لماذا وإلى أين ؟

الفايد أمام مرآة العقلانية: هل يكفي نقد السلفية لصناعة التنمية؟

سعيد الغماز-كاتب وباحث

هل يقترح الفايد أفكارا أو مقترحات يمكنها إفادة البلاد والعباد؟

تبادر إلى ذهني هذا السؤال وأنا أسمع الدكتور الفايد يقدم نفسه على منصة اليوتيوب، ليس “كيوتيوبرز” يسري عليه كل ما يتعلق بباقي القنوات. وإنما يقدم نفسه كباحث وأكاديمي وأستاذ جامعي قبل تقاعده. فالمعروف أن الباحث والأكاديمي من النخب التي تُنتج الأفكار وتبدع في التحاليل التي تساعد على التشخيص واقتراح الحلول، من أجل تقدم وازدهار البلاد والمجتمع.

يَعتبر الدكتور الفايد أن السبب الرئيسي في تأخر المغرب وتعثره في التنمية، هو ما يصفه بالكهنوت والتيار السلفي الذي “تغوط ابن تيمية في عقولهم” والكلام هو تعبير الفايد في أحد أشرطته. لكن مع اقتراب الانتخابات، نلاحظ الدكتور الفايد يحاول أن يقتحم المجال السياسي ليقدم نفسه من جديد على أنه محلل سياسي، وبدأ يتحدث عن الحزب الإسلامي وحركة الشيخ في إشارة إلى جماعة العدل والإحسان، لينضافوا إلى أسباب تخلف المغرب عن ركب التنمية حسب فهمه. ومع اقتراب الانتخابات شرع الرجل يتحدث عن ميسي الحزب الإسلامي، في إشارة لرئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية عبد الله بووانو.

ربما ضعف الفايد في الممارسة السياسية، وعدم انخراطه في النضال الطلابي عند ما كان طالبا، ليكتسب مقومات الفكر السياسي، جعله لا يفهم أن الممارسة السياسية وفق القواعد الديمقراطية، تهتم بالحزب الذي يرأس الحكومة وشركائه في التحالف، سواء بالتضامن أو الانتقاد.

لكن الفايد، يريد ممارسة السياسة بشكل غريب لا يوجد في البلدان التي تقدمت بالعلم والمعرفة حسب تعبيره، فراح يتحدث عن المعارضة، مختزلا إياها في الحزب الإسلامي، وكأنه لا يفقه شيئا في الخارطة السياسية لبلد اسمه المغرب. كما أنه في تحليله السياسي، ربما لا يعرف أن الاختلالات إن وُجدت، هي مسؤولية الحزب الحاكم وليس مسؤولية المعارضة.

على الدكتور الفايد، إن أراد ممارسة السياسة كما هي موجودة في البلدان التي تقدمت بالعقل والعلم والمعرفة، أن يستوعب أن المسؤول عن قرارات الشأن العام هو الحزب الحاكم، وأن دور المعارضة هو الرقابة والمحاسبة واقتراح الحلول لتجويد الأداء.

في هذا المقال، سأحاول الجواب عن سؤالين: هل الفايد يقدم أفكارا تساعد على تنمية البلاد؟ وكيف يريد الفايد ممارسة السياسة؟

يبحث الدكتور الفايد عن طريقةلاقتحام مجال الاقتصاد والتنمية، لتقديم أفكار تفتح المجال لتنمية المجتمع. لكن ضعف إلمامه بهذا التخصص، أسقطه في التبسيط والهامشية في الطرح والضعف في الأفكار.

يختزل الفايد أسباب تحقيق التنمية في محاربة فكر الكهنوت والسلفيين، وأن هؤلاء إلى جانب “الحزب الإسلامي” و”جماعة الشيخ” حسب تعبيره، يعرقلون جهود العلمانيين واللادينيين، الذين يقترحون دولة علمانية، تُبعد الدين عن الشأن العام. وفي تحليل تبسيطي يفتقر حتى لأبجديات شروط التنمية، يعتبر الفايد أن تطبيق العلمانية وعزل الدين عن المجتمع والشأن العام، هي شروط كافية لتجعل المغرب في مصاف الدول المتقدمة والنامية.

