لماذا وإلى أين ؟

هل يجب إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات؟

دراسة دستورية وقضائية في ضوء حماية أموال الغير واستقلاليةالمهنة

بقلم: فوزي السعيدي *
مقدمة

أثار مشروع تعديل القانون المنظم لمهنة المحاماة نقاشاً فقهياً ومؤسساتياً حول مدى جواز إخضاع حساب ودائع وأداءات المحامين لرقابة المجلس الأعلى للحسابات. وانقسمت المواقف بين اتجاه يرى أن هذه الرقابة تندرج ضمن متطلبات الحكامة وحماية أموال المتقاضين، واتجاه آخر يعتبر أن الحساب يضم أموالاً خاصة لا تدخل في نطاق المالية العمومية، وأن إخضاعه للرقابة قد يمس باستقلال مهنة المحاماة.

وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة لكونها تقع عند تقاطعات دستورية متعددة، منها: استقلالية المحاماة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية أموال الغير، وضمان الثقة في منظومة العدالة.

ومن ثم، تطرح الدراسة الإشكالية التالية:
هل تشكل الطبيعة الخاصة للأموال المودعة بحساب الودائع والأداءات مانعاً دستورياً يحول دون إخضاعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، أم أن خصوصية هذه الأموال وطبيعة تدبيرها تبرران إقرار هذه الرقابة؟

المحور الأول: الإطار الدستوري لاختصاص المجلس الأعلى للحسابات

ينص الفصل 147 من الدستور المغربي على أن “المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة…”

كما ينص على أن المجلس الأعلى للحسابات “يتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون.”

وتدل الصياغة الدستورية على أن اختصاص المجلس يقوم على ركيزتين مهمتين:
وهي مراقبة المالية العمومية؛ ومراقبة الأجهزة التي يحددها القانون.

ومن ثم، فإن الدستور لم يحصر الرقابة في الأموال العمومية بمعناها الضيق، بل ترك للمشرع هامشاً كبيراً لتحديد جهات أخرى يمكن إخضاعها للرقابة متى وجدت مبررات موضوعية لذلك.

لكن وجب الإقرار للأمانة العلمية بصعوبة إدراج الأموال المودعة بالحساب ضمن الثنائية التقليدية: المال العام/المال الخاص، لأن الحساب يتميز بالخصائص الآتية:

الأموال المودعة لا تدخل في الذمة المالية لهيئة المحامين؛

لا تشكل في جميع الأحوال أموالاً مملوكة للمحامي؛

تضم أموالاً تخص المتقاضين والموكلين وأصحاب الحقوق؛

تخضع لنظام قانوني خاص يحدده القانون المنظم للمهنة.

وعليه، فإن هذه الأموال يمكن وصفها بأنها:
أموال شبه عمومية ذات نظام قانوني متميز، تدار في إطار مؤسساتي ولحساب الغير.

المحور الثاني: اجتهاد محكمة النقض وتحديد الطبيعة القانونية للحساب

هناك اجتهادات قضائية عديدة صادرة عن محكمة النقض يمكن الاستئناس بها، على سبيل المثال: القرار عدد 204 الصادر بتاريخ 23 أبريل 2015 (ملف تجاري عدد 2014/1/3/119)، حيث قضت محكمة النقض بأن “المبالغ المحولة لحساب الودائع لدى هيئات المحامين لا تعد أموالاً خاصة لموكلي المحامين…”.

وقد صدر القرار في إطار نزاع متعلق بالحجز لدى الغير، وكان الهدف منه تحديد ما إذا كانت هيئة المحامين تكتسب صفة “مدين المدين” بالمعنى المقصود في الفصل 494 من قانون المسطرة المدنية.

ويؤكد القرار خصوصية النظام القانوني للحساب وعدم اندماج الأموال المودعة فيه في الذمة المالية للهيئة.

غير أن القرار لا يحسم مسألة الرقابة المالية، إذ لم يكن موضوع النزاع متعلقاً بتفسير الفصل 147 من الدستور أو اختصاص المجلس الأعلى للحسابات.

هناك أيضاً القرار عدد 221 الصادر بتاريخ 2 مارس 2023 (ملف عدد 740/4/1/2021)، حيث أكدت محكمة النقض أن المادة 57 من قانون المحاماة لا توجب إيداع جميع الأموال التي يتوصل بها المحامي لحساب موكله، وإنما تهم المبالغ المسلمة للمحامي على سبيل الوديعة.

كما اعتبرت المحكمة أن عدم إيداع مبلغ الوديعة في الحساب يشكل مخالفة للمقتضيات القانونية المنظمة له.

ويستفاد من هذا القرار ما يلي:

حساب الودائع ليس حساباً شخصياً للمحامي؛

الأموال المودعة به ليست جزءاً من الذمة المالية للهيئة؛

الهيئة تضطلع بوظيفة قانونية تتمثل في تلقي وحفظ وتدبير أموال الغير.

المحور الثالث: القيمة الدستورية للاجتهاد القضائي

تكمن أهمية القرارين الصادرين عن محكمة النقض في كونهما يكرسان مبدأ أساسياً، يتمثل في أن:

هيئة المحامين تدير أموالاً تخص الغير في إطار قانوني خاص.

وهذه النتيجة تفتح المجال للتساؤل حول مدى إمكانية إخضاع هذا التدبير لآليات رقابية تهدف إلى حماية أصحاب الحقوق وضمان سلامة العمليات المالية، خاصة مع مصادقة المغرب على اتفاقيات دولية متعددة للشفافية المالية.

