لماذا وإلى أين ؟

العراق ما بعد رحيل الخامنئي.. وصناعة خريطة الغد

زيد شحاثة

مثّلت شهادة الولي الفقيه للجمهورية الإسلامية الإيرانية حدثاً هزّ المنطقة والإقليم، بل صارت له امتدادات عالمية واضحة وستستمر لفترة. والعراق، بعد فترة استقرار امتدت لثلاث سنوات، من أكثر الدول تأثراً بهذا الحدث، كمنعطف خطير ضمن الحدث الأكبر، المتمثل في الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

تحديد تداعيات مرحلة ما بعد رحيل المرشد الأعلى الإيراني، السيد الخامنئي، لن يكون سهلاً، لأنه ستترتب على هذا المتغير الكبير تداعيات عميقة تمتد من طهران إلى بغداد، ومن واشنطن إلى كامل أرجاء المنطقة. فإيران، التي تعتبر العراق جدارها الاستراتيجي، تضم أجنحة متعددة تلعب أدواراً مؤثرة في تشكيل السياسة الخارجية، مما يجعل العراق في قلب التغييرات الإقليمية القادمة لا محالة.

تتشكل الخريطة السياسية الإيرانية من قوى نافذة تتقاسم صنع القرار، في مقدمتها الحرس الثوري، وجهاز المخابرات “الإطلاعات”، والجهاز الدبلوماسي، وفوق كل هؤلاء مؤسسة الولي الفقيه، الذي كان موقفه الأكثر توازناً واعتدالاً ودعماً في تعاطيه مع الشأن العراقي، مقارنة بغيره من الأجنحة الأكثر تشدداً. فيما لم يُعرف بعد موقف السيد مجتبى الخامنئي في تعامله مع الملف العراقي، خصوصاً وهو القادم محملاً بإرث والده الراحل، ومسيرته المقربة من الحرس الثوري، في موازنة لن تكون سهلة.

من الواضح أن المواجهة المستمرة مع أمريكا لن تنتهي بهزيمة إيران، ولن تنتصر فيها أمريكا، فالصراع بينهما من النوع الذي لا ينتهي بهزيمة أو نصر عسكري حاسم، بل هو حرب استنزاف وضغط متبادل، وكل ما يربحه طرف يكون على حساب الآخر. وبالتالي فإن التفاوض القادم، لا محالة، بينهما سيدفع كليهما إلى تقديم تنازلات لصالح الطرف الآخر، والمؤكد أنها ستكون على حساب أطراف أخرى، وربما يكون العراق أول المتأثرين بها، خاصة إذا ما تم الاتفاق على ترتيبات إقليمية جديدة لا تراعي مصالح بغداد، أو تم تمرير مصالح إيرانية أمريكية على حساب الآخرين.

موقف العراق، بما يتعلق برؤيته لمستقبله والخروج من دوامة المشاكل، يتطلب منه موازنة قوية ودقيقة جداً بين إيران والولايات المتحدة، ويمكنه جمع مصالحه مع مصالحهما معاً، بدلاً من الانحياز الكامل لأحدهما. فكل ساسة العراق يتفقون على أن المرحلة القادمة تختلف تماماً عما سبقها، والمنطقة لم تعد كما كانت، وموازين القوى اختلفت، وكل ما كان يُعتقد بصحته سابقاً يحتاج إلى مراجعة نقدية عميقة. ولم يعد ممكناً التعامل مع الملفات بالطريقة نفسها السابقة، مع ظهور تحالفات إقليمية جديدة ومصالح متشابكة.

ويتطلب ذلك مهارة سياسية فائقة لتحويل المحن التي نعاني منها إلى منح وفرص يمكن استثمارها لتجاوز الأزمة والعبور بالبلد، من خلال تحسين الواقع الاقتصادي والخدماتي. وهذا يتطلب وعياً عميقاً بأهمية الموقع الإقليمي للعراق، والسعي لتحويله من دولة تتلاعب بها الأطراف الخارجية إلى دولة قوية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية.

كما أن استثمار الأموال في البنى التحتية، مع إنفاق عسكري مبتكر وموجّه، والانفتاح على الاستثمارات العالمية، يمكن أن يكون مفتاحاً حقيقياً للخروج من عنق الزجاجة.

الصراعات في العالم والمنطقة لن تنتهي، والأكثر حدة واستمرارية سيكون التنافس الاقتصادي، وطرق التجارة العالمية، وممرات الطاقة. والعراق يمتلك موقعاً استراتيجياً متميزاً في هذا المجال، كونه حلقة وصل بين الشرق والغرب، وممراً برياً وبحرياً مهماً للتجارة والطاقة. واستثمار هذه الميزة يمكن أن يعيد تعريف دوره الاقتصادي في المنطقة، ويجعله مركزاً لوجستياً لا غنى عنه، بشرط أن يبتعد عن الصراعات العقائدية ويركز على المكاسب الوطنية.

الكرة الآن في ملعب الساسة العراقيين، ورهانهم الأكبر هو القدرة على قراءة المتغيرات الإقليمية بذكاء شديد، والابتعاد عن سياسة المحاور، والانطلاق نحو بناء الدولة ومؤسساتها، واستثمار الأزمات. فالمستقبل ليس محسوماً لأي طرف، وما يحدث اليوم في المنطقة هو إعادة تشكيل للخريطة السياسية والاقتصادية، ونحن مدعوون لأن نكون مشاركين في صناعة هذه الخريطة، لا مجرد أداة تُرسم عليها.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
0
أضف تعليقكx
()
x