حسب هذا الفهم للدكتور الفايد، يكفي اعتماد دستور ينص على علمانية الدولة، ويقصي الدين من المجتمع، وربما التنصيص على دولة لادينية، هي شروط كافية لتحقيق التنمية.

إذا كان هذا الفهم له منطق، ليس منطق الرياضيات وإنما فقط المنطق الأرسطي الذي يعود إلى أربعة قرون قبل الميلاد، فإن معظم الدول الإفريقية وهي دول علمانية ودول لادينية، ولم تعرف شيئا اسمه الكهنوت ولا الفكر السلفي، يجب أن تكون متقدمة حسب الفكر التنويري بمفهوم الفايد. والواقع يشهد أنها بلدان علمانية ولادينية، لكنها متخلفة إلى أقصى الحدود في الاقتصاد والمجتمع والسياسة، وغارقة في الفقر والتخلف بعلمانيتها وفكرها لاديني. والمغرب يتفوق عليها بالكثير في مجال التنمية، رغم سيطرت الكهنوت والسلفيين على المجتمع، إن اعتمدنا مجازا ادعاءات الفايد.

بلدان أمريكا اللاتينية هي الأخرى بلدان علمانية وبعضها شيوعية لا تعترف بالدين، ولا وجود في تاريخها لشيء اسمه الكهنوت أو السلفية حسب أفكار الفايد، وهي الأخرى غارقة في التخلف رغم علمانيتها وطبيعتها اللادينية، ويتفوق عليها المغرب بالكثير فيما حققه من تنمية. من بين تلك الدول، أستثني البرازيل والشيلي بعد الإطاحة بنظام الجنيرالبينوشي، التي عرفت كيف تشق طريقها نحو التنمية. فالباقي غارق في الفقر والتخلف بما فيها الأرجنتين كبلد كبير لكنه يعيش أزمة اقتصادية خانقة.

وفي المقابل، نجد في شرق آسيا دولة ماليزيا التي تقدم نفسها كبلد إسلامي أحرز تقدما تنمويا كبيرا، جعلها من بين النمور الآسيوية إلى جانب كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان وهونغ كونغ وإندونيسيا وهي أكبر بلد إسلامي من حيث عدد السكان. وما لا يعرفه الفايد، هو أن الفلبين دولة علمانية، وحوالي 80% من سكانها يعتنقون المسيحية على غرار الدول الأوروبية، ولم تعرف هي الأخرى، شيئا اسمه الكهنوت ولا السلفية، لكنها غارقة في التخلف ويهاجر أبنائها إلى ماليزيا الدولة الإسلامية، بحثا عن الشغل والعيش الكريم.

هكذا يكون الدكتور الفايد لا يطرح فكرا ولا يقترح حلولا، وإنما يضرب أسداسا في أخماس كقارئة الفنجان. فالفكر العلمي، والأطروحة العقلانية، التي تستهوي الفايد كمصطلحات فقط تُزيِّن خطابه، لا يمكن ممارستها بثقافة متردية، وفهم سخيف، وتحليل قائم على الجهل، كما هو حال الفايد.

لو اطلع الدكتور الفايد على الأسباب التي جعلت البلدان المتقدمة تَنجح في نموذجها التنموي، لأدرك أن ما يقوله خارج التاريخ وبعيد عن العقل ولا منطق فيه. من طبيعة الأكاديمي والباحث أنه يتحرى المنهج العلمي ويقوم بالبحوث الضرورية ودراسة التجارب المقارنة، قبل إعلان أي تشخيص أو اعتماد الحلول.

لذلك نقول إن الفايد لا ينتج أفكارا أكاديمية ولا حلولا علمية ولا اقتراحات عقلية، وإنما كل ما يقوله لا يخرج عن دائرة كلام “اليوتيوبز” وتعبيرات وسائل التواصل الاجتماعي، التي يتسلى بها من لا شغل له ثم يرميها في سلة المهملات. لو تحلى الدكتور الفايد بالمنهج الأكاديمي، ودرس أسباب التنمية في تركيا، لارتقى بفكره، ولقدم خدمة لنفسه كي لا يُضيِّع تجربته الأكاديمية في كلام اليوتيوب الذي لا قيمة معرفية له.

