لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح22): ثريا السقاط… سيرة قلم عاش النضال والإبداع

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، المناضلة والأديبة ثريا سقاط..

سيرة قلم نسوي عاش النضال والإبداع..

ولدت ثريا السقاط يوم 10 أكتوبر 1935 بمدينة فاس، في فترة كان فيها المغرب يعيش تحولات سياسية عميقة في ظل الحماية الفرنسية.

نشأت في بيئة وطنية وثقافية كان لها أثر واضح في تكوين شخصيتها وميولها الأدبية، كما تأثرت بالجو النضالي الذي كان يطبع المجتمع المغربي آنذاك.،وفي هذا المحيط الأسري القريب من الثقافة والفن، برز أخوها عبد الرحيم السقاط كأحد كبار الملحنين في المغرب، وهو ما جعلها تعيش منذ بداياتها في فضاء مشبع بالإبداع الفني والثقافي.

ارتبط اسم ثريا السقاط كذلك بحياة الشاعر والمناضل محمد الوديع الآسفي، الذي تزوجته بعد قصة حب قصيرة، إذ شكل هذا الزواج شراكة إنسانية ونضالية وثقافية، فقد عاش الإثنان معا سنوات من الالتزام السياسي والفكري في سياق مرحلة صعبة من تاريخ المغرب المعاصر.

أنجب الزوجان عددا من الأبناء الذين سيصبح بعضهم من الوجوه المعروفة في مجالات مختلفة، من بينهم الشاعر والكاتب صلاح الوديع، والقاضية والمناضلة الحقوقية آسية الوديع، وقد تحدث صلاح الوديع في أكثر من مناسبة عن الدور الكبير الذي لعبته والدته في تشجيعه على الكتابة منذ طفولته، إذ كانت تحيط أبناءها بعناية ثقافية واضحة وتغرس فيهم حب القراءة والكتابة.

اشتغلت ثريا السقاط في مجال التعليم بمدينة الدار البيضاء، حيث عملت أستاذة، لكنها ظلت في الوقت نفسه حاضرة في المشهد الثقافي المغربي من خلال كتاباتها وعلاقاتها الواسعة بالمثقفين، كما انخرطت في الحياة الثقافية المنظمة، وأصبحت عضوا في اتحاد كتاب المغرب سنة 1990، وكان بيتها في الدار البيضاء خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي فضاء مفتوحا يلتقي فيه عدد من المثقفين والمناضلين والسياسيين، خصوصا في زمن اتسم بالاحتقان السياسي وبالتضييق على العمل المعارض الوطني واليساري على الخصوص.

وقد تأثرت تجربتها الأدبية بشكل واضح بالظروف السياسية التي عاشتها البلاد، خاصة مع اعتقال زوجها وعدد من أبنائها خلال سنوات التوتر السياسي، هذه التجربة الإنسانية القاسية ستترك أثرا عميقا في كتاباتها، خصوصا في العمل الذي يعد من أوائل النصوص المغربية التي تناولت تجربة الاعتقال السياسي، وهو كتاب “مناديل وقضبان: رسائل السجن” الصادر سنة 1988، في هذا العمل قدمت شهادات إنسانية مؤثرة حول معاناة السجن وما رافقه من ألم وانتظار وأمل.

إلى جانب هذا الكتاب، كتبت ثريا السقاط الشعر وأدب الأطفال، ومن أعمالها الشعرية ديوان “أغنيات خارج الزمان”، الذي يضم مجموعة من قصائدها. كما كتبت عددا من القصص الموجهة للأطفال، من بينها “فاطمة المفجوعة”، و”اللبؤة البيضاء”، و”حوار مع الأمواج”، و”النسر الرمادي”، وهي أعمال تعكس اهتمامها بالكتابة للناشئة ومحاولة مخاطبة خيال الطفل بلغة بسيطة وإيحاءات تربوية وإنسانية.

توفيت ثريا السقاط سنة 1992 بعد مسار أدبي وإنساني غني جمع بين الإبداع والالتزام.

وقد جرى تخليد اسمها في عدد من الفضاءات الثقافية والتعليمية بالمغرب، من بينها مركب ثقافي يحمل اسمها بمدينة الدار البيضاء، تقديرا لمكانتها في الذاكرة الثقافية المغربية ولدورها في الكتابة والشهادة على مرحلة مهمة من تاريخ البلاد.

الحلقات السابقة:

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x