لماذا وإلى أين ؟

الملك محمد السادس وقضية الصحراء المغربية… من مبادرة 2007 إلى التحول الدولي

بقلم: حبيل رشيد

أي بعد ثمانية عشر عاماً فقط… من لحظة تقديم المملكة المغربية لمبادرة الحكم الذاتي إلى مجلس الأمن سنة 2007 كمقترح سياسي واقعي لتسوية الخلاف الإقليمي حول الصحراء المغربية… كانت المنطقة قد قطعت مسافة طويلة بين زمن كانت فيه القضية تُدار بمنطق المناكفة والانتظار والمراوحة… وزمن أصبحت فيه المبادرة المغربية تتحول تدريجياً إلى مرجعية تفاوضية ذات ثقل دولي… وفي هذا المسار الطويل ظهرت عبقرية الملك محمد السادس في شيء أشبه بما يفعله قائد عسكري محنك عندما يدرك أن المعركة الكبرى لا تُحسم دائماً بأعلى صوت… وإنما بإعادة ترتيب الخريطة، وتغيير مواقع القطع، واستنزاف خصم يعيش على وهم اللحظة… حتى يجد نفسه أمام واقع جديد صنعته السنوات…

كان المغرب يعرف منذ البداية أن معركة الصحراء المغربية لن تكون معركة يوم واحد… ولا مواجهة خاطفة تنتهي بإطلاق صافرة… وإنما كانت أشبه بحرب مواقع طويلة، كل خطوة فيها تحتاج إلى نفس استراتيجي، وكل قرار فيها يشبه تحريك قطعة فوق رقعة شطرنج واسعة تمتد من العواصم إلى مجلس الأمن، ومن الدبلوماسية إلى الاقتصاد، ومن الاعتراف السياسي إلى التنمية الميدانية… ولذلك جاءت مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 كجندي يدخل ساحة المعركة مزوداً بدرعه السياسي، حاملاً فكرة قابلة للحياة، ومسنوداً بمنطق الواقعية والمرونة والتسوية… فيما كان الطرف الآخر يراهن على الزمن حتى ظن أن الزمن يعمل لحسابه… فإذا بالزمن نفسه يتحول إلى شاهد على تآكل الوهم…

في البداية… كان الطريق يبدو طويلاً، متشعباً، محفوفاً بالمناورات والاعتراضات والمراوغات الدبلوماسية… وكانت جبهة البوليساريو تراهن على إعادة إنتاج الخطاب نفسه، وتدوير الشعارات ذاتها، واستحضار خرائط قديمة كلما تغيرت موازين العالم… فيما كانت الجزائر، الجار الذي اختار أن يحمل خصومة سياسية طويلة على كتفيه، تدفع بالملف نحو متاهة جديدة كلما اقترب من باب التسوية… وكأن المنطقة أصبحت أمام مسافر يصر على العودة إلى الطريق نفسه رغم أن الطريق انتهى منذ زمن… لكن السياسة، كما الحرب، تعرف قاعدة قاسية: الجندي الذي يكرر الخطة نفسها أمام قائد يغير مواقعه باستمرار يتحول مع الوقت إلى أسير لعادته…

وكانت عبقرية الملك محمد السادس تكمن في إدراك هذه الحقيقة… فالمعركة حول الصحراء المغربية لم تُختزل في البيانات والخطب، وإنما انتقلت تدريجياً إلى بناء واقع سياسي واقتصادي ودبلوماسي يجعل التسوية أكثر قابلية للتصور… المدن تتغير، البنية التحتية تتوسع، الاستثمارات تتدفق، والعلاقات الدولية تتحرك… وكأن المغرب كان يبني في الميدان ما يريد أن يثبته في طاولة التفاوض… لأن أقوى ورقة في يد السياسي عندما تشتد المساومات هي واقع قائم يستطيع العالم رؤيته وقياسه، لا مجرد وعد ينتظر المستقبل…

وبعد سنوات من شد الحبل… جاءت لحظة 31 أكتوبر 2025… حين اعتمد مجلس الأمن القرار 2797، وفق المعطيات التي أوردتها، وجاءت مبادرة الحكم الذاتي كأساس وحيد للتفاوض من أجل التوصل إلى حل نهائي لهذا الخلاف… وهنا تغير المشهد كما تتغير ساحة المعركة عندما يسقط آخر ساتر كان يحجب رؤية المواقع… فالمبادرة التي قدمت قبل ثمانية عشر عاماً لم تعد مجرد ورقة مغربية موضوعة على طاولة دولية… وإنما أصبحت في صلب المسار الذي يفترض أن يقود إلى التسوية…

وفي تلك اللحظة تحديداً… جاء خطاب الملك محمد السادس إلى الأمة كإشارة قائد يتابع المعركة من غرفة عمليات واسعة، يعرف متى يتقدم ومتى يترك للوقائع أن تتحدث… فوصف جلالته التطور بأنه مرحلة مفصلية ونقطة تحول حاسمة في تاريخ المغرب الحديث… وشكر الدول التي ساندت المقترح المغربي، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا… ثم فتح باباً آخر أكثر ذكاءً من مجرد الاحتفال بالنصر السياسي… باب العودة، والمشاركة، والتنمية، والعيش المشترك في إطار الحكم الذاتي…