هل يعرف الفايد أن تركيا في بداية الألفية الثالثة، كانت على حافة الإفلاس. 22 بنكا أعلنوا إفلاسهم-معدل النمو وصل ناقص 6،5%-معدل البطالة فاق 60% -التضخم بلغ سقف 70% وأكثر من 50% من الشعب التركي يعيش تحت خط الفقر. والسبب هو نظام عسكري يعيش بالانقلابات المتتالية وانتشار الفساد وسوء التدبير.

في 2022 وصل حزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى السلطة، وجعل في ظرف وجيز تركيا تحتل الرتبة 16 عالميا كأقوى اقتصاد، وتمكن من مضاعفة الدخل الفردي 3 مرات، وبقيت القصة ربما يعرفها الجميع إلا الدكتور الفايد. هذا الإنجاز لم يتحقق لأن السلطة كانت بيد حزب إسلامي، وإنما تحقق لأن شروط التنمية كانت حاضرة في تركيا وعلى رأسها: القيادة الرشيدة المتمثلة في الرئيس رجب طيب أردوغان-الاستقرار السياسي بعد فترة طويلة من الانقلابات-استراتيجية تنموية محكمة ناجعة وفعالة. ربما سي الفايد لا يعرف أن بداية قصة التنمية في تركيا بدأت حين أعلن أردوغان وهو حينها رئيس بلدية اسطنبول، أنه سيجعل من بحر البوسفور مركزا سياحيا عالميا، في وقت كانت فيه قنوات الصرف الصحي تصب في هذا البحر الذي لا يستطيع أحد المرور بجانبه بسبب الرائحة الكريهة.

لا يمكن للفايد معرفة كيفنجحت بعض البلدانفي تحقيق طفرتها التنموية، لأن مصطلح “الإسلامي” يحجب عنه الرؤية العقلية ويجعله يسقط بفكره في قاع التخلف والرداءة الفكرية.هذا هو “التغوط” الذي يجب إزالته من عقل السي الفايد ليعرف حكاية التنمية في البلدان المتقدمة، وليس ما وصفه في أشرطته ب”تغوط ابن تيمية في عقول السلفية”.

فالبحث العلمي والمنهج الأكاديمي والفكر العقلاني، هي مناهج تنويرية عقلانية وليست عناوين فارغة يكررها الفايد في منصته على اليوتيوب. هنا أستحضر جملة شهيرة للفيلسوف سقراط حين وقف أمامه شخص بثياب أنيقة وشعر مرتب ورائحة عطر جميلة، فقال له سقراط بلباسه المرقع وهو حافي القدمين “تكلم لأراك”. فترديد عبارات “نحن الأكاديميين…نحن العلماء…نحن المتخصصين…” كما يفعل الفايد، لا تجعل من القائل لا أكاديميا ولا باحثا، وإنما تجعله في صنف من قال له سقراط “تكلم لأراك”.

لقد اقتحم السيد الفايد مجالا لا يفقه فيه إلا العناوين، وهو ما جعله يسقط في التبسيط والهامشية في التفكير والابتعاد عن العقلانية والضوابط العلمية. والنتيجة إدخال عناصر لا تمت بصلة لموضوع التنمية، واستعمال أسلوب “خَلَطَ جَلَطَ” في قضايا تنموية، وهو ما يفعله الدكتور الفايد الذي يتقن جيدا محادثة الطائرة التي سقطت في الحديقة. فالتنمية تقوم على العديد من الأسس، ولأنها ليست موضوع المقال، نكتفي بذكر ثلاثة أسس: القيادة الرشيدة والاستقرار السياسي واستراتيجية تنموية ناجعة وقابلة للتحقيق ومنسجمة مع شروط المجتمع وطبيعة الدولة. وأضيف مبدأي الاندماج والتكامل الضروريين في أي مشروع اقتصادي وتنموي. كما أدعو الفايد إلى الاطلاع على هذه المبادئ في الاقتصاد وشروط التنمية، ليمارس العقلانية والبحث الأكاديمي “بقواعدو” وليس بثقافة “التغوط”.

