لماذا وإلى أين ؟

أعلام من الصحراء: أمغار سعيد..قائد واجه الاحتلال الفرنسي والإسباني بعد نجاته من التسمم

يسر جريدة “آشكاين” الإلكترونية  أن تضع بين يدي قرائها الأعزاء سلسلة رمضانية تمتح من عبق التاريخ المغربي وارتباطه بمكونه الصحراوي، وتصول و تجول بنا عبر امتداد هذا التاريخ، في الأثر الذي أحدثه قادة وشيوخ و أدباء و سياسيون وأعلام صحراويون في تراتبية هرم السياسة و الثقافة المغربية، من خلال برنامجكم الرمضاني “أعلام من الصحراء”.

ولن تخضع سلسلة ” أعلام من الصحراء” لتعيير كرونولوجي معين، بقدر ما ستحتكم إلى إشعاع العَلَم المُراد تناولُ نفحاتٍ من سيرتِه و تسليطِ الضوء على أهم الجوانب منها، عبر شهادات حية لباحثين أو أقارب أو مهتمين، أو من خلال استقراء التاريخ  دون الخضوع لكرونولوجيا معينة في حكي مناقب شخصياتنا.

سنتطرق في حلقة اليوم من سلسلة “أعلام من الصحراء“ إلى شخصية من قبيلة آيت باعمران اعتقلت الاحتلال الإسباني لمرتين، ونجا من محاولة تسميمه ليعودة ويقاوم المستعمر الفرنسنيو الإسباني، ومات حزنا على عدم استقبال الملك محمد الخامس له، إنه القايد أمغار سعيد.

 

الولادة والمنشأ

هو الشيخ سعيد أو أمغار سعيد كما يعرف بذلك في آيت باعمران، وينحدر من أسرة ذات نفود اقتصادي وسياسي، وهو من عائلة أهل بلا علي من فخذة آيت السيمور إحدى الفخذات الكبرى لقبيلة آيت الخمس الباعمرانية، وفق ما ثبت في الجزء 26 و27 من كتاب “معلمة المغرب”.

وحسب نفس المصدر، فإن جده يحيى بن علي كان شيخا وعمه يحيى بن يحيى بن علي شيخا، وبعد أن قتل تولى أخوه الحسين بن يحي المشيخة وبعد أن قتل هو كذلك تولى ابنه الشيخ / أمغار سعيد بن الحسين بن يحيى المشيخة، فهو إذن سعيد بن الحسين بن يحيى بن علي بن إبراهيم بن محمد بن مسعود حتى الجد الأكبر بلا بن علي.

وازداد في العقد الثامن من القرن الثامن عشر، ودخل المسجد وحفظ القرآن،  وهو ابن الشيخ / أمغار الحسين الذي قتل في إحدى المعارك التي نشبت بين قبيلة آيت الخمس وقبيلة الأخصاص المجاورة.

وحد قبيلة آيت باعمران

لقد وحد القبيلة لمواجهة اللف الخصم في آيت باعمران وهو لف اصبويا، وقد حصل على المشيخة بعدما كانت القيادة عند فخذة بوحلايس / القائد بوحلاسة، وخاض أمغار سعيد عدة حروب قبلية من بينها حربه مع قبيلة آيت اعزى المجاورة ومع قبيلة اصبويا الند التقليدي له، وحروب أخرى خارج اتحادية آيت باعمران كالحرب ضد أكلو.

واجه الاحتلال الفرنسي والإسباني بعد نجاته من السم

ومع شدة الصراعات والنزاعات بين القبائل، تعرض أمغار سعيد إلى تسمم من قبل القائد عبد الله بن بلقاسم الماسي، حسب ما ورد في كتاب “معلمة المغرب”، حيث كان أصحاب القائد البشير من اصبويا، وأمغار سعيد؛ والشيخ الحسان ولد الشيخ همو الخلفاوي، والقائد المدني يذهبون إلى القائد عبد الله بن بلقاسم الماسي سِرّا، بإذن قوادهم؛ فكان القواد الثلاثة الأولون لا يريدون إلا الأموال على عكس المدني.

ثم استدعى الاغبالوي القواد إليه فذهب إليه الثلاثة الأولون؛ قيل فسمهم في ماكولهم؛ فمات الشيخ الحسان ولد الشيخ همو في اليوم ذاته ومات القائد البشير بعد ثمانية أيام من رجوعه إلى منزله بأنامر باصبويا، وبقي أمغار سعيد بن الحسين الذي اتجه نحو إحدى المنازل فتداوى بالعنبر فنجي من الموت.

ولما أرادت فرنسا دخول آيت باعمران؛ كان الشيخ سعيد حاضرا بشكل كبير لمواجهة هذا التدخل، وذلك من خلال مقاومته لفرنسا، ولما أرادت فرنسا إقامة اتفاقية الهدنة مع آيت باعمران؛ لم يكن أمغار سعيد حاضرا لتوقيع اتفاقية الهدنة بالأخصاص وناب عنه ابن عمه محمد أفقير.

ولما دخل الإسبان إلى سيد إفني؛ اجتمع قادة وأعيان آيت باعمران معهم؛ وكان أمغار سعيد أحد الموقعين على الاتفاقية  المبرمة بين إسبانيا والباعمرانيين بامزدوغ إبان دخول الكولونيل كباث (capaz) إلى سيدي إفني.

وتضيف الرواية نفسها أنه بعد مرور مدة وجيزة؛ قامت إسبانيا بتثبيت القواد والشيوخ الذين وجدتهم على رأس السلطة في قبائلهم، وقد ولي سعيد بن الحسين بن يحيى في 2 ماي 1934 موافق 18 محرم 1357 هجرية شيخا على آيت الخمس واداو سوكم والسماهرة ليدبر أمرهم وليتخذ ما شملته القوانين العرفية التي جرى العمل بها بآيت باعمران وليعاملهم بالأنصاف ويسلك ‏ بهم طريق الخير.

ويسترسل المصدر نفسه أنه قد خصصت لهم أجرة شهرية يتقاضونها كانت تجمع فيما هو نقدي وعيني، أي فيما تقدمه السلطة الإسبانية وخصم جزء من الغرامة التي يؤديها المتنازعان وفي جمع الزكوات والحصول على جزء من ثمن بيعها.

وكان الشيخ سعيد يفصل بين المتنازعين بين أفراد قبيلته، فهو يمثل  القبيلة ويطبق تعليمات السلطات الاستعمارية من خلال حفظ الأمن ونقل المعلومات المطلوبة عن القبيلة وغيرها، ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية كان لأمغار سعيد دور كبير في إقامة سوق أسبوعية هي اثنين أملو سنة 1937 في مكان يتوسط فخذات قبيلة آيت الخمس قرب مزار سيدي مسعود الزينة وغير بعيد من زاوية سيدي سليمان الشهيرة بالمنطقة.

دعاه فرانكو لزيارته

ولما طلبت إسبانيا من قواد وشيوخ القبائل تسليم أسلحة قبائلهم؛ صار من خلال ذلك الشيخ سعيد يزداد ارتفاعا في عين الكولونيل كباث فتبادلا الهدايا، حيث هدى الأول للثاني فرسا بينما يرسل الثاني إليه الهدايا كالأواني الفضية؛ إلى درجة أنه سمي قائدا بين الرؤساء.

وفي سنة 1937 سافر أمغار سعيد إلى إسبانيا بدعوى من الجنرال فرانكو قبيل تحقيقه لانتصارات في الحروب الأهلية الإسبانية، وسافر أمغار سعيد بعد انتصار فرانكو إلى إسبانيا هو ومجموعة من القادة الباعمرانيين، وحلوا بطرفاية أولا ثم إلى لاس بالماس تندريفي بالجزر الخالدات ومن تم إلى قادس والجزيرة الخضراء ثم إلى تطوان وزار إشبيلية وقرطبة وغرناطة وقرى ومدن أخرى إلى أن وصلوا مدريد حيث التقوا بالجنرال فرانكو.

ثار في واجه تجنيس إسبانيا للباعمرانيين

ولما انتهت الحرب الأهلية الإسبانية التي شارك فيها رجال من آيت باعمران وانتصر فيها الجنرال فرانكو؛ وشحت إسبانيا سنة 1942 أمغار سعيد بوسام الحرب بدرجة ضابط، وفي سنة 1945 ثار أمغار سعيد في وجه إسبانيا عندما أرادت سن سياسة التجنيس لدى الباعمرانيين، وذلك من خلال تزعمه لوثيقة يرفض فيها التجنيس وقع إلى جانبه فيها أعيان آيت الخمس مرفوعة إلى حاكم سيدي إفني الكولونيل خوسي برميخو (José Bermejo).

ورفضا لهذه السياسة؛ كانت سنة 1947 قد عرفت أشد الانتفاضات التي قامت بها قبائل آيت باعمران ضد المستعمر الإسباني، وحاول هذا الأخير القبض على قواد وشيوخ القبائل من أجل إخماد هذه الثورة. وفي اليوم السابق لعيد الفطر مختتم رمضان سنة 1366 هجرية موافق ل 17 سنة 1947 ميلادية، قبض على أمغار سعيد في السوق الأسبوعي اثنين املو واقتيد إلى سيدي إفني ثم بعدها إلى الداخلة ومكت بسجنها ست سنوات وأربعة أيام.

مات حزنا على عدم استقبال الملك محمد الخامس له

وقد استمر أمغار سعيد في رفضه للسياسة الإسبانية حتى بعد خروجه من المعتقل، ومرة أخرى وقع عليه القبض في 18 نونبر 1955 الذي يصادف عيد عرش الملك محمد الخامس وسجن بالداخلة؛ حيث قضى هناك خمسة أشهر وخمسة أيام إلى أن اعترفت إسبانيا باستقلال المغرب وأطلق سراحه في أبريل 1956، حسب ما رود في الجزء 20 من كتاب المعسول للمختار السوسي.

وأضاف المصدر نفسه، أنه “في شهر يونيو سنة 1956 كان من ضمن الوفد الذي ذهب إلى الرباط للقاء الملك محمد الخامس، وقد استقبل هذا الأخير الرؤساء فقط من آيت باعمران وخاصة من لهم ظهائر قيادية “ولم يتيسر أن يكون منهم الشيخ سعيد؛ فذهب بها نكتة في قلبه سوداء؛ لم تزل عنه حتى مات بسببها” سنة 1957″.

الحلقات السابقة:

أعلام من الصحراء: البشير بن بابيت..قناص جيش التحرير بالساقية الحمراء

أعلامٌ من الصحراء: بوزيد ولد الرباني..قائدٌ أحْرقت فرنسا أرشيفَها قبل تسليمِه السُّلطة

أعلام من الصحراء: أبّا الشيخ..قائدٌ باع إبِلَهُ لتسليح المُقاومة و وشّحه الحسن الثاني بوسام فارس

أعلام من الصحراء: دحمان..القايد الذي احتضن منزله تأسيس جيش التحرير

أعلام من الصحراء: الباشا البيضاوي..شاعر طريف رافق السلطان مولاي حفيظ في سفره

أعلام من الصحراء: الخرشي..قائد استعصى على ضباط الاستعمار الفرنسي واستقله محمد الخامس

أعْــلام من الصحراء: الجُــماني..رئيسُ “الصحراء” الذي ارتدى سِلْهامَ الحـسن الثاني

أعْــلامٌ من الصحراء: محمد الشكّوطي..عَـيْـنُ المقاومة داخِل ثكنات الجيش الإسباني

أعلام من الصحراء: الداي ولد سيدي بابا.. موريتاني ترأس البرلمان المغربي

 

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد