لماذا وإلى أين ؟

مونديال 2030 يبدأ بإصلاح سيارة الأجرة “الطاكسي”

سعيد الغماز *

جميل أن يخوض المنتخب الوطني منافسات كأس العالم، والأجمل هو أن بلادنا ستستضيف نسخته القادمة في المغرب إلى جانب إسبانيا والبرتغال. لكن ما يقع للزبائن في سيارات الأجرة سيئ وسيئ جداً. والمواطنون يتساءلون متى تنتهي هذه المهزلة وبلادنا حققت في 2025 أعلى رقم في جذب السياح في القارة الإفريقية متجاوزة مصر وجنوب إفريقيا. استقطاب أكثر من 20 مليون سائح إنجاز كبير، ومعه تكبر مسؤولية الحفاظ على هذا الإنجاز.

سوف لن أتحدث عن معاناة المواطنين مع سيارات الأجرة التي تفرض عليك مكان التنقل، وسوف لن أتحدث عن سائق “الطاكسي” الذي يتحدث معك من خلال نافذة نصف مفتوحة، إن أعجبه المكان المقصود سمح لك بالركوب، وإلا تركك دون جواب. لن أتحدث عن سائق “الطاكسي” الذي يبحث عن زبون بمفرده، ويرفض ركوب زبونين ولو كان رجلاً رفقة زوجته أو ابنه. أما ثلاثة أفراد فركوب سيارة الأجرة أصبح من سابع المستحيلات مع ممارسات السائقين؛ كل ذلك من أجل استخلاص ثمن الرحلة من كل واحد من الركاب الثلاثة.

هذه ممارسات اعتاد عليها الزبائن، وأصبحت أمراً اعتيادياً بعد انتشارها الكبير وسط سائقي “الطاكسي”. إنها الفوضى التي تهدد استقبال جمهور مونديال 2030. سأتحدث عما وقع لي في أكادير ومراكش والرباط عاصمة المملكة الجميلة والرائعة، وكذلك في مدينة إشبيلية بإسبانيا. لكن قبل الحديث عن هذه الحكايات، دعوني بداية أقول إن الأمر لا يتعلق بسائق “طاكسي” مغلوب على أمره، يعاني من الهشاشة و”غالبو الزمان”، لست أنا من يقول هذا الكلام، وإنما هي شكايات سائق “الطاكسي” لزبائنه. حديثي موجه لمنظومة تتحكم في هذا القطاع الحيوي، يتحكم فيها الريع، وصارت تعيش في بركة آسنة ومتسخة.

أسوق هذه الأحداث الواقعية، ليس بهدف الإساءة لسائقي “الطاكسي”، وإنما لكي لا نُطبِّع مع الرداءة والانحطاط في زمن بَلَغت فيه المدَنيَّة مستويات متقدمة، وسؤال “التَحَضُّر” أصبح يُطرح علينا بإلحاح كبير.

“الطاكسي” في أكادير: نزلتُ من الحافلة بعد وصولها إلى محطة المسيرة، فأتى عندي رجل يسألني هل أريد “طاكسي”. لا أعرف ماذا يريد الرجل، وهل هو فعلاً سائق “طاكسي” أم شيء آخر؛ فما أعرفه هو أن سائق “الطاكسي” يبقى جالساً في سيارته، والزبون هو من يأتي عنده، ليشعر بالأمان ما دام “الطاكسي” يحمل اللون الرسمي ورقم الرخصة، ومن جهة أخرى ليحافظ السائق على قيمته وهيبته.

“ما عليناش”… خرجتُ إلى باب المحطة ووجدتُ حوالي 10 سيارات أجرة ومكان السائق فارغ في جميع السيارات ولم أجد من أتحدث معه. أين ذهب هؤلاء السائقون؟ حينها عرفت أن عشوائية القطاع جعلت السائق يفقد قيمته وهيبته، وصار يتسكع وسط المسافرين ليجمع ثلاثة أفراد في رحلة واحدة، ويستخلص الثمن “مضروباً في ثلاثة”. “ما عليناش” مرة أخرى… أتى عندي رجل وسألني “فين غادي”، صرَّحتُ له بوجهتي فدلني على سيارة وركبت. نفس الشخص أنزل امرأة أخذت مكانها في سيارة أخرى، وأركبها في نفس سيارتي لأنها تقصد نفس وجهتي. المرأة لم تستنكر “هاد التفليات”، نزلت من السيارة دون أن تنطق بكلمة، ربما اعتادت مثل هذه “التفليات” في ركوب “الطاكسيات”.

