لماذا وإلى أين ؟

حرب لا عقلانية تُدار بعقلانية

محمد الشاطئ

لا عقلانية في الحرب، ولكن إدارتها يمكن أن تكون عقلانية؛ هذا هو عنوان الوضع في الحرب الأمريكية الإيرانية التي تتدحرج بين مطرقة السياسة وسندان الاقتصاد، حيث انتقلت إلى مرحلة جديدة في 28 فبراير 2026 بأحداث مروعة ومتتالية وسريعة، أبرزها يتمثل بداية  في هجمات  أمريكية – اسرائيلية على مواقع عسكرية إيرانية ، أدت إلى تدميرها، ثم اغتيال شخصيات قيادية على رأسها علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبعدها مباشرة جاء الرد الإيراني القوي باستهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج ومنشآت حيوية داخل إسرائيل، وبالتوازي مع ذلك إقفال مضيق هرمز وزرع الألغام وتعطيل شريان الملاحة، وصولاً إلى هدنة 8 أبريل 2026 بوساطة باكستانية، وأخيراً الحصار الأمريكي البحري الشامل للسواحل الإيرانية والمستمر حتى اليوم.

الوضع الراهن: تريّث حذر

حالياً، وعلى الرغم من حرب التصريحات والحرب الإعلامية المتبادلة والحصار المحكم على الموانئ الإيرانية، يتسم الوضع “بالتريث”، وهذا راجع لعدة عوامل أهمها: الخسائر البشرية المحتملة، والتكلفة الاقتصادية للحرب على اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي قاطبة، خاصة في ظل أزمة مضيق هرمز الذي تمر من خلاله خمس تجارة النفط العالمي (20% من إجمالي استهلاك النفط العالمي)، وأيضاً الغاز الطبيعي عبر أكبر مصدريه: دولة قطر.

معادلة ترامب: الهيبة أم الاقتصاد؟

في ضوء ما سبق، وعكس ما كان يخطط له وتحقق له في الهجوم العسكري على فنزويلا والانتصار في أيام معدودات وبدون تعقيدات… يجد الرئيس ترامب نفسه داخل ملف شائك ومعادلة معقدة، بين خيارين أحلاهما مر: الهيبة السياسية أو التكلفة الاقتصادية.

فتراجع ترامب وتقديم تنازلات في المفاوضات مع إيران يعني نوعاً من الهزيمة له —ولو حاول تلميع صورته وإنجازاته إعلامياً وأعلن الانتصار— وذلك في ضوء عدم تحقيق الهدف الأول من هذه الحرب، والذي يتضمن تفكيك مفاعلات إيران النووية وحرمانها من تخصيب اليورانيوم، وهذا ما يضر بسمعة الولايات المتحدة الأمريكية وصورتها كأقوى دولة في العالم تلعب دوراً مؤثراً، وله شخصياً من الناحية السياسية.

أما التقدم نحو حرب كلية، فسيؤدي إلى تكلفة كبيرة على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، مما سيجعل الرئيس ترامب في مرمى النقد وتحت ضغوطات الداخل الأمريكي مؤسساتياً وشعبياً، وهو رجل الأعمال المعروف الذي وعد برفاهية الشعب الأمريكي، وذلك بالتركيز على تقوية الشركات والصناعة والمنتجات المحلية والاعتماد على العمال الأمريكيين، والتي يعبّر عنها بشعارات مشهورة أكسبته شعبية كبيرة، على غرار:

“لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”

“اشترِ المنتج الأمريكي ووظِّف الأمريكيين”

بالنسبة للخارج الأمريكي، فهناك تباين في الآراء؛ بل حتى حلفائه التقليديين في أوروبا (أمثال بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) يرفضون المساهمة في هذه الحرب ويلتزمون الحياد، مفضلين الحلول الدبلوماسية والتهدئة، نظراً لتبعات هذه الحرب عليهم اقتصادياً وعلى القدرة المعيشية لشعوبهم.

