لماذا وإلى أين ؟

وزارة العدل لم يرخص لها القانون إصدار الرقم الوطني المهني

عبد الكبير طبيح

منذ دخول قانون المسطرة المدنية رقم 58.25 حيز التنفيذ بعد 23/08/2026، أصبحت المادة 77 الخاصة بالمقال الافتتاحي، والمادة 216 الخاصة بالمقال الاستئنافي، والمادة 377 الخاصة بمقال النقض، تنص كل منها على ما يجب أن تتضمنه تلك المقالات على اختلاف الغرض منها، وعلى وجوب ذكر (الرقم الوطني) للمحامية أو المحامي عندما يُقَدَّم ذلك المقال من قبل هذه المحامية أو هذا المحامي، وذلك تحت طائلة عدم القبول؛ إذ تنص مثلاً المادة 77 في الفقرة رقم 5 منها على ما يلي:

“يتضمن المقال، تحت طائلة عدم القبول:

الاسم الشخصي والعائلي لمحامي المدعي ورقمه الوطني والهيئة التي ينتمي إليها، وعنوان بريده الإلكتروني، في حالة تقديم الدعوى بواسطة محام؛”

وهذه المادة تطرح إشكالين:

الأول: حول من هي الجهة التي كلفها وأهلها ورخص لها القانون تحديد الرقم الوطني.

الثاني: حول هل جزاء عدم القبول منصب على الدعوى والطلب الذي يهم المتقاضي، أم منصب على توكيل المحامي من قبل المتقاضي.

هذه الإشكالات هي ما سنحاول مقاربة الجواب عنها.

بخصوص الجهة التي كلفها وأهلها ورخص لها القانون تحديد الرقم المهني الوطني

من المعلوم أن الرقم المهني الذي يُذكر بجانب اسم كل محامٍ في جدول المحامين لأي هيئة من هيئات المحامين هو توثيق للأسبقية الزمنية في ممارسة مهنة المحاماة. هذه الأسبقية تم تعريفها وتسميتها بالأقدمية، فأصبحت الأقدمية قيمة مهنية من أهم القيم والأعراف التي تتميز بها مهنة المحاماة؛ لأنها تشرف كل السابقين زمنياً في ممارسة هذه المهنة، فالقيدوم من المحامين هو محامٍ يحظى بتشريف كبير من جميع زملائه.

ولا يمكن أن تُختَزل الأقدمية في رقم تسجيل تخلقه وزارة العدل؛ لأن تحديد الهوية بواسطة الأرقام مخصص لتسجيل السيارات وأشكالها، ومخصص لتسجيل السجناء وأنواعهم، ولأن المحامي هو من أسرة القضاء فهو يُعرَف باسمه وبترتيب أقدميته التي يحددها له مجلس هيئة المحامين التي اختار الانتماء إليها، وليس برقم تسجيل.

والأقدمية في ممارسة مهنة المحاماة لم تبقَ فقط عنصراً مادياً رقمياً يحدد تاريخ بداية الممارسة بالنسبة للمحامي، بل أصبحت في الدول العريقة التي نشأت وترعرعت فيها هذه المهنة والتي أخذنا عنها الكثير من قيمها وأعرافها من القيم الكبرى المؤسسة لمهنة المحاماة، والتي ينظر إليها الجسم المهني وغيره بكثير من الاعتبار والتقدير والاحترام، فهي القيمة الأولى والعرف الأول الذي تحيا به مهنة المحاماة.

لذلك أسند قانون المهنة السابق رقم 28.08 مهمة تسجيل وترتيب المحامين، أي تحديد من هو الأقدم بينهم، لمجلس الهيئة التي ينتمي إليها المحامي وحده، وفقاً لما كان منصوصاً عليه في المادة 91 منه.

وهي المهمة التي أكد عليها قانون مهنة المحاماة الجديد رقم 58.25 الذي أسند هذا الاختصاص بشكل حصري لمجلس الهيئة في مادته 121 التي تنص على ما يلي:

“يقوم مجلس هيئة المحامين في نطاق اختصاصه الترابي، علاوة على المهام المسندة إليه بموجب باقي مواد هذا القانون، بما يلي:

6- ترتيب المحامين المسجلين في الجدول حسب أقدميتهم؛”

ويتبين إذن أن القانون أسند مهمة تسجيل وترتيب المحامين حسب أقدميتهم لمجلس هيئة المحامين وحده وليس لوزارة العدل، بل إنه منع وزارة العدل من التدخل في ذلك التسجيل أو الترتيب، وجعلها تنتظر إلى أن يبلغها مجلس الهيئة بذلك الجدول لتقوم بنشره في موقعها، وذلك وفقاً للمادة 25 من القانون 58.25 والتي تنص على ما يلي:

“يقوم مجلس الهيئة بحصر الجدول في متم شهر مارس من كل سنة، ويوجهه في صيغة ورقية وإلكترونية إلى السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، ولرؤساء كتابة الضبط، ورؤساء كتابات النيابة العامة بكل من محكمة النقض ومحاكم الدرجة الثانية ومحاكم الدرجة الأولى التابعة لدائرة كل محكمة من محاكم الاستئناف التي تتواجد بها الهيئة.