هذا الفعل تسبب في نشوب خلاف بين سائق “الطاكسي” الذي أركب فيه، مع سائق “الطاكسي” الذي كانت فيه تلك المرأة. فشرع صاحب “الطاكسي” الذي أجلس بجانبه، والمرأة في الخلف، في معركة من القذف والسباب مع غريمه، مستعملاً كل المصطلحات “الزنقاوية” التي تنتمي لفصيلة “تحت الصمطة” في تعبيرنا الشعبي. توجهتُ للسائق بالكلام وقلتُ إن عليه احترام زبائنه وأن هذا الكلام من العيب التلفظ به ومعنا امرأة لا تريد سوى الوصول إلى وجهتها بأمان. ردَّ عليَّ السائق: “نتا مالك إلى ما عجبكش الحال سد ودنيك”، كان جوابي: “راه نتا لي خاصك تسد فمك من كلام الزنقة”. بقية القصة تعرفونها في مثل هذه الأحداث التي تكرر بشكل كبير.

أردت في البداية تقديم شكاية لدى الشرطة، لكني أعرف جيداً أن الأمر ليس مرتبطاً بسلوك سائق، بقدر ما هو مرتبط بمنظومة تتحمل فيها المسؤولية الوزارة الوصية على القطاع. فكم من سائق تم قطع رزقه بعد أن كان موضوع صاحب قناة أو مؤثر نشر شريطاً شاهده العالم، يفضح فيه فوضى “الطاكسي” في بلادنا، وماذا كانت النتيجة؟ لم تتوقف تلك الممارسات في قطاع “الطاكسيات”؛ لأننا أمام منظومة تدبيرية ريعية وفاسدة يجب أن تتغير، وسائق “الطاكسي” إنما هو الحلقة الأضعف في هذه المنظومة.

“الطاكسي” في مراكش: نزلتُ من القطار، وعند خروجي من المحطة أتى عندي شخص غريب لا أعرفه وقال لي: “طاكسي موسيو”. قلتُ له: “هاد موسيو ماشي ديالنا… حنا تنقولو لمن لا نعرف اسمه سي محمد أو الحاج، ولا كتقلب على السياح فقط؟” وأردفت قائلاً: “وشكون لي قال ليا أنك سائق طاكسي وأنا كانشوفك بوحدك بدون طاكسي حداك؟”.

“ما عليناش”… نفس الشيء الذي لاحظته في أكادير، “الطاكسيات” فارغة بدون سائق، الذي تحول إلى متسكع بين الزبائن ويبحث فقط عن السياح الذين يقصدون المطار. لقد تحول “الطاكسي” في مراكش إلى سيارة وجهتها الوحيدة هي المطار. “الطاكسيات” بالعشرات، لكن لا أحد يريد إركاب الزبائن لوجهتهم. إنها الفوضى التي يجب دفنها بقوة القانون، قبل استقبال جمهور المونديال الذي لا يمكنه تصور وجود هذه الفوضى البدائية في بلد من سمعة المملكة المغربية.

“الطاكسي” في الرباط: هذا الحادث وقع لي في فترة المعرض الدولي للكتاب. وقفتُ بجانب محطة القطار أكدال، أنتظر الحافلة التي وضعها المعرض لنقل الزوار مجاناً، وهي مبادرة لقيت استحساناً كبيراً. تأخرتِ الحافلة، وأتى عندي شاب في مقتبل العمر، وصل للتو من مدينة طنجة ويريد زيارة المعرض لكنه مرتبط بالوقت، عرض علي أن نذهب معاً في سيارة الأجرة. ذهبت معه إلى الضفة الأخرى من الشارع. نفس الشيء، سيارات الأجرة بدون سائق، والجديد هو وجود “كورتيي” يوزع الزبائن على “الطاكسيات” كما يتم توزيع الدقيق في عام البون. دلَّنا “الكورتيي” على “الطاكسي” الذي سيذهب إلى المعرض، وعندما علم السائق أننا اثنين، قال بأنه ليس ذاهباً إلى المعرض. ابتعد عنا بأمتار وراح يصيح: “المعرِض المعرِض شكون غادي للمعرِض”. وجدتُ أن جميع سائقي “الطاكسيات” يبحثون عن أفراد بمفردهم، فذهبتُ عند “خونا السائق” لأقول له نحن لسنا اثنين، فكل “واحد غادي بوحدو”… أصبح السائق بقدرة قادر ذاهباً إلى المعرض. ذهبنا وراءه لمعرفة سيارته، وجدنا فيها شخصاً واحداً، ركبنا وعند وصولنا كل واحد أدى ثمن نفس الرحلة.

