لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح19): عائشة الشنا.. الناشطة المُثيرة للجدل التي كرست عقود حياتها في سبيل حقوق النساء

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، الناشطة النسائية عائشة الشنا، المرأة التي تُعتبر من أولى الناشطات في قضايا المرأة في مغرب ما بعد استقلال.

عائشة الشنا.. الناشطة التي كرست عقود حياتها في سبيل حقوق النساء

تعد عائشة الشنا واحدة من أبرز الوجوه النسائية في تاريخ العمل الاجتماعي بالمغرب، إذ كرست حياتها للدفاع عن فئة ظلت لسنوات طويلة تعيش في الهامش وتحت وطأة الإدانة الاجتماعية: الأمهات العازبات وأطفالهن.

ولدت عائشة الشنا سنة 1941 بمدينة الدار البيضاء، وعاشت طفولة صعبة بعد وفاة والدها وهي في سن مبكرة، وهي تجربة تركت أثرا واضحا في وعيها الاجتماعي والإنساني. درست التمريض واشتغلت في المجال الصحي، وهناك بدأت تحتك عن قرب بمعاناة فئات واسعة من النساء في وضعية هشاشة، الأمر الذي دفعها تدريجيا إلى الانخراط في العمل الاجتماعي والجمعوي.

شكلت حادثة إنسانية في بداية الثمانينيات منعطفا حاسما في حياتها، عندما صادفت حالة أم اضطرت للتخلي عن رضيعها بسبب الضغط الاجتماعي المرتبط بالحمل خارج الزواج. كان المشهد صادما بالنسبة لها، ودفعها إلى اتخاذ قرار بتكريس حياتها للدفاع عن هذه الفئة من النساء ومحاولة توفير بدائل إنسانية تحميهن وتحمي أطفالهن من الضياع والتهميش.

وفي هذا الإطار جاءت فكرة تأسيس جمعية التضامن النسوي سنة 1985، وهي جمعية عملت على استقبال الأمهات العازبات وتوفير المأوى والدعم النفسي والتكوين المهني لهن، بهدف مساعدتهن على استعادة استقلاليتهن الاقتصادية وإعادة بناء حياتهن في المجتمع.

لم يكن مشروع عائشة الشنا مجرد عمل خيري تقليدي، بل كان يحمل رؤية اجتماعية تقوم على الدفاع عن الكرامة الإنسانية للنساء في وضعيات صعبة. كانت ترى أن المجتمع يعاقب المرأة وحدها على الحمل خارج الزواج، في حين يتم تجاهل مسؤولية الرجل، وهو ما اعتبرته ظلما اجتماعيا واضحا.

دعت إلى تغيير النظرة الاجتماعية للأمهات العازبات وإلى حماية الأطفال المولودين خارج إطار الزواج من الوصم والتهميش، مؤكدة أن الطفل لا ينبغي أن يدفع ثمن أخطاء المجتمع أو تناقضاته.

كما دافعت الشنا عن أهمية التربية الجنسية والتوعية داخل المجتمع، معتبرة أن الجهل بهذه القضايا يؤدي إلى تفاقم المشكلات الاجتماعية المرتبطة بالعنف والاستغلال والحمل غير المرغوب فيه.

أثارت هذه المواقف جدلا واسعا في المغرب، حيث تعرضت لانتقادات قوية من بعض التيارات المحافظة التي رأت في أفكارها خروجا عن الأعراف الاجتماعية، لكنها ظلت متمسكة بقناعتها بأن التوعية والحماية الاجتماعية هما الطريق الأنجع لمواجهة هذه الظواهر.

رغم الجدل الذي رافق مسارها، حظيت عائشة الشنا بتقدير واسع داخل المغرب وخارجه، ونالت عدة جوائز دولية تقديرا لعملها الإنساني، كما تحولت جمعيتها إلى نموذج في العمل الاجتماعي الموجه للنساء في وضعية هشاشة. وخلال عقود من النشاط تمكنت من مساعدة آلاف النساء على تجاوز محنتهن والاندماج من جديد في المجتمع، كما ساهمت في فتح نقاش عمومي حول قضايا كانت لسنوات طويلة من المحرمات الاجتماعية.

عندما توفيت سنة 2022، كانت قد تركت وراءها مسارا طويلا من النضال الاجتماعي والإنساني، ومساهَمة واضحة في تغيير جزء من نظرة المجتمع إلى الأمهات العازبات وأطفالهن. لقد جسدت تجربة امرأة اختارت أن تواجه الصمت الاجتماعي حول قضايا حساسة، وأن تجعل من التضامن مع الفئات الأكثر هشاشة قضية حياة، حتى أصبحت واحدة من أكثر الشخصيات النسائية تأثيرا في مجال العمل النسوي الجمعوي بالمغرب.

الحلقات السابقة:

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x