إيران: نظام عقائدي في سباق النفوذ

في المقابل، تقف الدولة الإيرانية ذات النظام العقائدي، والتي من أهم مبادئها الاستقلالية عن الشرق والغرب معاً، والاعتماد على اقتصادها المحلي، وتطوير وتقوية ترسانتها العسكرية باستمرار، والتأثير على إقليمها عن طريق وكلائها في الدول المجاورة (أمثال حزب الله والحوثيين) ضد النفوذ الإسرائيلي والخليجي والأجنبي في المنطقة. فهي عكس دول جوارها في الخليج العربي، التي فضلت رفاهية شعوبها اقتصادياً وتجنب الصراعات والصدامات الإقليمية، وذلك من خلال الانفتاح على الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية عبر عقد شراكات واتفاقات سياسية واقتصادية وعسكرية تحمي مصالحهما معاً، ومن بينها تطبيع علني أو تحت الطاولة مع حليفها الأول إسرائيل.

فإيران ترفض أن تكون إسرائيل، أو أي دولة أخرى، القوة الوحيدة والمؤثرة والمسيطرة في المنطقة، وتتسابق على النفوذ والتأثير السياسي والعسكري مع التمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم والبرنامج النووي السلمي —حسب تعبيرها— وتعتبره حقاً سيادياً وقانونياً، مما يعرضها للعقوبات والحصار الاقتصادي بتوجيه أمريكي، مخافة وتوجساً من أن تسعى إلى صناعة قنبلة نووية في المستقبل تهدد شريك أمريكا الأول إسرائيل، وتمنحها قوة ودوراً فاعلاً في الشرق الأوسط والعالم.

إطار تحليلي: أهداف كل لاعب

من خلال تحليل المعطيات السابقة، لا يمكن التنبؤ بما سيؤول إليه هذا الصراع في المستقبل، ولا يوجد حل يمكن أن يرضي كل الأطراف لتباين الأهداف وتقاطع وتصادم المصالح؛ ولكن يمكنني تأطير هذه القضية الشائكة والمتشعبة عن طريق مقاصد وغايات كل جهة، والبناء عليها لاستخلاص سيناريوهات محتملة.

وأعرض آتياً على القارئ الأهداف الرئيسية والحقيقية لكل لاعب في هذه الحرب عبر تحليل براغماتي وواقعي:

الولايات المتحدة الأمريكية: تُصوِّر نفسها كدولة تدافع عن الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان في العالم باعتبارها القدوة والنموذج المثالي، وتسعى إلى بسط نفوذها وتأثيرها السياسي والاقتصادي والعسكري والفكري بصفتها أقوى دولة في العالم (أو كما يسميها البعض “شرطي العالم”). لكن تظهر عليها ازدواجية المعايير في بعض الملفات، خاصة فيما يخص مصالحها السياسية والاقتصادية، وذلك بالانحياز إلى حلفائها، ومن بينهم إسرائيل التي تهدف في الخفاء والعلن إلى حمايتها وتقويتها وجعلها القوة النافذة والمسيطرة في منطقة الشرق الأوسط، قصد التأثير والنفوذ في هذه المنطقة الاستراتيجية سياسياً والمؤثرة اقتصادياً، والتي تعد من أهم منابع النفط والغاز الطبيعي في العالم.

إيران: ترى نفسها قوة إقليمية تاريخية، وحسب منظورها تستحق أن تكون لاعباً رئيسياً في المنطقة، بحكم تأثيرها الديني عبر المذهب الشيعي وحلفائها ووكلائها (على غرار حزب الله والحوثيين)، إضافة إلى موقعها الجغرافي وتعدادها السكاني وإمكاناتها الاقتصادية من خلال مواردها الطبيعية، مما يجعل فرصها في الرخاء والرفاهية الاقتصادية كبيرة إن رُفعت عنها العقوبات، وكذا إمكانات التصنيع العسكري والتسلح (كما هو الحال في إسرائيل وتركيا وكوريا الجنوبية مثلاً)، كما أنها تملك طموحات نووية كبيرة رغم الرفض الدولي الصارم.

المجتمع الدولي والدول الكبرى: تبرز أهدافهم (من الاتحاد الأوروبي إلى الصين) في إيجاد حل عاجل أولاً لفتح مضيق هرمز، وإنقاذ العالم من أزمة اقتصادية وتضخم عالمي لسنوات قادمة؛ فقد قفز نفط برنت من 72$ إلى ما فوق 126$ للبرميل، بينما ارتفعت أسعار الغاز الأوروبي والآسيوي بنسبة وصلت ل 65%، إثر غياب 20% من إمدادات النفط و25% من شحنات الغاز المسال العالمي، بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA) وتقارير رويترز (Reuters). وأيضاً، هناك توجس وحذر من سيناريو مشابه لسوريا والعراق وأفغانستان إن تم اجتياح إيران وتدمير مقومات الدولة، خاصة من حيث تشكّل جماعات مسلحة وتجدد أزمة اللاجئين.

