2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
“الترحال السياسي” يرعب منتخبين من رفض لوائحهم لتشريعيات شتنبر
مع انطلاق إيداع الترشيحات لتشريعيات 23 شتنبر، يضع عدد من المنتخبين الذين غيّروا أحزابهم أيديهم على قلوبهم، خشية رفض ملفاتهم أو الطعن فيها لاحقاً بسبب توقيت استقالاتهم ومسؤولياتهم السابقة. وتستند هذه المخاوف إلى اجتهادات سابقة للمحكمة الدستورية اعتبرت فيها أن تخلي مسؤول حزبي عن مهامه للانتقال إلى حزب آخر عشية الانتخابات مسّ بنزاهة ومصداقية الاستحقاق، وانتهى بإلغاء انتخابه.
غير أن المحكمة الدستورية أكدت في اجتهاد لاحق أن مجرد الانتقال من حزب إلى آخر لا يسقط أهلية الترشح تلقائياً، ما يجعل كل حالة مرتبطة بتاريخ الاستقالة وكيفية إثباتها، والصفة الحزبية والانتداب الانتخابي للمعني بالأمر، وظروف أخرى دقيقة. وبينما قد تمر بعض الملفات إدارياً، يبقى احتمال الطعن قائماً بعد إعلان النتائج، ما يجعل “الترحال السياسي” هاجساً حقيقياً لبعض الأسماء التي غادرت أحزابها قبيل الاستحقاقات.
وفي هذا السياق قال الدكتور الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، زكرياء الزروقي، أن “انطلاق عملية إيداع ملفات الترشيح للانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 يدخل المغرب فعلياً في واحدة من أكثر المراحل حساسية في المسار الانتخابي، لأن الأمر لم يعد يتعلق فقط بتحديد اللوائح والأسماء التي ستخوض غمار المنافسة، وإنما أصبحنا أمام مرحلة ستختبر فيها أيضاً مدى احترام الفاعلين السياسيين للقواعد القانونية المؤطرة للترشح”.
وأضاف الزروقي في تصريح لصحيفة “آشكاين” الإلكترونية، أنه “إذا كانت ظاهرة الانتقال السياسي من حزب إلى آخر ليست جديدة في المشهد الحزبي المغربي، فإن ما يميز الاستحقاق الحالي هو الحجم اللافت للحركية السياسية وإعادة تموقع عدد من المنتخبين، بمن فيهم برلمانيون ومنتخبون محليون، وهو ما يجعل مرحلة إيداع الترشيحات بمثابة لحظة كاشفة لحقيقة التحالفات والتموقعات التي ستحدد جزءاً من المشهد الانتخابي المقبل”.
وأوضح المتحدث أنه “ينبغي أيضاً التمييز هنا بين الحق السياسي في تغيير الانتماء الحزبي وبين الأهلية القانونية للترشح. فالانتقال من حزب إلى آخر لا يعني تلقائياً أن الشخص أصبح مؤهلاً للترشح باسم الحزب الجديد، لأن المشرع وضع مجموعة من الشروط والقيود التي يتعين احترامها، كما أن القضاء الدستوري سبق أن تعامل بصرامة مع بعض حالات الترشح المرتبطة بالانتماء الحزبي وبشروط الأهلية”.
ومن هذه الزاوية، يضيف الزروقي، فإن “بعض الملفات التي ستوضع أمام السلطات المختصة قد تكون أكثر تعقيداً من غيرها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص يوجدون في وضعيات قانونية أو قضائية لم تحسم بشكل نهائي، أو بأشخاص سبق أن قدموا استقالاتهم من إحدى غرفتي البرلمان ولم تستكمل بعد جميع الإجراءات المرتبطة بوضعيتهم القانونية”.
ويشير الزروقي، إلى أنه “هنا تبرز أهمية مسألة جوهرية: هل مجرد تقديم الاستقالة يكفي لتغيير الوضعية القانونية للمعني بالأمر، أم أن الأمر يرتبط باستكمال المسطرة القانونية والآثار المترتبة عنها؟ هذه ليست مسألة سياسية فقط، وإنما هي مسألة قانونية دقيقة يجب أن تحسمها الجهات المختصة وفق النصوص الجاري بها العمل، بعيداً عن التأويلات السياسية أو الحسابات الانتخابية”.