غير أنه في الفقه المقارن، لا يشكل معيار ملكية الأموال المعيار الوحيد لتبرير الرقابة المالية. فقد جرى قبول إخضاع بعض الهيئات والأنظمة الخاصة للرقابة متى توافرت العناصر الآتية:

إدارة أموال تخص الغير؛

وجود مصلحة عامة في حماية هذه الأموال؛

تنظيم قانوني خاص؛

الحاجة إلى ضمان الثقة والشفافية.

وهذه العناصر موجودة في حساب ودائع وأداءات المحامين.

وعليه، فإن إخضاع الحساب لرقابة المجلس الأعلى للحسابات يمكن أن يجد أساسه في طبيعة الوظيفة التي يؤديها الحساب، وليس في اعتبار الأموال المودعة أموالاً عمومية.

المحور الرابع: مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة

ينص الفصل الأول من الدستور على أن “يقوم النظام الدستوري للمملكة على أساس… ربط المسؤولية بالمحاسبة.”

ويعد هذا المبدأ من المبادئ المهيكلة للحكامة الجيدة والشفافية المالية.

ولا يبدو أن إعمال هذا المبدأ يقتضي بالضرورة اعتبار الأموال المودعة أموالاً عمومية، بل يكفي أن يتعلق الأمر بتدبير أموال ذات أهمية خاصة بالنسبة للمتقاضين وأصحاب الحقوق.

ومن ثم، فإن إخضاع الحساب لرقابة مالية مستقلة قد يشكل أحد تجليات هذا المبدأ الدستوري.

ومن حيث المبدأ لا تمس، هذه الرقابة من وجهة نظرنا، باستقلالية مهنة المحاماة.

خاتمة

يتبين من خلال قراءة المقتضيات الدستورية والاجتهاد القضائي أن الطبيعة الخاصة للأموال المودعة بحساب الودائع والأداءات لا تشكل، في حد ذاتها، مانعاً دستورياً يحول دون إخضاعه لرقابة المجلس الأعلى للحسابات.

كما أن قراري محكمة النقض عدد 204 بتاريخ 23 أبريل 2015 وعدد 221 بتاريخ 2 مارس 2023 لا يحسمان هذه المسألة بصورة مباشرة، غير أنهما يكرسان معطاً جوهرياً يتمثل في أن الهيئة تدير أموالاً تخص الغير في إطار قانوني منظم.

ومن ثم، يمكن تبرير إخضاع الحساب لرقابة المجلس الأعلى للحسابات على أساس: الفصل 147 من الدستور؛ ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاس.

المراجع

  1. دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول 1 و147 إلى 150.
  2. القانون رقم 62.99 المتعلق بمدونة المحاكم المالية.
  3. القانون المنظم لمهنة المحاماة.
  4. قرار محكمة النقض، الغرفة التجارية، عدد 204، بتاريخ 23 أبريل 2015، ملف تجاري عدد 2014/1/3/119.
  5. قرار محكمة النقض، عدد 221، بتاريخ 2 مارس 2023، ملف عدد 740/4/1/2021.

* باحث في الشؤون القانونية

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.


من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

4 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
الخطاب حسن الدين
المعلق(ة)
5 يوليو 2026 16:26

من نافلة البيان القانوني أن المقتضيات الدستورية التي تضمنها دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ؛ هي نصوص قانونية تعتبر في الفقه القانوني الدستوري أسمى تعبير عن إرادة الأمة ؛ و أسمى القوانين في الدولة ؛ و غير قابلة للتأويل و التفسير الواسع في الفضاء السياسي للدولة ؛ فالنصوص المضمنة بالدستور دقيقة المصطلحات ؛ و قواعد قانونية آمرة و قدسية تستوجب الإحترام التم لمضامينها و مقاصدها القانونية.
-لكن بالرجوع إلى القال موضوع التعليق يتضح أن محرره أساء فهم المصطلح اللغوي ” الأعمىال العمومية ” كما أنه جانب الصواب و الفهم لقرارت محكمة النقض المستدل بها ؛ لأن هذه القرارت لا تبث في جوهر النزاع بل إن إختصاص محكمة النقض هو مراقبة تطبيق القانون من طرف المحاكم في النقطة القانونية موضوع النقض؛ إضافة إلى ذالك فإنه بعد النقض يتم إحالة الملف على المحكمة المصدرة له لتبث في من جديد مما يوضح أن تلك القرارت المنزل بها غير نهائية و غير قابلة للاستدلال بها في مناقشة عدم دستورية مشروع قانون المحاماة.
نتمنى لمحرر المقال مزيداً من البحث في آفاق القانون الدستوري و الفقه المقارن ؛ و قانون المحاماة الفرنسي .

مريمرين
المعلق(ة)
5 يوليو 2026 12:20

.. منذ متى سمعنا أن المجلس الأعلى للحسابات
حط رحاله في مالية وزارة الثقافة أو في مالية المركز السينمائي المغربي، أو في مالية القنوات الإعلامية ، أو في مالية الجامعات الملكية لمختلف الرياضات …

مواطنة
المعلق(ة)
4 يوليو 2026 23:48

سؤال مشروع الأموال أموال الموكلين والدولة تريد مرقبتها أين المشكل؟ ثم هل نمنع الدولة من المراقبة ونتركها للمنظمات المهنية

محمد
المعلق(ة)
4 يوليو 2026 20:39

بغض النضر على التؤيلات والثغرات القانونية او حتى الدستورية فهو ليس قران منزل
ما يخيفهم من مراقبة الأموال التي ليست لهم بل هم مؤتمنون عليها ؟على مادا يخافون ؟ اللهم الا …..

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

4
0
أضف تعليقكx
()
x