2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
تشهد محاكم المملكة المغربية شللاً تاماً وغير مسبوق، إثر دخول أصحاب البذلة السوداء في إضراب شامل ومفتوح عن أداء كافة الخدمات المهنية وتقديم الدعم القضائي، احتجاجاً على مسودة مشروع قانون المهنة رقم 66.23.
وفي الوقت الذي تحولت فيه ردهات المحاكم إلى فضاءات مهجورة إلا من اعتصامات مفتوحة أمام البرلمان بالرباط، يطرح هذا التصعيد المفتوح تساؤلات حارقة حول الكلفة الإنسانية والحقوقية لخطوة جمدت كل شيء، باستثناء الطعون المرتبطة بالآجال القانونية التي اشترطت الهيئات الحصول على إذن مسبق لتسجيلها.
غير أن العمق المقلق في هذا المشهد لا يرتبط بالملفات التجارية أو المدنية، بل يتجاوزه ليطال حريات الناس ومصائر مئات المتابعين في حالة اعتقال احتياطي، والذين تحولوا، دون ذنب، إلى الضحية الأول لمعركة كسر العظام بين المحامين ووزارة العدل.
من الناحية المبدئية، يظل الإضراب حقاً مشروعاً وورقة ضغط قانونية تلجأ إليها مختلف القطاعات للتعبير عن مطالبها، وهو أمر مكفول ومفهوم في الممارسة الديمقراطية. لكن المقارنة تفرض نفسها هنا مع قطاعات حيوية أخرى كالأطباء، الذين مهما بلغت درجة احتجاجهم، يستثنون دائماً أقسام المستعجلات والعمليات الجراحية الطارئة لكونها ترتبط مباشرة بحياة الإنسان. وفي المقابل، نجد أن إضراب المحامين لم يضع خطوطاً حمراء تحمي “مستعجلات العدالة”، حيث شمل التوقف قضايا يتابع أصحابها وهم خلف القضبان.
إن غياب الدفاع يؤدي تلقائياً إلى تأجيل المحاكمات وتمديد فترة الاعتقال الاحتياطي، لكون المحاكمة العادلة لا تستقيم قانوناً ودستوراً دون حضور المحامي، خاصة في ظل تشبث المتابعين بمؤازرة دفاعهم. هذا الوضع يحول الإضراب من وسيلة ضغط مشروع إلى “نقمة” حقيقية تسلب أناساً حريتهم، وكان من الممكن أن يعانق بعضهم الدفء العائلي اليوم إما بحكم براءة أو بقرار متابعة في حالة سراح.
هذا التناقض يضع المصلحة المتضررة في كفة راجحة بكثير من حيث الفداحة مقارنة بالمصلحة المستهدفة من الإضراب؛ فالحرية هي الأصل، والمساس بها خارج ضوابط الزمن القضائي المعقول يعد هضماً للحقوق الأساسية. ورغم دفع المحامين بأن الجهات الحكومية هي المسؤول الأول والأخير عن هذا الانسداد لرفضها تعديل مشروع القانون بما يتوافق مع مطالبهم، فإن هذا المبرر لا يمكن أن يشرعن ترك المواطنين يواجهون مصيرهم في السجون.
كان حرياً بالهيئات المهنية توجيه الإضراب نحو القضايا المدنية والتجارية والإدارية، مع إقرار استثناء صريح وصارم لقضايا الاعتقال والمساعدة القضائية. إن توقف خدمات المساعدة القضائية يحرم شريحة واسعة من مغاربة الفئات الهشة، ممن لا يملكون القدرة المالية لتنصيب محامٍ، من حقهم في الدفاع، مما يضاعف خطر سلب حريتهم بسبب غياب ثغرة أو إجراء قانوني بسيط كان يمكن للمحامي أن يقوم به في الوقت المناسب.
وعلى الصعيد المهني الداخلي، كشف هذا الإضراب عن ضغوطات لافتة يواجهها المحامون أنفسهم؛ إذ تلجأ بعض الفعاليات إلى آلية التشهير عبر نشر أسماء أو صور زملائهم المخالفين لقرار المقاطعة في مجموعات خاصة، وهو ما يُعرف في الأوساط المهنية بـ “طلعوه فالعمارية”. هذه الرقابة الصارمة دفعت بعض المحامين إلى سلوك طرق ملتوية، مثل تسجيل المقالات عبر التطبيقات الإلكترونية خفية لتجنب “العمارية” وضمان استمرار ملفاتهم دون إثارة غضب زملائهم.
وتضع هذه الممارسات، إلى جانب قرار التوقف نفسه، المحامي أمام مسؤولية مدنية وعقدية جسيمة اتجاه موكليه. فالإخلال بنصوص العقد المبرم بين المحامي والموكل، والذي يعد “شريعة المتعاقدين”، بسبب عدم الحضور أو عدم تتبع القضية، يقع في خانة الخطأ الإرادي والتقصير، وليس نتيجة قوة قاهرة أو حادث فجائي، مما قد يعرض المحامي للمساءلة القانونية والتعويض عن الضرر.
من المؤكد أن الحق في الاحتجاج والإضراب مكفولاً كأداة لتقويم التشريعات وضمان كرامة المهنة، لكن هذا الحق ينتهي عندما يبدأ في قضم حريات الآخرين وتحويل الاعتقال الاحتياطي إلى عقوبة قسرية ممددة.
إن المصلحة الفضلى للعدالة تقتضي فصلاً تاماً بين المعارك السياسية والتشريعية وبين مصائر البشر؛ فمن حق المحامين أن يضربوا دفاعاً عن مصالحهم المهنية، لكن ليس من حقهم إطلاقاً أن يكونوا سبباً، ولو بشكل غير مباشر، في استمرار سلب حرية أفراد كان من الممكن أن يكونوا اليوم أحراراً طلقاء.
كل القضايا مصيرية بالنسبة لأصحابها و التقاضي حق مكفول دستوريا تماما كما هو الأمر بالنسبة لمصير مهنة بكاملها التي تقتضي التنظيم و الترافع و الإشتغال في اجواء من الإستقلالية و المسؤولية المهنية و الرقابة الذاتية طبقا لما هو منصوص في القانون ،حتى تكون هذه المهنة العالمية الإنسانية المساعدة للقضاء و المكملة له في مستوى تطلعات و انتظارات المتقاضين بعيدة عن أية مؤثرات او محددات أو حواجز أو إعاقات مادية او معنوية ،ومرة اخرة خارج إطار ما تقتضيه القوانين المنظمة لها، من شأنها ضرب كل المكتسبات الدستورية و الحقوقية و المؤسساتية التي سارت عليها بلادنا، إذا كفى استخفافا بهذه المهنة و تنكيلا بممارسيها