2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
طالع السعود الأطلسي
استقر المغرب، منذ أن تولّى الملك محمد السادس قيادة البلاد في يوليوز 1999، على أن تكون مناسبة “عيد العرش”، كل سنة، على إيقاع يمزج بين الفرح بالملك القائد، وبين التدبُّر في منجزه على خط المشروع الإصلاحي والنهضوي للمغرب…في الذكرى 27 لعيد العرش يتواصل الاحتفاء و بنفَس حُبور أقوى…
المشروع الملكي تاريخي، بَعيد المدى، تتولّد فيه التحولات والمنجزات وتتراكم فيه، بالكم والنوع… وعلى مدى، حوالي ثلاثة عقود، دبّر الملك محمد السادس تحققه في جغرافية المغرب وانسيابه في تاريخه، بتوالي دَفعاته، لتُجدِّد وتُرسِّخ روافعه وتضيف لها أخرى…
لتلك المنجزات النوعية عناوين وهي متواصلة ومتفاعلة… المفهوم الجديد للسلطة، هيئة الانصاف والمصالحة، مصالحة المغاربة مع تنوعهم الثقافي بإقرار الأمازيغية لغة وطنية، إصلاح الحقل الديني، تجويد فعالية واستقلالية السلطة القضائية، التوجيه لإقرار قوانين هيكلية مُجدِّدة للبنية السياسية والتنظيمية للبلاد من نوع، قانون الأحزاب، قانون الشغل، قانون الإضراب، قانون الصحافة، وتحرير الفضاء السمعي البصري وتأطيره بقانون للإعلام…
من بُعد نظر المشروع الملكي، أنه اهتم بأن يكون للإصلاح والتحديث المجتمعي المغربي المنشود أساسه المادي المُدرِّ للعائد الملموس في حياة المغاربة… حرصٌ على إرساء التغطية الاجتماعية الإجبارية للفئات المُعوزة، وأيضا تنويع وتوسيع الرافعة الاقتصادية لتدبير البلاد، عبر تحفيز الاستثمار، بالقوانين والتيْسيرات والتسهيلات، لتلبية الحاجات الحياتية الأساسية للمغاربة وتنمية الإمكانات الاستيعابية لفُرص الشغل، المنتج للثروة الوطنية ولكرامة المواطنين… من ذلك التوجُّه تطوَّرت البنيات الصناعية إلى مستوى أنها اليوم الأولى في إفريقيا، وقد اقتحمت صناعة الطيران وطوّرت صناعة السيارات… وذهب المغرب إلى تنويع مصادر تغذيته بالطاقة، نحو التوجه إلى الطاقات البديلة، والتي أصبح بها مُنتجا للكهرباء، بما يؤمن حاجاته ويمكنه من تزويد أصدقائه بها مثل إسبانيا وفرنسا… من ملموسات التطور المذهل للبلاد في أقل من ثلاثة عقود، التوسع في شبكة الطرق السيارة و شرايين التواصل الطرقي ببن مدن و قرى المغرب عامة، و المُبهر في بنيات التنقل هو منجزات السكك الحديدية بتوسُّع شبكتها و بجودتها و بقطارات السرعة الفائقة… واللافت أيضا في روافع النهضة الاقتصادية المغربية لفائدة داخل المغرب ومع خارجه أساسا، الإنجاز الهام للميناء المتوسطي والذي أضحى مرموقا وفاعلا في حوض الأبيض المتوسط، وأيضا المشروع المتقدم، في إنجاز العمل، لميناء الداخلة بالفعالية المتوقعة منه على الشاطئ الأطلسي لإفريقيا.
لست هنا بصدد الجرد الشامل لمنجزات المسار الإصلاحي والتحديثي الذي يقوده الملك محمد السادس، وما أوردته إلا عناوين ومُتفرقات من ذلك المنجز… والتي لا يمكن إغفال ما طال منها الحقل الأمني المغربي، وقد أضحى اليوم على أعلى درجات الجدارة المهنية، الأمنية والاستخباراتية، لصيانة المغرب من الاستهداف الإرهابي والعدائي له، وتوفير دعامات الاستقرار له، اجتماعيا وسياسيا… وانطلاقا من تلك الجدارة هو اليوم فاعل دولي محترم ومطلوب للتعاون مع دول الجوار الأوروبي والمحيطيْن الإفريقي و العربي، فضلا على الاعتبار الأمريكي له…
الجوار الإفريقي، لم يعامله الملك محمد السادس مجرد جوار… في مشروعه هو بعد أساس في الهوية المغربية… في أصلها وتكونها وفي أفُقها ومُستقبَلها… تلك الرؤية الثاقبة أنتجت لإفريقيا وللمغرب عائدات هامة، وأكبر عنوان لها اليوم هو أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والمغرب و الواصل إلى أوروبا والذي، يُبَلور المشروع “الأطلسي” الذي دعا إليه الملك محمد السادس، ويُدمج ثلاثة عشرة دولة في غرب إفريقيا مطلة أو مُلامسة لساحل المحيط الأطلسي…
وهو لوحده، لثقله النوعي في المسار التنموي لكل تلك الدول ولما سيولِّد من مُتغيِّرات جيواستراتيجية في المنطقة، و كونه مبادرة ملكية مغربية مُنطلقة، و قد تحققت، من “العقيدة” الإفريقية لملك المغرب، يستحق وقفة طويلة في مقال آخر…
حالة التطوُّرات النوعية في علاقات المغرب الإفريقية، نموذجية، في ما أدى إليه تنشيط البعد الإفريقي في المسار التنموي المغربي من حقنها بالحيوية والتجدُّد و “بَقْر” لتوَرُّمات كانت منتشرة فيها… اليوم، الجاذبية المغربية قوية الإشعاع في إفريقيا، ومُغايرة جوهريا لما كانت صورة المغرب عليه لدى الأفارقة سنة 1984، حين “ألقيت” في دواليب “الوحدة” الإفريقية “حجرة” البوليساريو، من نوع تلك التي أراد الرئيس الجزائري الراحل، هواري بومدين دسها “في حذاء المغرب”… و التاريخ، بِكَدِّ المغرب، أبْطل مفعول الحجرة و نواياها الضارة… وجدير بالتسجيل هنا، المفعول القوي لقرار مجلس الأمن رقم 2797 بخصوص الصحراء المغربية، بالحسم لصالح الحق الوطني المغربي بقرار دولي رفيع المستوى، دكَّ كل المناورات المضادة للمغرب… والقرار لوحده أقوى عنوان لنجاح التوجه الملكي في تدبير الشأن المغربي، وبرافده الديبلوماسي في صون وحدة الوطن.
ولم تتغير “صورة” المغرب في مختبر “الفوتوشوب”، و لا بطلاسم و طلاءات تواصلية… بل إنه المغرب الذي تغيَّر، بمفعول التحدي الوطني… والذي به عارك الكوابح والمطبَّات على مدى العقدين الأولين من هذا النصف قرن، قبل أن يوضع مسار التقدم على منوال التقويم خلال العقود الأخيرة ويفتح له مسالك حيوية ونوعية… بروافع سياسية، اقتصادية واجتماعية، وتتملك التوجه الإصلاحي الاستراتيجي الملكي، المتوسل بالمواكبة التقويمية اليقِظة والمتبصِّرة…
كم بقي في إفريقيا من الدول “المتحمسة” للبوليساريو، في شغَبِها الانفصالي ضد المغرب؟ هذا هو السؤال المطروح اليوم، وليس كم عدد الدول الإفريقية المُؤيِّدة للمقترح المغربي الداعي إلى تنزيل الحكم الذاتي لحل نزاع الصحراء المغربية.
الجواب على السؤال الذي يفرضه توالي الاعترافات الإفريقية بجدِّية وصدقية وواقعية ونفعية مقترح الحكم الذاتي، هو أن الدول التي لم تلتحق بعد بذلك الزخم الإفريقي المُناصر للحق المغربي، حوالي 15 دولة… ومنها فقط، لا أكثر من خمسة دول، المُعانِدَة في تحمُّلها للبوليساريو، والباقي دول (حوالي عشرة) تمر من مَرحلة “الصمت”، الذي فيه تستعد للتخلُّص من انسياق في معاداة للمغرب، أضحت فيها مجرد عادة، انجرَّت إليها ولحساب مصلحة دولة واحدة، وقد أدمنتها لأكثر من نصف قرن… وهي تصحو من دوْختها…
المتوقع، في الأشهر القليلة المقبلة، أن يتسارع التناقص والتزايُد في إحصائيات دول المُعاندة ودول المناصرة… الأولى تتناقص والثانية تزيد… نتيجة هذا التنامي في حصاد الديناميكية الديبلوماسية المغربية التي وجهها ويتابعها الملك محمد السادس… منذ أن أعلن حاجة إفريقيا لتنهض بذاتها ولذاتها على قاعدة مأسسة التعاون جنوب-جنوب وبمبدأ رابح-رابح… وجعل من عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، ليس مجرد استعادة لعضوية في المؤسسة الوحدوية الإفريقية، والتي هو من أبرز مؤسسيها في بداية ستينيات القرن الماضي… جعلها “منصة” إسهامه في إطلاق للتفاعل والتكامل الإفريقي، ولتوجيه الضرورة الاتحادية الإفريقية نحو الإثمار التنموي الخاص بكل دولة والناهض بكل إفريقيا…
الديناميكية الديبلوماسية المغربية، في خلفيتها ديناميكية تنموية، فيها حركية شمولية ومتوازنة الخطوات… نشيطة وبلا تسرُّع… جدَّدَّت ومتَّنت روافع المغرب السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية… على خط ناظم وثابت هو الوطنية… في تثبيت وحدة التراب الوطني وترسيخ الوحدة الوطنية وتغذية الوطن بمناعة نفعه للمواطن وانتفاعه من حيويته بوعيه، وبكرامته وبعلوِّ صبيب إنتاجه للتقدم فيه…
مرة أخرى، هذه السنة، في عيد العرش، يجُسُّ المغاربة نبض تقدم الوطن…هو نبض سليم، حيوي، ومتوازن…و تغذيه حكمة الملك محمد السادس بعمق المعنى و لصلابة المبنى… وأخال المغاربة يهتفون عيد سعيد جلالة الملك و فرح مديد للمغرب.
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي “آشكاين” وإنما عن رأي صاحبها.