لماذا وإلى أين ؟

أعلام من الصحراء: مبارك جوان..برقية مستعجلة تخرج جنرالا استعماريا شهيرا من منزله

يسر جريدة “آشكاين” الإلكترونية  أن تضع بين يدي قرائها الأعزاء سلسلة رمضانية تمتح من عبق التاريخ المغربي وارتباطه بمكونه الصحراوي، وتصول و تجول بنا عبر امتداد هذا التاريخ، في الأثر الذي أحدثه قادة وشيوخ و أدباء وسياسيون وأعلام صحراويون في تراتبية هرم السياسة و الثقافة المغربية، من خلال برنامجكم الرمضاني “أعلام من الصحراء”.

ولن تخضع سلسلة ” أعلام من الصحراء” لتعيير كرونولوجي معين، بقدر ما ستحتكم إلى إشعاع العَلَم المُراد تناولُ نفحاتٍ من سيرتِه و تسليطِ الضوء على أهم الجوانب منها، عبر شهادات حية لباحثين أو أقارب أو مهتمين، أو من خلال استقراء التاريخ  دون الخضوع لكرونولوجيا معينة في حكي مناقب شخصياتنا.

سنتطرق في حلقة اليوم من سلسلة “أعلام من الصحراء“، إلى شخصية عرفت بكرمها وسط قبيلة آيت باعمران، وعمل على إحصاء جزء مهم منهم وكنا من أثريائها، إنه  مبارك بن الحسين الباعمراني الخلفي.

الولادة والمنشأ

هو مبارك بن الحسين الباعمراني الخلفي؛ المعروف ب جُوّان، ثقافته لا تتجاوز حفظ القرآن، لكنه كان ذكياً طموحا؛ فاشتغل في البداية بالفلاحة وكسب الماشية وتجارة القوافل في بداية القرن العشرين؛ وخاصة لما توفى الشيخ محمد بن مبارك بُوزاليم، فكان جُوٌان هذا يرسل جماله إلى مدينة تيزنيت يتاجر في مادة السكر والشاي والسلع الأخرى، وفق ما ورد عنه في الجزء 26 و27 من كتاب “معلمة المغرب”.

وكانت فرنسا تشجع تجار آيت باعمران؛ حيث تبيغ لهم بأثمان رخيصة؛ قصد ربط العلاقة بين شمال المغرب وجنوبه؛ خوفآً من أطماع ألمانيا التي ظهرت في آيت باعمران حينئذ.

تاجر غني وكريم

وفي هذه الظروف تمت تجارة جُوّان مبارك؛ وبسرعة أصبح من أغنياء البلد؛ فكوّن لنفسه هالة بفضل كرمه؛ وصارت داره دار ضيافة بين رائح وغاد، وخاصة ما بيّن سنوات 1920 و1990.

وفي هذه الفترة كانت الأوضاع متدهورة في آيت باعمران، بسبب الجفاف من جهة؛ وطغيان ظاهرة السّيبة من جهة أخرى؛ وحدث أن ضعفت عائلة بني الشيخ همّو محل قيادة القبيلة بسبب استشهاد القائد محند ضد الجنرال دولاموط سنة 1917 وقّتل أخوه الشيخ الحسن والشيخ مبارك بن القائد أحمد من نفس العائلة بالسّم؛ فظهر فراغ سياسي بالنسبة لقيادة قبيلة آيت اخلف.

وهنا برزت أسر لسد هذا الفراغ منها أسرة جوان، يضيف المصدر نفسه “لكن عارضتها عائلة الضلعيّين الخلفية بزعامة عيسى بن عثمان؛ فتسبّب هذان الشخصان في تقسيم القبيلة إلى قسمين؛ وبدأت المناوشات والاغتيالات بين الطرفين؛ والحق أن اليد الأجنبية لم تكن بعيدة عن تحريك تلك الفتن؛ والهدف هو إضعاف تلك الجهات التي وقفت أمام حملة الباشا حيدا ابن مَايْس؛ وكذلك حملة الجنرال دولاموط”.

وتابع المصدر التاريخي أنه “إذا كانت فرنسا تمد أصحابها بالمال من تيزنيت؛ فإن مطامع إسبانيا ظهرت كذلك في آيت باعمران؛ إلى أن رجحت كفة هذه الأخيرة حسب النفوذ الاستعماري. ولما خرجت إسبانيا من سيدي إفني حسب اتفاقية ثلاثاء الاخصاص سنة 1934 اجتمع رأي القبيلة من جديد على الشيخ عبد الكريم الخلفي فوقع باسم أيت اخلف وثيقة ثلاثاء الاخصاص، كامغار للقبيلة إلى جائب أعيان آيت باعمران مثل القائد أحمد اصنْبَار.

كما عين مبارك جُّؤان أنفلوسا على  فخذة- إذ غلي – من أيت اخلف فكان يشارك في مجلس الحكم الذي يترأسه الضابط الإسباني كل يوم خميس.

صاحب “كناش” إحصاء الباعمرانيين

وأشار “معلمة المغرب” أنه مبارك جُوَّان كتب كناشة سجل فيها إحصاء ربع قبيلة آيت اخلف، وخاصة الولادات الوفيات والذكور والاناث والمهاجرين والعسكريين.

برقية مستعجلة تخرج جنرالا من منزله

وتابع المصدر المكتوب نفسه، أنه “في دار أتفلوس مبارك جُوّان نزل الجنرال كبَاث عندما قام لأول مرة بوضع الحدود بين إسبانيا وفرئسا صحبة أعيان آيت باعمران؛ إلا أن الجَوُ بين هؤلاء الأعيان وهذا الضابط كان مُكُفهرَا،  وخاصة عندما تنازل كبَاث لفرنسا عن جزء مهم من قبيلة آيت بوبكر في الساحل، وكان النقاش حول ذلك سيشار معه في دار جُوانَ، فإذا ببرقية مستعجلة ترد عليه من مدينة سيدي إفني فغادر منزل جُوَّان، وصارت مسألة الحدود تتقادم بتمكن الاستعمار وتقويته”.

وفاته

توفي مبارك جُوان في سن متقدمة في ماي 1957؛ لكن عائلته استمرت بعده، إذ منهم من لعب دورا هاما في جيش التحرير، ومنهم القادة ومنهم تجار في الخارج.

الحلقات السابقة:

أعلامٌ من الصحراء: الشيخ محمد الأغْظف..مدرسة قرآنية متنقلة و نائب خليفة السُّلطان بالصحراء

أعلام من الصحراء: الأمجد سيداتي..شاعرٌ قاوم الإستعمار الفرنسي بسوس و مات بسقوط طائرته

أعلام من الصحراء: أمغار سعيد..قائد واجه الاحتلال الفرنسي والإسباني بعد نجاته من التسمم

أعلام من الصحراء: البشير بن بابيت..قناص جيش التحرير بالساقية الحمراء

أعلامٌ من الصحراء: بوزيد ولد الرباني..قائدٌ أحْرقت فرنسا أرشيفَها قبل تسليمِه السُّلطة

أعلام من الصحراء: أبّا الشيخ..قائدٌ باع إبِلَهُ لتسليح المُقاومة و وشّحه الحسن الثاني بوسام فارس

أعلام من الصحراء: دحمان..القايد الذي احتضن منزله تأسيس جيش التحرير

أعلام من الصحراء: الباشا البيضاوي..شاعر طريف رافق السلطان مولاي حفيظ في سفره

أعلام من الصحراء: الخرشي..قائد استعصى على ضباط الاستعمار الفرنسي واستقله محمد الخامس

أعْــلام من الصحراء: الجُــماني..رئيسُ “الصحراء” الذي ارتدى سِلْهامَ الحـسن الثاني

أعْــلامٌ من الصحراء: محمد الشكّوطي..عَـيْـنُ المقاومة داخِل ثكنات الجيش الإسباني

أعلام من الصحراء: الداي ولد سيدي بابا.. موريتاني ترأس البرلمان المغربي

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد