لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح23): ربيعة ريحان… قصة سرد نسوي كتب عن الذات والذاكرة

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، الكاتبة وأيقونة الأدب النسوي في التاريخ المغربي المعاصر، ربيعة ريحان..

ربيعة ريحان… قصة سرد نسوي كتب عن الذات والذاكرة

يبرز اسم ربيعة ريحان في المشهد السردي المغربي المعاصر بوصفه واحدا من الأصوات النسائية التي كرست حضورها بهدوء وثبات داخل حقل القصة القصيرة والرواية.

تنتمي ريحان إلى جيل من الكاتبات اللواتي عملن على توسيع أفق الكتابة النسائية في المغرب، ليس فقط عبر الدفاع عن حضور المرأة في النص، بل عبر تحويل التجربة النسائية ذاتها إلى مادة سردية غنية بالأسئلة الإنسانية والوجودية.

ولدت ربيعة ريحان بمدينة آسفي سنة 1951، وبدأت مسارها الأدبي من بوابة القصة القصيرة، حيث وجدت في هذا الجنس الأدبي فضاء مرنا للتعبير عن التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان في حياته اليومية.

منذ نصوصها الأولى لفتت الانتباه إلى قدرتها على التقاط التفاصيل الدقيقة للحياة، وتحويلها إلى لحظات سردية مشحونة بالدلالة. وقد أصدرت عددا من المجموعات القصصية التي رسخت اسمها داخل هذا الجنس الأدبي، من بينها “ظلال وخلجان”، و”مشارف التيه”، و”شرخ الكلام”، و”مطر المساء”، و”بعض من جنون”، وهي أعمال تكشف انشغال الكاتبة بعوالم الذات الإنسانية، خصوصا الذات النسائية وما يحيط بها من قيود وأسئلة.

في هذه النصوص تبدو المرأة غالبا في قلب الحكاية، لا باعتبارها ضحية فقط، بل باعتبارها ذاتا تبحث عن معنى وجودها داخل مجتمع تتشابك فيه التقاليد مع تحولات الحداثة. تكتب ريحان عن الهشاشة العاطفية، وعن العلاقات الإنسانية المعقدة، وعن ذلك الصراع الصامت الذي تخوضه المرأة بين الرغبة في الحرية وثقل الأعراف الاجتماعية.

ومع مرور الوقت انتقلت ربيعة ريحان إلى فضاء الرواية، حيث وجدت إمكانا أوسع لبناء العوالم السردية وتعميق الشخصيات. في رواياتها، مثل “طريق الغرام” و”الخالة أم هاني” و”بيتنا الكبير”، يتسع السرد ليشمل أسئلة الذاكرة والعائلة والهوية. تستعيد الكاتبة في كثير من الأحيان تفاصيل الطفولة والبيت والعلاقات العائلية، لكنها لا تقدمها بوصفها مجرد ذكريات حنينية، بل بوصفها مفاتيح لفهم تشكل الذات الإنسانية.

يمتاز أسلوب ربيعة ريحان بلغة تميل إلى الشاعرية والحميمية، حيث تتجاور البساطة التعبيرية مع عمق الإحساس. فهي لا تميل إلى الخطابة أو المباشرة، بل تفضل الاشتغال على التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية، تلك التفاصيل التي تتحول داخل النص إلى إشارات عميقة عن العزلة والحب والخسارة والبحث المستمر عن المعنى.

كما يعكس مشروعها الأدبي اهتماما واضحا بالتحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة، خصوصا ما يتعلق بمكانة المرأة داخل العائلة والمجتمع. لذلك تبدو كتاباتها في كثير من الأحيان أشبه بمرآة حساسة لهذه التحولات، حيث يتقاطع الخاص مع العام، والذاتي مع الاجتماعي.

بهذا المعنى يمكن النظر إلى تجربة ربيعة ريحان باعتبارها جزءا من مسار طويل للكتابة النسائية في المغرب، مسار يسعى إلى إعادة كتابة التجربة الإنسانية من زاوية مختلفة، زاوية تنطلق من الذاكرة والوجدان، لكنها تنفتح في الوقت نفسه على أسئلة المجتمع والتاريخ. ومن خلال هذا المسار استطاعت الكاتبة أن تترك بصمة واضحة في السرد المغربي، وأن تثبت أن الكتابة ليست مجرد حكاية، بل طريقة لفهم العالم وإعادة تأمله.

الحلقات السابقة:

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x