لركوب سيارة الأجرة في بلادنا، عليك أن تكون بمفردك، فـ”الطاكسي” “مامديورش لفردين أو ثلاثة وحتى لرجل وزوجته”. فهل سنستقبل جمهور المونديال وسائق “الطاكسي” هو من يصنع القانون على هواه؟ وكم من صانع محتوى ومن مؤثر يجب أن ينشروا فضائح “الطاكسي” في بلادنا لتصحيح الوضع؟

“الطاكسي” في إسبانيا: دعوني الآن أحكي لكم حكايتي مع “الطاكسي” في جارتنا إسبانيا التي سننظم معها كأس العالم. انتهتْ عطلتي في إشبيلية، خرجتُ من الفندق رفقة زوجتي وأنا أجرُّ حقائبي. وقفتُ بجانب باب الفندق، ولمحت خمس سيارات أجرة مصطفة بجانب الفندق، السائقون مجتمعون يتحدثون بأريحية. انتظرتُ من أحدهم أن يأتي عندي لأنه يرى الحقائب وهو ما يفيد أنني أقصد المطار أو محطة القطار، لم يأتِ عندي أحد، فذهبتُ عندهم لأطلب سيارة أجرة. حينها تقدم عندي “الطاكسي لي فيه النوبة”، أخذ حقائبي ووضعها بنفسه في صندوق السيارة. عند وصولي إلى المطار، نظرتُ إلى العداد وأعطيته الثمن المطلوب ثم ذهب لحال سبيله.

سؤال عبيط: لماذا لا يتعامل سائقو “الطاكسي” بهذا الأسلوب الذي يحفظ كرامتهم ويضمن راحة زبائنهم؟

“ما عليناش” مرة أخرى لأن الحكاية لا تنتهي هنا.

وصلتُ مطار مراكش المنارة، وخرجتُ لأقف في مسار التوقف السريع أنتظر قدوم ابنَتي، فجأةً بدأتُ أسمع صياح عراك بصوت جد مرتفع “مدابزة بالأيدي والكلام الساقط”. اقتربتُ لأعرف ما الحدث، فعلمتُ أنه عراك بين سائقي “الطاكسيات” حول “النوبة في ركوب الكليان”. يتعارك السائقون دون اعتبار لحرمة المكان، ودون اكتراث لسمعة البلاد، ودون أي اعتبار لا للسياح ولا لأهل البلد الذين يسمعون كلاماً لا يردده إلا السفهاء.

فهل أصبح سائقو “الطاكسيات” يفرضون قانونهم على الدولة؟ ومتى تنتهي مهزلة “الطاكسي” بتغيير المنظومة التي يتم بها تدبير هذا القطاع الحيوي والأساسي في خدمة المواطن وتطوير السياحة؟

ختاماً أذكر بأن التنقل في إسبانيا يتم عبر التطبيقات الرقمية؛ تجلس في مكانك، تفتح التطبيق، تطلب وجهتك، التطبيق يفيدك بمبلغ الرحلة والتوقيت الذي ستصلك فيه سيارة “الطاكسي”، ولا تتحرك من مكانك إلا بعد أن يخبرك التطبيق بأن السائق ينتظرك.

في بلدنا، إذا أردت سيارة أجرة عليك أن “تقف في رأس الدرب”، تُشير لـ”الطاكسي” بيدك، إن أراد أن يقف وقف، وإن لم يرد لا يعيرك أي اهتمام ولو كان فارغاً. وحتى إن وقف، يتحدث معك من خلال نافذة نصف مفتوحة، إن أعجبه المكان المقصود سمح لك بالركوب، وإن لم تعجبه وجهتك، حرك سيارته وإن كانت فارغة.

هناك عمل كبير ينتظرنا لنصير كباقي الأمم…

لا أريد الإساءة لبلدي وأنا أتحدث عن هذه الفوضى، التي لا وجود لها في البلدين اللذين سينظمان معنا كأس العالم 2030، وإنما أريد لفت انتباه الوزارة الوصية على هذا القطاع لتتحرك قبل فوات الأوان، ونصير نكتة في أعين إسبانيا والبرتغال، وكل من أتى من أوروبا إلى بلدنا حاملاً هاتفه وله حساب في “السوشيال ميديا”.

*كاتب وباحث

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

1 تعليق
Inline Feedbacks
View all comments
مريمرين
المعلق(ة)
5 يوليو 2026 12:09

..ما يقع للمواطنين في سيارات الأجرة أهون بكثير مما يقع لهم في المستشفيات العمومية و في المصحات الخاصة.. و أهون بكثير مما يقع لهم حين يضعون شكاياتهم بين يدي القضاء فلا تتحرك العدالة..

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

1
0
أضف تعليقكx
()
x