لماذا وإلى أين ؟

أعلام من الصحراء: دحمان..القايد الذي احتضن منزله تأسيس جيش التحرير

يسر جريدة “آشكاين” الإلكترونية  أن تضع بين يدي قرائها الأعزاء سلسلة رمضانية تمتح من عبق التاريخ المغربي وارتباطه بمكونه الصحراوي، وتصول و تجول بنا عبر امتداد هذا التاريخ، في الأثر الذي أحدثه قادة وشيوخ و أدباء و سياسيون وأعلام صحراويون في تراتبية هرم السياسة والثقافة المغربية، من خلال برنامجكم الرمضاني “أعلام من الصحراء”.

ولن تخضع سلسلة ” أعلام من الصحراء” لتعيير كرونولوجي معين، بقدر ما ستحتكم إلى إشعاع العَلَم المُراد تناولُ نفحاتٍ من سيرتِه و تسليطِ الضوء على أهم الجوانب منها، عبر شهادات حية لباحثين أو أقارب أو مهتمين، أو من خلال استقراء التاريخ  دون الخضوع لكرونولوجيا معينة في حكي مناقب شخصياتنا.

وسنتطرق في حلقة اليوم من سلسلة “أعلام من الصحراء“، سيرة رجل عرف بصلابة موقفه أمام الضباط الإسبان وتشبثه ببيعة العرش العلوي، كما أنه أول قائد بمنطقة لكلميم إبان فترة الاستعمار، إنه القايد دحمان ولد عابدين.

القائد دحمان ولد عابدين

الولادة والمنشأ

ولد عام 1892م  – وتوفي سنة 1964

أول قائد لمدينة كلميم

يروي الباحث فقي التراث اللامادي الحساني، بوزيد لغلى، أن “القايد دحمان ولد عابدين كان أول قائد في كلميم في زمن الاستعمار، حيث عاد إلى كلميم سنة1934، من سفر طويل من أطار الموريتانية قبيل دخول القوات الاستعمارية الفرنسية التي تسمى “كولون بشار، وتم تعيينه قائدا وكان يمثل تكنة بكاملها وتحدث عنه هينري بيران وقال إنه شخص رزين ومواقفه صلبة”.

تشبث ببيعة محمد الخامس

ويضيف لغلى في حديثه لـ”آشكاين”، عن شخصية اليوم، قائلا، إن “ما أثار اهتمامي في شخصية القايد دحمان ولد عابدين، هو أنه من قواد المخزن القلائل في  المغرب اللذين استمسكوا ببيعة محمد الخامس عندما نفته فرنسا طيب الله ثراه، ولم يذهب مذهب من تابع الفرنسيين وخضع لهم من القواد، واعترفوا بابن عرفة”.

“تحكي الرواية الشفهية”، يسترسل محدثنا بأن “القايد دحمان وجد البراح ينادي باسم ابن عرفة السلطان المخلوع، الذي عينته فرنسا، وأنزل دحمان البراح ونهره وقال له بلهجة حسانية: “انزل،  السلطان الشرعي ألا محمد الخامس هو لي عاطينو البيعة”، بمعنى أن السلطان محد الخامس هو الوحيد الذي بايعناه”.

فرنسا سجنته بسبب محمد الخامس

وأشار لغلى أن “فرنسا ردت على مواقف دحمان بسجنه وإبعاده عن عوينة آيتوسى، والرواية الشفوية تقول أن أهل عوينة آيتوسى جاؤوا للسلطات الفرنسية وخيروهم  بين السماح لهم بزيارة دحمان في معتقله وتزويده بالطعام، لأنه ضيف كبير على المدشر، حتى وإن كان معتقلا لدى الفرنسيين، وإن لم يقبل الفرنسيون فليذهبوا به إلى مكان آخر”، موردا أن “هذا موقف يشيد به بعض أبناء القايد دحمان اللذين تربطني بهم صداقات عميقة مع بعضهم لما يزيد عن 14 سنة”.

وأكد أن “لحظة إبعاد دحمان وسجنه، لكونه من القواد الوطنيين اللذين انحازوا للعرش العلوي، كتبت عنه مجموعة من الجرائد، منها جريدة “بصائر”، ولا زالت منها بعض النسخ تحكي عن إبعاد دحمان”.

وأردف أن “جريدة أخرى كان يصدرها حزب الاستقلال كتبت أن الفرنسيين لم يكتفوا بإبعاد دحمان وإنما عملوا على حجز أمواله، باللهجة المحلية “ترّكو مالو”، ومنعوه من التصرف فيها، ورغم ذلك اشتدت الحركة الوطنية ورجع الملك محمد الخامس من منفاه سنة1953، وعاد دحمان لممارسة مهامه كقائد في زمن الفرنسيين”.

