2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
أدانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عبر مكتبها الجهوي لجهة مراكش آسفي، بشدة ما أسمته الاختلالات البنيوية والخروقات التدبيرية والمالية التي تطبع تنزيل مشروع “مؤسسات الريادة”، مسجلة بقلق بالغ استمرار تبديد الموارد العمومية والمساس بالحق في تعليم عمومي جيد ومنصف ومجاني، إلى جانب انتهاك حقوق الشغيلة التعليمية في ظروف عمل وتكوين تحفظ الكرامة والصحة والسلامة.
وأوضحت الجمعية، في بيان أصدرته عقب تتبع ميداني وحقوقي للمشروع، أن ضخ الاعتمادات المالية الضخمة والقروض الدولية – وفي مقدمتها قرض البنك الدولي البالغ 750 مليون دولار والميزانية المخصصة للقطاع برسم سنتي 2025-2026 والتي بلغت نحو 117 مليار درهم (منها 20 مليار درهم للاستثمار) – لا يوازيه أي أثر ملموس على تحسين شروط التمدرس وجودة التعلمات، مؤكدة أن جوهر الأزمة يكمن في سوء تدبير الموارد، وغياب الشفافية والمساءلة، واستمرار منطق الارتجال والتجريب.
وأشارت البيان الذي توصلت “آشكاين” بنظير منه، إلى وجود فجوة صارخة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش داخل المؤسسات التعليمية، مستندة إلى تقارير مؤسسات الرقابة العمومية كالمجلس الأعلى للحسابات، التي رصدت عدم تجاوز نسبة تنفيذ صفقات البنيات والتجهيزات 60% من الأهداف المعلنة، فضلاً عن تسجيل اختلالات في التجهيز الرقمي والتغذية المدرسية. كما أثارت الجمعية تساؤلات حول مشروعية تخصيص 3.5 مليار درهم لفائدة مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين وتوجيه جزء من اعتماداتها نحو برامج وصفقات مرتبطة بالوزارة، مما يعد مساً بحقوق الفئات المستهدفة في السكن والصحة والدعم الاجتماعي.
وعلى المستوى الميداني في أقاليم الجهة (مراكش، الرحامنة، قلعة السراغنة، شيشاوة، آسفي، واليوسفية)، رصدت الجمعية استمرار الهدر المدرسي بمعدلات مقلقة بلغت 5.3% في الابتدائي و12% في الإعدادي، وتجاوز نسب التكرار 15%، إلى جانب استمرار أزمة التعلمات حيث يعجز 60% من الأطفال في سن العاشرة عن قراءة وفهم نص بسيط. كما انتقدت بشدة تنظيم التكوينات الخاصة بمشروع الريادة، مشيرة إلى اضطرار الأساتذة للتنقل لمسافات تتجاوز 80 كيلومتراً في إقليم الرحامنة و34 كيلومتراً في مراكش نحو مؤسسات خصوصية وفضاءات غير ملائمة ومكتظة، في ظل موجات حرارة مرتفعة ودون مراعاة لنتائج الحركات الانتقالية.
وفي سياق متصل، استنكرت الجمعية ما وصفته بـ”العبث والارتباك” الذي طبع التدبير الإداري من خلال فرض تكليفات متعددة ومتزامنة على الأطر التربوية والإدارية خلال فترة زمنية ضيقة (الحراسة، الحضور بمراكز التكوين، والتصحيح)، مما نتج عنه “إنهاك مهني غير مبرر”، فضلاً عن “الفوضى التنظيمية” خلال الامتحانات الجهوية للثالثة إعدادي لعدم التمييز بين تلاميذ مشروع الريادة وتلاميذ المسار الدولي. كما كشفت عن “اختلالات فادحة” تمثلت في إدراج مؤسسات تفتقر للحد الأدنى من الشروط التربوية، حيث جرى الاكتفاء بصباغة قاعات من البناء المفكك المتهالك، واعتماد مؤسسات تفتقر لمرافق صحية لائقة أو للربط بالماء والكهرباء والإنترنت، إلى جانب إجبار تلاميذ وأطر على البقاء لساعات متأخرة يوم الأحد بدعوى “الدعم الممتد” في غياب شروط السلامة والراحة.
واعتبرت الهيئة الحقوقية أن هذه الممارسات تتعارض بشكل صريح مع الفصل 31 من الدستور المغربي، والوزارات والالتزامات الدولية للمغرب كالمادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومقتضيات القانون الإطار رقم 51.17، فضلاً عن مخالفتها للقواعد المؤطرة للصفقات العمومية التي تفرض النزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وطالب أصحاب البيان بفتح تحقيق إداري ومالي مستقل وشفاف في مختلف صفقات مشروع الريادة وترتيب المسؤوليات، ووقف تعدد التكليفات التعسفية، وتأهيل البنيات التحتية فعلياً عبر القضاء على البناء المفكك وتوفير الربط الرقمي والمائي والكهربائي، مؤكدة رفضها لإخضاع السياسات التعليمية لإملاءات المانحين الدوليين ومنطق السوق الذي يفرغ المدرسة العمومية من وظيفتها التنويرية، معلنة استعدادها لخوض كافة الأشكال النضالية المشروعة دفاعاً عن حماية المال العام والحق في تعليم عمومي ديمقراطي ومنصف.