2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
عبد العلي اشرنان*
مقدمة
يشتد النقاش قانونياً وإعلامياً حول مشروع قانون المحاماة، وهو نقاش صحي ومحمود وتدافع يجد أساسه في سُنة التداول وتطور المجتمعات البشرية. ويُطرح السؤال مجدداً حول دور المؤسسة التشريعية في تعديل وتنقيح وإضافة مواد لمشاريع القوانين المقترحة؛ لهذا يمكن القول إن حق التعديل البرلماني يعدّ أهم مظاهر الوظيفة التشريعية، إذ لا يقتصر دور البرلمان على التصويت بالموافقة أو الرفض على مشاريع القوانين المحالة عليه من الحكومة، بل يمتد إلى اقتراح تعديلات وإدخال تغييرات على النصوص التشريعية بما ينسجم مع المصلحة العامة ومتطلبات التطور المجتمعي. ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة في المغرب في ظل الجدل الذي يثار أحياناً حول مدى أحقية مجلس المستشارين في إدخال تعديلات جوهرية على مشاريع القوانين، خصوصاً عندما تكون تلك التعديلات محل خلاف بين الفاعلين المهنيين أو السياسيين.
وتثير هذه الإشكالية السؤال الآتي عند أغلب المتتبعين، خاصة بعد تعديل المادة 13 التي منحت كتابَ الضبط حق الولوج المشروط لمهنة المحاماة، وهي: إلى أي حد يملك مجلس المستشارين سلطة دستورية في تعديل مشاريع القوانين؟ وما هي الحدود القانونية التي تؤطر هذه السلطة؟
سنتناول هذا الإشكال وفق مبحثين:
المبحث الأول: الأساس الدستوري لحق مجلس المستشارين في تعديل مشاريع القوانين
حين نتحدث عن الأساس الدستوري لحق مجلس المستشارين في تعديل مشاريع القوانين وتنقيحها، وإدخال تعديلات جوهرية على النصوص القانونية وتجويدها، فإننا نقصد مجموعة من الفصول التي تعدّ سنداً قوياً تتفرع منه مجموعة من المهام والاختصاصات.
المطلب الأول: حق التعديل البرلماني في الفصلين 83 و84 من دستور المملكة المغربية
لقد أقر دستور المملكة المغربية لسنة 2011 حق التعديل البرلماني بشكل صريح، إذ نص الفصل 83 من الدستور على أن: «لأعضاء مجلسيّ البرلمان وللحكومة حق التعديل…»
ويستفاد من هذا النص أن المشرع الدستوري لم يميز بين مجلس النواب ومجلس المستشارين، بل منح أعضاء المجلسين على قدم المساواة حق اقتراح التعديلات على النصوص التشريعية. ويعد هذا الحق من الحقوق الدستورية الأصيلة التي تدخل في صميم الوظيفة التشريعية للبرلمان، وبالتالي فإن مجلس المستشارين مارس دوره الدستوري واختصاصه القانوني في التعديل.
كما نص الفصل 84 من الدستور على أن:
«يتداول مجلسا البرلمان بالتتابع في كل مشروع أو مقترح قانون بغية التوصل إلى المصادقة على نص واحد… ويتداول كل مجلس في النص الذي صوت عليه المجلس الآخر في الصيغة التي أحيل بها إليه.»
ومفهوم “التداول” الوارد في الفصل 84 لا ينصرف إلى مجرد المناقشة الشكلية، بل يشمل سلطة تعديل النصوص وإدخال إضافات أو حذف بعض المقتضيات، وإلا أصبح دور مجلس المستشارين شكلياً ومجرد غرفة للتصديق والتصويت، وهو ما يتعارض مع فلسفة الثنائية البرلمانية التي كرسها دستور 2011.
المطلب الثاني: تكريس النظام الداخلي لمجلس المستشارين لحق التعديل
أكد النظام الداخلي لمجلس المستشارين المقتضيات الدستورية المتعلقة بحق التعديل، إذ نظم مسطرة تقديم التعديلات ودراستها داخل اللجان الدائمة والجلسات العامة في الباب الثاني (مشاريع ومقترحات القوانين)، في الفرع الأول (الإيداع والإحالة) في المادة 191 التي تنص على ما يلي:
“تودع لدى مكتب مجلس المستشارين وفقاً لأحكام الفصلين الثامن والسبعين (78) والثمانين (80) من الدستور، مشاريع القوانين المقدمة بالأسبقية من لدن الحكومة أو مشاريع القوانين المحالة عليه من مجلس النواب، قصد التداول والتصويت عليها.
مقترحات القوانين المقدمة من لدن أعضاء مجلس المستشارين أو المحالة من مجلس النواب، قصد التداول والتصويت عليها…”
كما نص على أن مجلس المستشارين يتداول في النصوص المحالة إليه من مجلس النواب، وله أن يقترح تعديلات عليها، وإذا عدل النص فإنه يحال مجدداً إلى مجلس النواب وفق المسطرة التشريعية المنصوص عليها دستورياً.
وعليه، فإن تعديل مجلس المستشارين لمشروع قانون معين لا يشكل خروجاً عن اختصاصاته، وإنما يمثل ممارسة طبيعية لسلطته التشريعية.
المبحث الثاني: محددات سلطة مجلس المستشارين في التعديل
رغم وجود هذا الحق الدستوري لمجلس المستشارين، فإن هذا الحق مؤطر ببعض القيود التي سنذكر بعضاً منها في المطلب الأول.
المطلب الأول: قيود التعديلات المقترحة في مجلس المستشارين
ومن هذه القيود التي نذكرها بإيجاز:
احترام قواعد المسطرة التشريعية والآجال المحددة لتقديم التعديلات.
عدم مخالفة المبادئ الدستورية، كالمساواة والأمن القانوني والحقوق والحريات الأساسية.
ومن ثم، فإن الطعن في تعديل معين لا يمكن أن يستند فقط إلى كونه صادراً عن مجلس المستشارين، بل يجب أن يثبت وجود مخالفة دستورية أو مسطرية.
المطلب الثاني: أثر التعديل الذي يجريه مجلس المستشارين
إذا قام مجلس المستشارين بإدخال تعديلات على مشروع قانون، فإن هذه التعديلات لا تصبح نهائية بمجرد التصويت عليها داخل المجلس، وإنما تحال على مجلس النواب في إطار قراءة ثانية، ويملك مجلس النواب في هذه المرحلة:
قبول التعديلات؛
أو اعتماد صيغة أخرى توافقية.
وهنا وجب الإشارة إلى ضرورة مواصلة التعبئة والتواصل والترافع من أجل تجويد المادة 13 من مشروع قانون المحاماة لفائدة كتابة الضبط، وهو مكسب هام ومستحق نهنئ عليه أسرة كتابة الضبط.
خاتمة
يتضح من خلال المقتضيات الدستورية والنظامية أن مجلس المستشارين يتمتع بحق أصيل في تعديل مشاريع القوانين، وأن هذا الحق يستند أساساً إلى الفصلين 83 و84 من دستور 2011. كما أن التعديلات التي يصادق عليها المجلس تعد صحيحة ومنتجة لآثارها القانونية إلى حين حسم مجلس النواب فيها في إطار القراءة الثانية.
*باحث في تطوير الإدارة القضائية
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها