2024 © - أشكاين جميع الحقوق محفوظة - [email protected]
نساء في الواجهة (ح13): فتيحة مرشيد.. الطبيبة التي أسست ملامح الرواية المغربية المعاصرة
نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، زوجة زعيم سياسي بارز..).
سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..
وسيكون موضوع حلقة اليوم، الأدبية والطبيبة والروائية فتيحة مرشيد، المرأة التي اعتبرت أحد أعمدة الرواية المغربية المعاصرة.
فتيحة مرشيد.. الطبيبة التي أسست ملامح الرواية المغربية المعاصرة
يبرز اسم فتيحة مرشيد في المشهد الثقافي الأدبي، بوصفه تجربة تجمع بين صرامة العلم وقلق الكتابة، فهي طبيبة اشتغلت لسنوات في مجال العلاج، قبل أن تمنح السرد المغربي واحدة من اكثر تجاربه التصاقا بالهشاشة الانسانية وتعقيداتها.
التكوين العلمي لمرشيد لم يكن خلفية صامتة معزولة، بل تحول الى واجهة دقيقة تقرأ بها الشخصيات من الداخل، وتفكك بها صراعاتها تناقضاتها الذاتية غير المرئية.
بدأت فتيحة مرشيد مسارها الابداعي من الشعر، حيث ظهرت مبكرا حساسيتها تجاه الجسد والذات والقلق الوجودي. كانت القصيدة لديها مختبرا للغة مشحونة بالعاطفة والتوتر، وهو ما سيتسرب لاحقا الى الرواية، حيث أن انتقالها الى السرد لم يكن قطيعة مع الشعر، اذ ظلت لغتها تميل الى الكثافة والايقاع الداخلي، حتى وهي تبني عوالم روائية متماسكة.
في الرواية رسخت اسمها ضمن أهرامات الأدب المغربي المعاصر.. عبر أعمال “لحظات لا غير”، “التوأم”، “مخالب المتعة”، “الحق في الرحيل”، “انعتاق الرغبة”، “نقطة الانهيار”..، هذه الاعمال لا تقوم على الحكاية والسرد فقط، بل على تفكيك الحالات النفسية وتعقب لحظات الانكسار والتحول، إذ ركزت أعمالها الأدبية على هاجس الانقسام الداخلي وصراع الذات مع صورتها الاخرى، مع فك الطابوهات عن اسئلة الجسد والرغبة الجنسية داخل مجتمع محافظ.
اشتغلت فتيحة مرشيد على الجسد باعتباره مجالا للهوية والذاكرة والقهر احيانا، الجسد في كتاباتها ليس موضوعا للاثارة، بل ساحة صراع بين الرغبة والسلطة، بين الحرية والخوف مما هو آت، كما تحضر والخيبات العاطفية والخيانات والعلاقات العابرة والعلاقات الزوجية المفروغة من العشق، بوصفها مختبرا لكشف هشاشة الإنسان المعاصر، أبطال شخصياتها تعيش غالبا على حافة الانهيار، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن معنى، عن خلاص صغير.
ما يميز المشروع الأدبي للأديبة هو التداخل بين التحليل النفسي والسرد الفني والتحليل السوسيو-ثقافي للبنيات المجتمعية بالمغرب، فهي لا تقدم اطروحات جاهزة، ولا تتبنى خطابا ايديولوجيا مباشرا، بل تترك الشخصيات تتكلم عبر صمتها وترددها واعترافاتها الأليمة وانكساراتها وتناقضاتها الداخية، لهذا تبدو نصوصها أقرب الى جلسات اعتراف نفسية طويلة، تتقاطع فيها الذاكرة بالصدمة، والحب بالخسارة، والرغبة بالذنب.
تعد مرشيد من الأصوات النسائية التي ساهمت في إغناء النقاش حول تمثلات الجسد والمرأة والتحولات الاجتماعية القيمية والسيكولوجية في المغرب، فهي روائية مغربية حافظت على حضور نقدي وجماهيري ثابت، مستندة الى مشروع متماسك يزاوج بين المعرفة الطبية والحدس الادبي.
مثلت أعمال فتيحة مرشيد الروائية تجربة خاصة تجربة تكتب من داخل النفس لا من خارجها، وتختبر الانسان في اكثر لحظاته عتمته وصدقه.
الحلقات السابقة:
- السوسيولوجية التي جابهت تفاسير الفقه بأطروحة “الجنس هندسة اجتماعية”
- حفيدة علال الفاسي التي صنعت نزار البركة
- فتيحة ظريف.. القاعدية التي اختطفها الزواج بإلياس العماري من العمل السياسي
- بلا حشومة”.. حينما عملت سمية جسوس على تفكيك طابوهات الجسد والبكارة عبر المناهج السوسيولوجية
- رحمة بورقية.. من تفكيك بنيات سلطة الدولة إلى تفكيك المنظومة التعليمية المغربية
- الزوجة ”التقليدية” التي عايشت المجاهد الاشتراكي أيت يدير
- خناتة بنونة: أول روائية نسوية مغربية.. حينما يتحول القلم لفعل مقاومة وتحرر
- مليكة البلغيثي.. الباحثة التي كشفت أسرار المرأة القروية
- حينما أماطت خديجة النعومي اللثام عن “فظائع” ضريح “بويا عمر”
- رقية المصدق.. المرأة التي فككت آليات اشتغال النظام المغربي عبر أطروحة “الدساتير الثلاث”
- نادية تازي.. الفيلسوفة المغربية التي أعادت تفكيك “الذكورة” و”الفحولة” في سياقات شرقية
- حورية بنيس سيناصر.. الفيلسوفة المغربية التي جمعت بين البرهان الرياضي والتأمل الفلسفي