ويمكن للفايد إسقاط هذه الأسس الثلاثة على أي بلد، وسيعرف هل هو بلد نام أم بلد متخلف. هذه هي العقلانية، وهذا هو البحث الأكاديمي، وهذا هو مستوى الأستاذ الجامعي، وليس تفاهات “تغوط ابن تيمية في عقول السلفية” مهما غلفها صاحبها بعناوين العقلانية والتنوير والعلوم الكونية. فالعلوم نمارسها في الواقع، والفايد إنما يفتري على هذه العلوم الكونية التي تتبرأ منه.

إنه فعلا الفقر الفكري والضعف العلمي الذي يتصف به الفايد وهو ما أوقعه في مثل هذه الحماقات التي لا يمكن أن يفهمها عقل البلدان المتقدمة ولا تفكير الدول النامية.

مع اقتراب الانتخابات، لا حظنا محاولة الفايد الظهور كمحلل سياسي، وكشخص يفهم في السياسة. لكنه كما ارتكب حماقاته بالحديث عن التنمية، ارتكب حماقات أكبر وهو يحاول الحديث في الشأن السياسي.

ربما لا يعرف السيد الفايد أن السياسة هي مواقف وليست ممارسة الجبناء. حين تضيع الحقوق، وتفشل السياسات، فإن السياسي يتجه رأسا للحكومة وللوزير المشرف على القطاع. لكننا نرى الفايد لا يجرأ على الحديث عن الحكومة، ولا يتحدث عما يشغل معظم المواطنين من مواضيع متعلقة بالفراقشية الذين تسببوا في الغلاء، ولا في تضارب المصالح الذي إن حدث في البلدان التي تقدمت بالعلم والمعرفة والعقلانية، لما استمرت الحكومة ولو دقيقة واحدة. السياسة التي يريد ممارستها الفايد هي سياسية الهروب خوفا من الحكومة ومطاردة المعارضة لأنها لا سلطة لها.

إنها الممارسة السياسية الجبانة التي تبتعد عن أصل الداء، وتنتهج سبيل الضعفاء بتحميل المسؤولية للكهنوت وللسلفيين واختزال المعارضة في الحزب الإسلامي مع تحميله مسؤولية الإخفاقات، والكل يعلم أن هؤلاء لا سلطة لهم ولا قرار في حوزتهم.

أتحدث عن الجبن في الممارسة السياسية، لكون الفايد يقر بأنه لا ينتمي لأي حزب، ويوجه انتقاداته خارج السياق السياسي لحزب بعينه. وكلامه واضح في دعمه لأحزاب الأغلبية الحكومية. هذا ما يقوم به ثلة من الجبناء، يُخفون ميولاتهم السياسية وانتماءاتهم الحزبية، ليتسنى لهم انتقاد حزب معين باسم الاستقلالية والموضوعية.

ما لا يعرفه الدكتور الفايد في السياسة، هو أن أول حروفها الهجائية هي الوضوح. فعليه أن يقول للمشاهدين من هو، وما موقعه في الخارطة الحزبية للبلاد، ليكون له موقع معلوم في الخارطة السياسية. فالادعاء بعدم الانتماء السياسي، وتوجيه مدفعية الانتقاد المضلل لحزب معين، فهي حلية يعرفها المواطن المغربي جيدا، وأعطاها عنوانا مفيدا “إخفاء الانتماء السياسي هو خدمة أجندات معلومة”.

في الختام نقول، من حق السيد الفايد أن يعبر عن آرائه وأفكاره كما يريد. لكنها آراء تبقى في حدود “يوتيوبرز” يُنتج أشرطة ويجتهد في تقوية المشاهدات ولو استعان بأفكار روتيني اليومي من قبيل تعبير “التغوط”. لكن لا يمكنه الادعاء بأنه يتحدث بصفة أكاديمية وكباحث، لأن هذه النخبة لها دورها في المجتمع بإنتاج الأفكار وإبداع المعرفة وفق الضوابط العقلانية والعلمية، وليس بضوابط روتيني اليومي الذي يخلق الرداءة والانحطاط المعرفي كما هو حال اليوتيوبرز الفايد.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x