2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
خلص تقرير حديث صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى أن ورش الحماية الاجتماعية الذي تشرف على تنزيله الحكومة المغربية حقق تقدما مهما على مستوى توسيع قاعدة المستفيدين وإرساء الإصلاحات القانونية والمؤسساتية، غير أنه ما يزال يواجه “اختلالات بنيوية” تحد من بلوغ أهدافه، خصوصا على مستوى الاستفادة الفعلية من الخدمات الصحية واستكمال باقي مكونات المشروع.
وسجل التقرير، المعنون بـ”هل نجح المغرب في تعميم الحماية الاجتماعية؟”، أن عدد المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض ارتفع من 8.6 ملايين شخص سنة 2022 إلى حوالي 32.4 مليون شخص مع نهاية سنة 2025، لترتفع نسبة التغطية الصحية إلى نحو 88 في المائة، كما تم توسيع برنامج الدعم الاجتماعي المباشر ليشمل قرابة أربعة ملايين أسرة، إضافة إلى إحداث السجل الاجتماعي الموحد وتعبئة موارد مالية مهمة لتمويل الورش.
واعتبر معدو التقرير أن “هذه الحصيلة الإيجابية لا تعني نجاح مشروع التعميم بشكل كامل”، مؤكدين أنها “تظل بعيدة عن تنفيذ أجندة القانون الإطار رقم 09.21″، وأن نسبة التغطية “تظل أقل من 90 في المائة”، رغم انتهاء الأجل الذي حدده القانون الإطار لإنجاز مختلف مكونات الورش.
ورصد التقرير أن أبرز مظاهر التعثر تتمثل في استمرار الفجوة بين “التعميم الإسمي” و”التعميم الفعلي”، إذ إن ملايين المسجلين لا يستفيدون عمليا من خدمات التأمين الصحي بسبب ما يعرف بـ”الحقوق المغلقة”، الناتجة عن عدم أداء الاشتراكات أو عدم استيفاء شروط الاستفادة، وهو ما يجعل الأرقام الرسمية للمسجلين لا تعكس بالضرورة حجم المستفيدين الفعليين من العلاج.
وأشار المعهد المغربي لتحليل السياسات إلى أن نحو 3.5 ملايين شخص يوجدون في وضعية “الحقوق المغلقة”، بينهم نسب مرتفعة من المنخرطين في نظامي “أمو الشامل” و”أمو غير الأجراء”، معتبرا أن هذا الوضع “ليس مجرد مسألة تقنية، بل تعبير عن هندسة سياسية لم تراع الشروط السوسيولوجية لتعميم الحماية الاجتماعية”، وأن المطلوب هو تحقيق “تغطية صحية فعلية” بدل الاكتفاء بـ”تغطية صحية إسمية”.
وانتقد التقرير “معايير الاستهداف المعتمدة”، معتبرا أنها أخرجت فئات هشة من نظام التضامن وأدخلتها في نظام المساهمة رغم ضعف قدرتها على أداء الاشتراكات، كما سجل وجود فئات لا تزال خارج منظومة التغطية الصحية، من بينها نساء عاملات في القطاع غير المهيكل، ومطلقات وأرامل، إضافة إلى نحو 8.5 ملايين شخص غير مشمولين بالتغطية الصحية الإجبارية رغم انتمائهم إلى أسر هشة.
وتوقف التقرير عند الاختلالات المرتبطة بالعرض الصحي، مبرزا أن توسيع قاعدة المستفيدين لم يواكبه تطوير كاف للبنيات الصحية والموارد البشرية، إذ لا يتجاوز معدل الكثافة الطبية ثمانية أطباء لكل عشرة آلاف نسمة، مقابل 17 طبيبا كمتوسط عالمي، فضلا عن ضعف الطاقة الاستيعابية للمستشفيات واستمرار الفوارق المجالية بين الجهات، خاصة في العالم القروي.
وسجل التقرير أن مكونات أساسية من ورش الحماية الاجتماعية لم تر النور بعد، رغم أن القانون الإطار حدد سنة 2025 موعدا لاستكمالها، وفي مقدمتها تعميم أنظمة التقاعد لفائدة غير الأجراء ونظام التعويض عن فقدان الشغل، اللذان ما يزالان في مرحلة الإعداد والدراسات التقنية.
ورغم هذه الملاحظات، أبرز التقرير عددا من المكاسب التي حققها الورش، من بينها الرفع غير المسبوق لميزانية الصحة والحماية الاجتماعية، وإطلاق السجل الاجتماعي الموحد، وتحسين استهداف المستفيدين، وتطوير التمويل التضامني، إضافة إلى رقمنة قواعد البيانات الاجتماعية بما يعزز الشفافية ويحد من الازدواجية والاستفادة غير المستحقة.
ودعا المعهد إلى مراجعة معايير الاستهداف الاجتماعي بما يضمن عدالة أكبر للفئات الهشة، وإعادة النظر في قيمة الاشتراكات المفروضة على ذوي الدخل المحدود، وتسريع تنزيل أنظمة التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل، مع الاستثمار بشكل أكبر في البنية الصحية والموارد البشرية وتقليص الفوارق المجالية، حتى يتحول ورش الحماية الاجتماعية من تعميم على الورق إلى تعميم فعلي يضمن الحق في الولوج إلى الخدمات لجميع المواطنين.
التعليقات مغلقة.