لماذا وإلى أين ؟

رئيس علماء المسلمين بأوروبا :قد يكون الفايد مخطئاً.. لكن منتقديه مخطئون أيضاً

دخل نورالدين طويل، رئيس مجلس علماء المسلمين في بلجيكا وأوروبا والمملكة المتحدة، على خط الجدل المتواصل حول تصريحات الدكتور محمد الفايد بشأن مفهوم “أمية الرسول صلى الله عليه وسلم”، مؤكداً في تصريح لصحيفة “آشكاين” الإلكترونية أن المقارنة في هذه القضية تستوجب التفريق بين نقد أفكار الفايد وبين طريقة التعامل معه كشخص.

وقال طويل إن تدوينة الفايد الأخيرة، أثارت موجة واسعة من الانتقادات، وصلت بعض الدعوات إلى المطالبة بالمساءلة القانونية، بينما رأى آخرون أن كلامه يحتاج إلى نقاش علمي وفهم سياقه، خصوصاً أنه قدم توضيحاً لمقصده. وأوضح رئيس مجلس علماء المسلمين أنه إذا أريد جعل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم معياراً للتعامل مع القضية، فهناك عدة أمور ينبغي الانتباه إليها.

وفي مقدمتها، بحسب طويل، أن “الرد على الخطأ لا يعني إهانة المخطئ”، مشيرا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصحح الأخطاء ويبين الحق بوضوح، لكنه لم يجعل الدعوة إلى الله قائمة على التشهير والسب والتحقير. مستشهدا في هذا السياق بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، مؤكداً أن الحكمة وحسن الجدال يظلان أصلاً شرعياً حتى عند وجود خطأ عقدي أو فكري.

وفي النقطة الثانية، شدد طويل على أنه “لا ينبغي أن يتحول الدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى غضب شخصي”. وقال إنه إذا أخطأ شخص في حق النبي، فمن الطبيعي أن يشعر المسلم بالغيرة على مقام النبوة، لكن السؤال المهم هو:”كيف ننتصر للنبي بالطريقة التي كان هو نفسه سينتصر بها للحق؟”. وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فظاً، ولم يكن أسلوبه قائماً على التشفي، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

أما النقطة الثالثة، فيرى طويل أنها شديدة الأهمية في قضية الفايد، وهي أن “الحكم على القول شيء، والحكم على الشخص شيء آخر”. موضحاً أنه يمكن للعالم أن يقول :”هذا القول خطأ، ومخالف لما عليه جمهور أهل العلم، والدليل كذا وكذا”. لكن، يضيف طويل، أن الانتقال من ذلك إلى مخاطبة الشخص بعبارات من قبيل :”أنت كذا وكذا، وأنت عدو للدين، وأنت كافر…”، يحتاج إلى ضوابط علمية وقضائية وشرعية دقيقة، وليس إلى انفعال وسائل التواصل الاجتماعي.

وأشار المتحدث إلى أن بعض التغطيات الحالية نفسها تشير إلى أن الجدل انتقل من مناقشة معنى “الأمية” إلى مطالبات بالمساءلة وربط القضية بأحكام خطيرة.

وفي ما اعتبره “درساً آخر من قضية الفايد”، شدد رئيس مجلس علماء المسلمين على أن الدكتور الفايد ليس عالماً شرعياً لمجرد كونه دكتوراً في تخصصه، لكنه في المقابل يرى أنه ليس من الحكمة إسقاط قيمته العلمية في مجال تخصصه لأنه أخطأ أو خاض في مسائل شرعية.

ويرى طويل أن الأصل أن يقال للفايد :”أنت متخصص في التغذية والعلوم الغذائية، وهذه المسألة من مسائل العقيدة والتفسير واللغة والتراث الإسلامي، ولذلك ينبغي أن تُناقش بأدواتها ومراجعها وأهل الاختصاص فيها”. معتبراً أن هذا الموقف أكثر إنصافاً من تحويل الخلاف إلى معركة شخصية، مشيراً إلى أن الفايد سبق أن أصدر توضيحات عندما أسيء فهم بعض تصريحاته، ومنها توضيحه لعبارة “ليس لدينا علماء”، واعتذاره للمجلس العلمي الأعلى آنذاك.

وفي حديثه عما كان يمكن أن يفعله الدعاة، قال طويل إن المنهج الأقرب إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو أن يجتمع عدد من العلماء المتخصصين مع الفايد، وأن يقولوا له مثلاً :”يا دكتور محمد، نحن نحترم تخصصك ومكانتك، ولكنك دخلت في مسألة شرعية لها أصولها ومصادرها، ونختلف مع تفسيرك لهذه المسألة، ونريد أن نناقشك فيها بهدوء، ونضع أمامك الأدلة من القرآن والسنة واللغة وتفسير العلماء، ونسمع منك أيضاً قصدك ومصادرك”.

وبحسب طويل، فإذا ثبت خطأ الفايد، فإن المنهج الصحيح هو أن “يُبيَّن الخطأ، ولا يُهدم الإنسان”، وإذا كان كلامه يحتمل أكثر من معنى، فإنه يرى أن “يُستفصل منه قبل إصدار الأحكام”، معتبراً أن هذا “أقرب إلى العدل”.

وفي ختام تصريحه، قال رئيس مجلس علماء المسلمين بأوروبا إنه لا يرى أن الدفاع عن رسول الله يكون بتحويل المجتمع إلى معسكرين :”علماء ضد الفايد، أو الفايد ضد العلماء”. وأضاف أن هذا بالضبط هو النوع من الاستقطاب الذي تستفيد منه وسائل التواصل الاجتماعي، داعياً إلى اعتماد مقاربة تقوم على القول :”نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونذب عن سنته، ونرد الخطأ، لكن بأخلاق رسول الله”.

وشدد على أنه إذا كان المخالف قد أساء، فلا ينبغي الاقتداء بإساءته، وفي المقابل فإن إساءة بعض الدعاة في طريقة الرد لا تعني أن كلام الفايد أصبح صحيحاً. مؤكدا أنه :”يمكن أن يكون الفايد مخطئاً في مسألة، وفي الوقت نفسه يكون بعض منتقديه مخطئين في أسلوب التعامل معه”.

وأضاف أن العدل يقتضي الاعتراف بالأمرين معاً، معتبراً أن قضية الفايد يمكن أن تكون درساً للدعاة والعلماء في أوروبا والمغرب حول كيفية الاختلاف اختلافاً عقدياً وفكرياً عميقاً، “دون أن نفقد أخلاق النبوة في الحوار”.

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x