2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
نساء في الواجهة (ح29): زهور كرام.. حين يهاجر الأدب إلى العالم الرقمي
نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).
سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه والعلمي الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والحقة والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..
وسيكون موضوع حلقة اليوم، الكاتبة الأدبية والصحفية زهور كرام..
زهور كرام.. حين يهاجر الأدب إلى العالم الرقمي
تبرز زهور كرام كواحدة من أبرز الأصوات التي جمعت بين الإبداع الروائي والتفكير النقدي والانشغال الأكاديمي، في تجربة تعكس تحولات الثقافة العربية في زمن التكنولوجيا. وُلدت سنة 1961 بمدينة سطات، وشقت طريقها داخل الجامعة المغربية أستاذةً للتعليم العالي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، حيث أسهمت في تأطير أجيال من الباحثين، وأشرفت على مختبرات بحث تُعنى باللغة والإبداع والوسائط الجديدة.
بدأت كرام مسارها من بوابة الإبداع، فكانت الكتابة الشعرية أولى تجاربها منذ المرحلة الثانوية، قبل أن تتجه إلى السرد وتصدر روايتها الأولى “جسد ومدينة”، لتؤكد منذ البداية أن الكتابة لديها ليست مجرد ممارسة فنية، بل هي أسلوب في فهم العالم. لاحقا، اختارت التعمق في النقد الأدبي، لا باعتباره بديلا عن الإبداع، بل امتدادا له، إذ ترى أن النصوص لا تكتمل إلا بقراءة تنتج معرفة جديدة، وأن العلاقة بين الروائي والناقد ليست صراعية، بل تكاملية.
غير أن ما يميز مشروعها الفكري أكثر هو انشغالها المبكر بسؤال الأدب في العصر الرقمي، فقد انفتحت على التحولات التي أحدثتها التكنولوجيا في أنماط التعبير، واشتغلت على مفهوم الأدب الإلكتروني العربي تنظيرا وممارسة، معتبرة أن هذا الشكل الجديد لا يمثل مجرد تطور تقني، بل تحولا عميقا يمس بنية الأدب نفسها، شبيها بما أحدثته المطبعة في تاريخ الكتابة.
بالنسبة لزهور كرام، يفرض الأدب الرقمي ميثاقا ثقافيا جديدا، ويستدعي وعيا مختلفا لدى الكاتب والقارئ على حد سواء، حيث لم يعد السؤال من يكتب، بل كيف نكتب في زمن مفتوح على الوسائط.
وفي قراءتها للمشهد النقدي العربي، تسجل كرام نوعا من الاختلال، إذ ترى أن النقد لم يعد يواكب الزخم الإبداعي، خاصة مع تضخم الإنتاج الروائي وتوجه الجوائز نحو دعم السرد أكثر من الدراسات النقدية. ومع ذلك، تؤكد أن دور الناقد يظل مركزيا، لأنه القادر على الإنصات للنصوص العميقة واستخلاص دلالاتها، بما يساهم في تطوير المعرفة الأدبية.
كما تقدم قراءة خاصة للمشهد الثقافي المغربي، تربط فيها تميزه بتعدد روافده الثقافية وانفتاحه على النظريات الغربية، خاصة الفرنسية، إلى جانب ارتباط النقد بالمؤسسة الجامعية، وهو ما أتاح نوعا من الحرية في استيعاب المناهج وتطويعها.
وفي مواقفها الفكرية، ترفض زهور كرام تصنيف الأدب إلى نسوي وذكوري، معتبرة أن الكتابة قيمة إنسانية تتجاوز حدود الجنس، كما ترى أن التكنولوجيا، رغم ما وفرته من ديمقراطية في التعبير، تطرح تحديات جديدة تتعلق بجودة هذا التعبير ومعناه.
هكذا، تواصل زهور كرام بناء مشروعها عند تقاطع الإبداع والنقد والتكنولوجيا، في محاولة لفهم الأدب لا بوصفه شكلا ثابتا، بل ككائن حي يتغير باستمرار، ويعيد طرح أسئلته مع كل تحول في العالم.