كلمته مسموعة

وتابع محدثنا أنه “خلال تعيين القائد بوزيد ولد الرباني في آسا كان من الحاضرين القائد دحمان مع كبار الضباط الفرنسيين، وكان أحد المخازنية موقوفا من طرف “بيران” ومتمردا، وكان هنري بيران يخشى أن يقوم هذا المخزني بعمل انتقامي، وقبل أن يتم اللقاء ضمن دحمان هذا المخزني لكونه مسموع الكلمة، وهذا كله مذكور في كتاب المغامرة المغربية، الذي ترجم إلى “مقامي في آسا، حيث استطاع دحمان إقناع المخزني المتمرد بأنه سيتم نقله للعمل ضمن المخازنية في كلميم”.

تأسيس جيش التحرير في منزله

وأشار لغلى أن “أرجح المعلومات، تؤكد، زمن المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، على أنه تم التأسيس الفعلي لجيش التحرير في منزل القايد دحمان في كلميم عام 1958، وذلك بعد الاجتماعات السرية التي مهدت لذلك في أقا، وهو ما يعتبر تتويجا لعمله البطولي والوطني، في تلك الفترة التي كانت فيها الحركة الوطنية نشيطة”.

ولفت بوزيد لغلى الانتباه إلى أن “القايد دحمان كان ممثل المخزن وعين بظهير من الملك محمد الخامس، وتم إعفاءه بظهر يسمى “ظهير التوقير والاحترام”، ورغم إعفائه فقد ترشح في  أول انتخابات أقيمت في المغرب، وكان عضوا في  البرلمان الأول، وله أصدقاء كثر في الحركة الشعبية، وعلاقة خاصة مع أحرضان ومع الدكتور الخطيب”.

لحظة تعيين دحمان من طرف الملك مجمد الخامس

تشبثه بالدين

خلال حياته كان معروفا بالتدين، يورد بوزيد لغلى في حكيه عن القايد دحمان “ولهذا استقدم فقيها ورعا من موريتانيا وكان يؤم الناس، وكان لديه(الإمام) تمسك شديد بتطبيق السنة، وهو محمد سالم ولد الهادي ينتمي لأهل مدلش المجلسيين، وقد كان هو من  صلى الجنازة على جثمان دحمان بعد وفاته، ودرس الكثير من أهل كلميم ومنهم أبناء دحمان”.

معتبرا أن “ما كان يحفظه أبناء دحمان من الشعر والمعلقات، كان واضحا فيه طريقة التدريس بالمحاضر، والتي تعتمد بشكل كبير على ضبط اللغة العربية من خلال حفظ أكبر عدد من القصائد، خلافا لما هو معروف في الكتاتيب، إذ أن وادنون فيها كتاتيب وتغيب فيها المضار، إذ يدرس في هذه الكتاتيب القرآن منذ القديم، وزوايا تسهم في التعليم الديني، ولكن الثقافة المحضرية العالية لا توجد في كلميم، وأستطيع القول أن الشناقطة هم فقط من لديهم هذه الطريقة في التدريس”.

خصاله

وخلص الباحث نفسه، إلى أن “دحمان كان كريما جوادا سخيا، وحسب الرواية الشفهية التي يرويها ابنه علي سالم، نقلا عن العلامة محمد سالم ولد الهادي، قال أنه “لما يأتي معه القايد دحمان من المسجد بعد صلاة العشاء وبجد الضوء منطفئا في الفوانيس آنذاك، يغضب لذلك، ويقولو “ياذا من قلة الضو ومن قلة الضيافين” أي انطفاء الضوء في المكان المخصص للضيوف في منزله يعني غياب الضيوف وهذا كان يغضبه”.

الحلقات السابقة:

أعلام من الصحراء: الباشا البيضاوي..شاعر طريف رافق السلطان مولاي حفيظ في سفره

أعلامٌ من الصحراء: الخرشي..قائدٌ استعصى على ضبّاط الإستعمار الفرنسي واستقبله محمد الخامس

 

أعْــلام من الصحراء: الجُــماني..رئيسُ “الصحراء” الذي ارتدى سِلْهامَ الحـسن الثاني

أعْــلامٌ من الصحراء: محمد الشكّوطي..عَـيْـنُ المقاومة داخِل ثكنات الجيش الإسباني

أعـلامٌ من الصّحراء: الدّاي ولد سيدي بابا.. مـوريتاني تَـرأَّسَ البرلمان المغربي

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد