2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
أماطت دراسة ميدانية اللثام عن علاقة مواقع التواصل الاجتماعي باتساع وتنامي ظاهرة الهجرة، خصوصا الموجة التي تعرفها المناطق الشمالية للمغرب مؤخرا.
وأكدت الدراسة، التي أنجزها مرصد الشمال لحقوق الإنسان بالمغرب، أن مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت في تشكيل تصورات الشباب حول الهجرة غير النظامية، حيث اعتبر 81 في المائة من المشاركين أن المحتوى المتداول على هذه المنصات يجعل الهجرة غير النظامية تبدو “حلا لتحسين شروط الحياة”، في مؤشر يعكس تنامي الدور الذي تلعبه الفضاءات الرقمية في التأثير على قرارات الشباب.
وأوضح المرصد، في بلاغ عرض من خلاله نتائج الدراسة، أن البحث شمل 500 شاب وشابة من جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، واعتمد في تحليل معطياته على البرنامج الإحصائي “SPSS”، مبرزا أن المنصات الرقمية “لا تنقل المعلومات فقط، بل تسهم في تشكيل تمثلات الهجرة، وتداول قصص النجاح، وبناء جماعات افتراضية قد تجعل الهجرة غير النظامية تبدو خيارا ممكنا لتحسين الحياة”.
وأظهرت نتائج الدراسة، المعنونة بـ”دور وسائل التواصل الاجتماعي في التحفيز على الهجرة غير النظامية”، أن 78.4 في المائة من المشاركين أكدوا سهولة العثور على منشورات تشجع على الهجرة غير النظامية، فيما أفاد 74.2 في المائة بأن الشباب يتابعون صفحات تساعد على التخطيط لها، بينما قال 71.6 في المائة إنهم يتابعون مجموعات على مواقع التواصل تخدم الغرض نفسه.
وسجلت الدراسة أن المحتوى البصري يعد الأكثر تأثيرا في الشباب، إذ أكد 79.2 في المائة تفاعلهم مع مقاطع الفيديو المحفزة على الهجرة، مقابل 78.2 في المائة بالنسبة للصور، في حين لم تتجاوز نسبة التأثر بالمضامين النصية 62.6 في المائة، وهو ما اعتبرته الدراسة دليلا على “القوة العاطفية والرمزية للمحتوى البصري”.
وبينت النتائج أن 81.2 في المائة من المستجوبين يرون أن نشر قصص نجاح مهاجرين يدفع آخرين إلى التفكير في الهجرة غير النظامية، بينما اعتبر 77 في المائة أن منشورات صناع المحتوى والمؤثرين تعزز الرغبة في خوض هذه التجربة.
وفي السياق نفسه، أفاد 78 في المائة من المشاركين بأن المنشورات التي تتناول “الحكرة” والظلم الاجتماعي والتهميش تشجع الشباب على التفكير في الهجرة غير النظامية، فيما أكد 75.8 في المائة أن شبكات التواصل تعزز التضامن بين الراغبين في الهجرة، وتسهم بالنسبة نفسها في تكوين جماعات افتراضية تشجع مزيدا من الشباب على الإقدام عليها.
وأبرزت الدراسة أن التأثير الرقمي في توجهات الشباب نحو الهجرة غير النظامية كان مرتفعا نسبيا، بمتوسط بلغ 3.81 من أصل 5، مؤكدة أن هذا التأثير لا يختلف بشكل واضح بين الذكور والإناث، ولا بحسب المستوى التعليمي أو بين سكان المدن والقرى.
في المقابل، سجلت الدراسة وجود تفاوت في درجة التأثر بحسب دخل الأسرة والوضع المهني، معتبرة أن “الظروف الاقتصادية والمهنية تؤدي دورا في كيفية تفاعل الشباب مع المحتوى المرتبط بالهجرة غير النظامية”.
وشدد مرصد الشمال لحقوق الإنسان على أن “التأثير الرقمي لا يعمل في فراغ، ولا يمكن اعتباره سببا منفردا للهجرة غير النظامية”، موضحا أن المنصات الرقمية “تضخم تطلعات ومشاعر تتغذى من البطالة والهشاشة والإقصاء والشعور بـ’الحكرة'”، وهو ما يجعل الاقتصار على المقاربة الأمنية أو تجريم الشباب غير كافٍ لمعالجة الظاهرة.
ودعا المرصد إلى اعتماد سياسة عمومية مندمجة تربط الوقاية من الهجرة غير النظامية بالتشغيل والتعليم والحماية الاجتماعية والتنمية المجالية، إلى جانب تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وإنتاج خطاب توعوي بديل، والتصدي للمحتويات الرقمية التي تروج لشبكات التهريب، مع توفير خدمات للدعم النفسي والاجتماعي للشباب، وتعزيز التعاون بين مختلف المؤسسات والفاعلين.