ففي الحروب الطويلة… عندما تنحصر مجموعة من الجنود داخل منطقة شديدة التضييق، ويصبح الذخيرة والوقت والخيارات كلها محدودة… يبدأ الجندي في البحث عن منفذ صغير بين الصخور… وقد يأتي الفرج من اتجاه لم يكن في الحسابات الأولى… وهكذا تحرك المغرب خلال هذه السنوات… لم ينتظر ضربة واحدة تقلب الطاولة، وإنما راكم المواقع، ووسع شبكة العلاقات، وثبت المواقف، وراكم الاعترافات، وترك خصومه يستهلكون طاقتهم في إعادة إنتاج الموقف نفسه… حتى أصبح السؤال مع مرور الوقت أقل ارتباطاً بإعادة فتح الملف من بدايته… وأكثر ارتباطاً بكيفية الوصول إلى نهايته…

والأخطر بالنسبة إلى خصوم المغرب… أن المعركة خرجت تدريجياً من حدود الخطاب التقليدي… فالصحراء المغربية أصبحت مرتبطة بموانئ وطرق واستثمارات ومشاريع وتنمية وأمن إقليمي وتعاون إفريقي… أي أن الأرض التي كانت تُقدَّم في بعض الخطابات باعتبارها ملفاً مجمداً أصبحت تتحول إلى ورش مفتوح… والورش المفتوح يصعب إقناعه بأنه مجرد قضية معلقة في الهواء… لأن الإسمنت والطرق والموانئ والمطارات والاستثمارات لا تتحدث لغة البيانات السياسية، وإنما تتحدث لغة الواقع…

أما جبهة البوليساريو… فقد ظلت تدور داخل دائرة سياسية ضيقة، تستعيد اللغة نفسها، وتعيد إنتاج التصورات نفسها، وتراهن على أن الزمن يمكن أن يظل مجمداً… بينما الزمن في السياسة يشبه الرمال المتحركة… من يقف فوقها طويلاً يكتشف متأخراً أن الأرض التي ظنها ثابتة بدأت تتحرك من تحته…

والجزائر… بحكم موقعها ودورها في هذا النزاع… وجدت نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ فالمغرب لم يضع أمامها خطاباً عدائياً مغلقاً، وإنما فتح في خطاب الملك محمد السادس نافذة للحوار مع الرئيس عبد المجيد تبون، من أجل تجاوز الخلافات، وبناء علاقات جديدة، وإحياء الاتحاد المغاربي على أساس الاحترام المتبادل والتعاون والتكامل… وهي خطوة تشبه ما يفعله القائد بعد إحراز تقدم في المعركة حين يمد يده إلى الطرف الآخر، لا من موقع الضعف، وإنما من موقع من يريد تحويل الانتصار التكتيكي إلى استقرار استراتيجي…

ثم جاءت الدعوة إلى سكان مخيمات تندوف… دعوة للعودة إلى الوطن الأم والمشاركة في التنمية الوطنية في إطار الحكم الذاتي… وكأن الرسالة تقول إن نهاية النزاع لا ينبغي أن تكون حفلاً لتوزيع الغنائم، وإنما بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها الإنسان إلى مركز القضية… فالحدود يمكن أن تتغير، والخرائط يمكن أن تتبدل، والتحالفات يمكن أن تتحول، أما الإنسان الذي عاش سنوات طويلة في انتظار مخرج سياسي فهو وحده الذي يدفع فاتورة الجمود…

وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة… فالذين راهنوا طويلاً على أن المغرب سيمل من المعركة وجدوا أنفسهم أمام مغرب أكثر حضوراً… والذين اعتقدوا أن المبادرة ستبقى وثيقة دبلوماسية في أرشيف مجلس الأمن شاهدوها وهي تتقدم سنة بعد أخرى… والذين تعاملوا مع الزمن باعتباره حليفاً اكتشفوا أن الزمن قد يكون أخطر خصم عندما يكون الطرف المقابل قادراً على تحويل كل سنة إلى تراكم جديد…

وفي مساء ذلك التحول التاريخي… كان الخطاب الملكي يأتي ليؤكد للمغاربة جميعاً أن الصحراء المغربية ستظل قضية وطنية مركزية، وأن مسار الدفاع عنها يتخذ في كل مرحلة أدواته المناسبة… مرة بالدبلوماسية، ومرة بالتنمية، ومرة ببناء التحالفات، ومرة بإعادة صياغة لغة التفاوض… لأن الدول الكبرى لا تنتصر دائماً عندما تربح معركة واحدة، وإنما عندما تجعل مجموع المعارك الصغيرة يصب في اتجاه استراتيجي واحد…

ثمانية عشر عاماً مرت منذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي… ثمانية عشر عاماً من المناورة، والانتظار، والتفاوض، والشد والجذب، وإعادة ترتيب الأوراق… وفي نهاية الطريق ظهرت الصورة أكثر وضوحاً؛ جندي مغربي حمل بندقيته السياسية طوال هذه السنوات، تقدم خطوة ثم توقف، راقب، أعاد التموضع، بنى خطوط الإمداد، وسع دائرة الحلفاء، ثم واصل السير… وفي الجهة المقابلة جنود ما زالوا يفتشون عن المعركة القديمة في الخريطة القديمة…

وهكذا… عندما تضيق الخنادق، وتستنفد الذخيرة، وتتراجع الخيارات، ويبدو المخرج بعيداً خلف دخان المعركة… لا يحتاج القائد الحقيقي إلى الصراخ؛ يحتاج إلى أن يعرف أين وضع قدميه، وإلى أي اتجاه تتحرك الأرض… وفي السياسة كما في الحرب، قد يتأخر الحسم كثيراً… لكنه عندما يأتي، يجعل سنوات الانتظار كلها تبدو كأنها كانت جزءاً من الخطة.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x