ويوضح المتحدث أن “وجود دعاوى أو متابعات قضائية في حق بعض الراغبين في الترشح لا يعني، في حد ذاته، سقوط حقهم في الترشح، لأن الأصل هو أن الأهلية الانتخابية لا تنتفي لمجرد وجود دعوى غير محسومة، وإنما ينبغي الرجوع إلى طبيعة الحكم أو القرار القضائي، ومدى نهائيته، والنص القانوني الذي يرتب عليه أثر الحرمان من الترشح. وبالتالي، يجب الحذر من تحويل مجرد المتابعة القضائية إلى حكم سياسي مسبق على أهلية الأشخاص”.
وأضاف الزروقي أن “هذا يقوده إلى نقطة أساسية تتعلق بأن الانتخابات ليست فقط منافسة بين الأحزاب والأشخاص، وإنما هي أيضاً امتحان لدولة القانون. ولذلك، فإن تطبيق شروط الترشح يجب أن يتم على الجميع بالمعايير نفسها، سواء تعلق الأمر ببرلماني حالي، أو منتخب محلي، أو وافد جديد إلى الساحة السياسية”.
ويرى الزروقي في تقديره أن “هذه الانتخابات قد تكون محطة مهمة لإعادة ترتيب الخريطة الحزبية، ليس فقط بسبب التنافس على المقاعد البرلمانية، ولكن أيضاً بسبب ظاهرة إعادة التموضع التي سبقت الاستحقاق. بعض الانتقالات السياسية يمكن تفسيرها برغبة في البحث عن فرص انتخابية أفضل، وبعضها يعكس خلافات داخلية، وبعضها الآخر قد يكون مرتبطاً بإعادة بناء التحالفات استعداداً لما بعد 23 شتنبر”.
لكن حسب المتحدث، فإن “الخطر يكمن في أن يتحول الترحال السياسي من وسيلة لإعادة بناء المشروع السياسي إلى مجرد آلية للبحث عن الوعاء الانتخابي الأكثر قدرة على ضمان الفوز. وإذا أصبح هذا السلوك هو القاعدة، فإن النقاش لا يعود متعلقاً فقط بمن سيفوز بالمقاعد، بل يصبح متعلقاً بمستقبل الثقة في العمل الحزبي نفسه”.
ومن هنا، يرى الزروقي أن “مرحلة إيداع الترشيحات يجب أن تُقرأ من زاويتين متكاملتين: الأولى قانونية ومؤسساتية، تتعلق بالتأكد من استيفاء جميع المترشحين للشروط القانونية؛ والثانية سياسية، لأنها ستكشف بصورة أوضح حجم التحولات التي عرفتها الخريطة الحزبية خلال الأشهر الأخيرة”.
والأهم من ذلك كله وفق الزروقي، هو ألا “تتحول الأهلية القانونية للترشح إلى مجال للتصفية السياسية أو للتشهير بالأشخاص. فالحسم في أهلية أي مترشح ينبغي أن يستند إلى نص قانوني واضح وقرار صادر عن الجهة المختصة، وليس إلى الإشاعة أو إلى الصراع السياسي”.
وفي نهاية المطاف، يختم الزروقي أن “انتخابات 23 شتنبر لن تكون مجرد سباق للحصول على مقاعد داخل مجلس النواب، وإنما ستكون أيضاً اختباراً لمدى قدرة الأحزاب على تقديم مرشحين تتوفر فيهم الشروط القانونية والسياسية، وعلى إقناع الناخب بأن الانتماء الحزبي ليس مجرد محطة انتخابية مؤقتة، وإنما التزام بمشروع سياسي ومسؤولية تجاه المواطنين”.
لذلك، يؤكد الزروقي، فإن “السؤال الحقيقي الذي تطرحه مرحلة إيداع الترشيحات ليس فقط: من سيترشح؟ وإنما أيضاً: بأي شروط، وبأي مشروع، وبأي درجة من الالتزام بالقانون وبالمؤسسة الحزبية؟ وهذه في نظري هي الزاوية الأهم لفهم الحركية السياسية التي تسبق انتخابات 23 شتنبر 2026”.