يتضمن الجدول الاسم الكامل للمحامي وجنسيته ورقمه المهني الوطني، المسلم له من مجلس الهيئة التي ينتمي إليها، وتاريخ تسجيله بالجدول وعنوان مكتبه ورقم هاتفه وبريده الإلكتروني وكيفية ممارسته للمهنة طبقا للمادة أدناه.

يمكن للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل نشر الجدول المذكور بموقعها الإلكتروني فور التوصل وتحيين هذا النشر سنوياً.”

ويتبين من المادة 25 المشار إليها أعلاه:

أن القانون حدد الجهة المؤهلة حصرياً في تحديد الرقم المهني الوطني لكل محامٍ في مجلس الهيئة التي ينتمي إليها وليس لا لوزارة العدل ولا أي جهة أخرى، ولم يؤهل وزارة العدل لإصدار أي معلومات حول الرقم المهني الوطني للمحامين، بل حصر حتى مهمة تسليم ذلك الرقم المهني في مجلس الهيئة وحده.

أن القانون أهل مجلس الهيئة وحده، وليس وزارة العدل، بأن يكاتب مباشرة وبدون أي وساطة وزارة العدل، والرئيس الأول لمحكمة النقض، والرؤساء الأولين لمحاكم الدرجة الثانية، ورؤساء محاكم الدرجة الأولى، وأن يبعث لهم بجدول المحامين مرتبين حسب أقدميتهم ومذكوراً فيه الرقم الوطني لكل محامٍ.

وبذلك فإن القانون حدد بشكل حصري وواضح الجهة المؤهلة لتحديد الرقم المهني الوطني في مجلس الهيئة وليس في وزارة العدل.

وحتى لا يُرَدَّ على ما سبق بأن كل هيئة رتبت المحاميات والمحامين المنتمين إليها فكيف يحدد الرقم المهني الوطني؟

للجواب عن هذا التساؤل يجب الرجوع إلى مسودة، وليس مشروع، قانون المسطرة المدنية التي عرضتها وزارة العدل للنقاش منذ سنة 2016، وأشارت تلك المسودة إلى وجوب ذكر الرقم المهني الوطني للمحامي في المقال الموقع من قبله.

وأذكر أني طرحت تساؤلاً حول معنى الرقم المهني الوطني ومن له الصفة في منحه، في ندوة حول تلك المسودة شاركت فيها إلى جانب ممثل وزارة العدل آنذاك الأستاذ الجليل بنسالم أوديجا.

ولقد تبين فيما بعد أن ذكر الرقم المهني الوطني في مسودة قانون المسطرة المدنية كان منسجماً مع مسودة لقانون آخر كان هو قانون مهنة المحاماة التي لم تكن منشورة ولا متاحة، تلك المسودة التي كانت تتحدث عن المجلس الوطني لهيئات المحامين والذي كان مقرراً أن يُسْنَد له تحديد الرقم المهني الوطني لكل المحامين بالمغرب. فكانت هذه المهمة من بين أسباب الاعتراض على إحداث المجلس الوطني إلى جانب أسباب أخرى ليس هذا المقال هو مجال الحديث عنها، لأن كل هيئة مستقلة بجدولها، وجدول الهيئة هو عنوان استقلالها، وترفض أن تكون تابعة لأي هيئة أخرى.

وبعد حذف المجلس الوطني من قانون المحاماة أثناء المشاورات مع وزير العدل، انتقلت مهمة تحديد الرقم المهني الوطني إلى مجلس كل هيئة من الهيئات من جهة، وزاد من تأكيد استقلالية كل هيئة عندما أصبحت كل هيئة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي وفقاً للمادة 116 من القانون 58.25 التي ورد فيها ما يلي:

“تتمتع كل هيئة بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وتعتبر الممثل القانوني للمحامين المنتسبين إليها.”