السيناريوهات المحتملة

بعد أن عرضت الأهداف الرئيسية لكل لاعب فاعل في هذا الصراع بتحليل واقعي، تبيَّن لدينا بوضوح تضارب الأفكار والمصالح؛ لذلك لا يمكننا الجزم إن كان الحل سيكون دبلوماسياً أو عسكرياً، ولكن تطفو سيناريوهات محتملة على السطح، من بينها:

  1. سيناريو الشرعية الدولية

سيناريو مبني على الشرعية الدولية، يتجسد في تشكيل قوة دولية عسكرية مشتركة لتأمين مضيق هرمز تحت لواء الأمم المتحدة، ثم إدراج المفاوضات حول الملف النووي الإيراني في إطار مؤسسي عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA).

  • سيناريو المصالح الاقتصادية

سيناريو يبدو واقعياً وتنادي به العديد من الأصوات من الجانبين الأمريكي والدولي، يتجلى في تغليب المصالح الاقتصادية على الصدامات السياسية والعسكرية، وصياغة اتفاق —على سبيل المثال لا الحصر— يمنع إيران من تخصيب اليورانيوم لمدة 20 سنة مقابل رفع الحصار والعقوبات الاقتصادية.

  • السيناريو العسكري الشامل

وليس مستبعداً أن نشهد سيناريو عسكرياً مفاجئاً بقرار أحادي من الرئيس ترامب، حيث  يتم اجتياح كامل لإيران عن طريق قوات برية من قبل الولايات المتحدة، نتيجة فشل الوساطات وانسداد سبل التفاوض حول الملف النووي الإيراني وأزمة مضيق هرمز.

 السيناريو الإنساني العادل — من منظور شخصي

أما السيناريو الإنساني العادل  والأخلاقي  لحل هذه الأزمة و كل أزمات الشرق الأوسط  المستنزفة للعالم اقتصادياً وأمنياً، فيتوزع على شقين:

أولاً: العمل على حلول مستدامة وشاملة لكل مشاكل الشرق الأوسط، دون إغفال لقضايا فلسطين ولبنان وسوريا نظراً لتداخلها وتشابكها مع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وذلك عبر الضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران وجميع الأطراف، وحثّها على عقد مؤتمر للسلام والعودة إلى طاولة المفاوضات بميزان الحق والقانون الدولي، وبتوفر الرغبة والنية في حلول دائمة وعادلة، وبمشاركة وسطاء وقوى موثوقة ووازنة عالمياً على غرار الصين وروسيا وفرنسا…

ثانياً: تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص؛ أي إن ما ينطبق على إيران ودول المنطقة ينطبق على إسرائيل، خاصة فيما يخص امتلاك السلاح النووي، وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى والاعتداء على حدودها. لأن خلاف هذا المنطق والمبدأ يدخل الأطراف المتصارعة تلقائياً في دائرة مغلقة وعقيمة من التهافت على النفوذ السياسي والقوة العسكرية في مسار من اللانهاية، يكلّف المنطقة والعالم الكثير إنسانياً واقتصادياً، ويعيده إلى نقطة الصفر في كل مرة.

وفي الأخير ، أمام  محورية  هذا الملف للمجتمع الدولي  وتأثيره على الاقتصاد العالمي حاضرا ومستقبلا، يعيش العالم حالة من الترقب للمفاوضات الجارية بين واشنطن و طهران  ، و تحث معظم الدول  الطرفين على الحكمة والعقلانية والواقعية في  طرح  شروطهما  للنقاش، لتقريب وجهات النظر و تحريك الجمود التفاوضي  بين براغماتية ترامب و طموح إيران ، وتبقى القطعة الناقصة و الحاسمة  والمفقودة لحد الآن هي وسيط  أكثر تأثيرا و قوة ونفوذا من باكستان ، يمكن أن يضغط و يدفع نحو الحل ، و يمهد الطريق نحو الخروج من هذه الحرب بأقل الأضرار. 

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبه.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x