكبرى. ومن خلال هذا الدور، ساهم في تعزيز الربط البحري بين طنجة وشبه الجزيرة الإيبيرية، ما جعل المدينة أكثر انفتاحاً على أوروبا وسهّل حركة الأشخاص والبضائع.

وفي سنة 1942، أسس شركة دولية للتجارة والملاحة البحرية، جعل مقرها في طنجة، وفتح لها فروعاً في مدن مغربية أخرى. لم تمضِ سنوات قليلة حتى أصبحت هذه الشركة تمثل كبرى شركات الملاحة التي تربط المغرب بإسبانيا والبرتغال، ما عزز موقع طنجة كمركز تجاري حيوي.
لكن تأثير خورّو لم يكن اقتصادياً فقط. فقد كان حاضراً بقوة في الحياة العامة للمدينة. في سنة 1948، تم انتخابه رئيساً لغرفة التجارة الإسبانية في طنجة، حيث عمل على دعم النشاط الاقتصادي وتعزيز العلاقات التجارية. وفي الفترة نفسها، لعب دوراً سياسياً بارزاً داخل الجمعية التشريعية للمدينة الدولية، حيث شغل منصب نائب الرئيس لعدة سنوات.
داخل هذه المؤسسة، ساهم في اتخاذ قرارات مهمة أثرت في مستقبل طنجة، خاصة في فترة كانت المدينة تعيش أوج ازدهارها. كان يدافع عن مصالحها بحنكة، ويسعى إلى تحقيق توازن بين القوى المختلفة التي كانت تتقاسم النفوذ فيها. ومن بين مواقفه البارزة، دعمه لاستمرار العمل بالعملة الإسبانية داخل المدينة، في وقت كانت فيه الآراء منقسمة حول هذا الموضوع.

رغم انشغالاته الكثيرة، كان خورّو يعيش حياة اجتماعية نشيطة. أقام في منزل واسع بمنطقة مرتفعة تطل على طنجة، حيث كان يستقبل أصدقاءه وشخصيات بارزة من مختلف الجنسيات. عُرف بلباقته وحسن تعامله، ما جعله يحظى باحترام واسع داخل الأوساط الاجتماعية والاقتصادية.
ومع مرور السنوات، أصبح اسمه مرتبطاً بتاريخ طنجة الدولية. لم يكن مجرد رجل أعمال ناجح، بل شخصية ساهمت في تشكيل ملامح المدينة في واحدة من أهم مراحلها. وقد نال تقديراً من إسبانيا والمغرب على حد سواء، اعترافاً بدوره في تنمية المدينة وتعزيز مكانتها.
في سنة 1977، رحل خوسيه خورّو أندريو عن عمر ناهز 92 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً ثقيلاً من الإنجازات. لكن قصته لم تنتهِ برحيله، فقد بقي اسمه حاضراً في ذاكرة طنجة، كواحد من أولئك الرجال الذين لم يكتفوا بالعيش في المدينة، بل ساهموا في صنع تاريخها، وتركوا بصمتهم في تفاصيلها التي ما زالت تُروى حتى اليوم.