ولهذه الأسباب القانونية الواضحة التي تنص على أن الرقم المهني الوطني يحدده مجلس الهيئة، فإن الرقم المهني الوطني القانوني لكل محامٍ ومحامية هو رقمه المهني المسجل بجدول الهيئة التي ينتمي إليها مضافاً له اسم المدينة التي توجد بها هيئته. وكمثال على ذلك أن يُذْكَر في المقال:

“الأستاذ عبد الكبير طبيح المحامي بهيئة الدار البيضاء رقمه المهني 349/1.”

وهذا الرقم مسلم لي من هيئة المحامين بالدار البيضاء كما يتبين من البطاقة المهنية الخاصة بي.

فالترتيب الوطني للرقم المهني يتحقق من المدينة التي توجد بها الهيئة التي تنتمي لها المحامية أو المحامي، ولا يمكن أن يتحقق الترتيب الوطني بترقيم أو أحرف لاتينية المخصصة لتسجيل ترقيم السيارات.

لذا في تقديري، تقوم كل هيئة من هيئات المحامين بتبليغ جدول مذكور فيه أسماء المحاميات والمحامين مرتبين حسب أقدميتهم بالرقم الموجود حالياً في كل هيئة ومذكور فيه اسم المدينة التي توجد بها هيئة المحامين، إلى كل من الرئيس الأول لمحكمة النقض والرؤساء الأولين لمحاكم الدرجة الثانية ورؤساء محاكم الدرجة الأولى ولوزارة العدل.

وهكذا يتبين من نصوص القانون أن وزارة العدل لم يكلفها ولم يؤهلها ولم يرخص لها القانون لا بترتيب المحامين وطنياً، ولا بمراسلة الرئيس الأول لمحكمة النقض، ولا باقي رؤساء محاكم الدرجة الثانية أو الأولى بخصوص ذلك الجدول.

بخصوص جزاء عدم القبول

تنص المادة 77 من قانون المسطرة المدنية التي تنظم المقال الافتتاحي، والمادة 216 من نفس القانون التي تنظم المقال الاستئنافي، والمادة 377 من نفس القانون التي تنظم مقال النقض، إلى أن عدم ذكر الرقم الوطني للمحامي في تلك المقالات يؤدي إلى عدم القبول، إذ ورد في تلك المواد كلها ما يلي:

“يتضمن المقال، تحت طائلة عدم القبول…”

وهنا يطرح التساؤل التالي: هل جزاء عدم القبول يُعَاقَب به المحامي أم المتقاضي؟ أو بمعنى آخر: هل جزاء عدم القبول منصب على مقال الدعوى أو الطعن، أم منصب على توكيل المحامي؟

إن مبرر طرح هذا التساؤل يجد سنده في قواعد الإنصاف والعدل وشروط تحقيق المحاكمة العادلة، لذا فإن هذه القواعد تُحَمِّل المتقاضي جزاء عدم قبول دعواه عندما يخل هو أو تخل دعواه بأحد الشروط المتطلبة قانوناً لصحة الدعوى.

لذا فإنه ليس من العدل في شيء أن نُحَمِّل المتقاضي جزاء عدم قبول دعواه التي يكون قد أدى عليها مصاريف قضائية باهظة بسبب عدم ذكر الرقم المهني لمحاميه.

والقضاء المغربي له عدة اجتهادات في حماية المتقاضين حتى أمام وجود نص قانوني، عندما لا يتلاءم ذلك النص القانوني مع مبادئ العدل والإنصاف والحقوق الطبيعية العادلة، ومنها ألا نحمل المتقاضي جزاء عدم قبول دعواه بسبب خارج عن إرادته ولا يد له فيه، وهو عدم ذكر الرقم الوطني لمحاميه.

لكن وهذا هو المهم، هل يمكن للمحكمة أن تصرح بعدم قبول دعوى المتقاضي بسبب عدم ذكر (الرقم الوطني) للمحامي في مقال الدعوى، مع أنه لا وجود لأي نص قانوني يتكلم أو ينظم ما سُمِّي بـ(الرقم الوطني) المذكور في قانون المسطرة المدنية؟

ذلك لأن قانون مهنة المحاماة يتكلم على (الرقم المهني الوطني) وليس على (الرقم الوطني)، لأن الرقم الوطني هو تسمية خاصة برقم البطاقة الوطنية المسلمة لكل مغربي ومغربية، بينما الرقم المهني الوطني هو رقم خاص وحاجة مادية رقمية لترتيب المحاميات والمحامين حسب أقدميتهم.

لذا سننتظر كيف سيتعامل القضاء مع هذا الإشكال غير المسبوق الذي أتى به قانون المسطرة الجديد.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين وإنما عن رأي صاحبها

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x