لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح24): لطيفة باقا… حين تصبح الحكاية مساحة لاسئلة المرأة

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، لطيفة باقا الروائية والقاصة المغربية..

لطيفة باقا… حين تصبح الحكاية مساحة لاسئلة المرأة

تبرز القاصة لطيفة باقا بوصفها واحدة من الاصوات التي اختارت القصة القصيرة مجالا لاختبار اسئلة المجتمع والمرأة والذات. فمنذ بداياتها في تسعينيات القرن الماضي، استطاعت ان تشق لنفسها مسارا خاصا داخل الكتابة السردية المغربية، حيث جعلت من التفاصيل اليومية ومن الهواجس الفردية مادة ادبية تكشف ما يختبئ خلف الواجهة الاجتماعية من تناقضات واسئلة مؤجلة.

ولدت لطيفة باقا سنة 1964 بمدينة سلا، وتابعت دراستها الجامعية في الرباط حيث حصلت على الاجازة في علم الاجتماع. وقد انعكس هذا التكوين المعرفي بوضوح في كتابتها، اذ تبدو قصصها في كثير من الاحيان وكأنها مقاربة سردية دقيقة للواقع الاجتماعي، ترصد تحولات العلاقات الانسانية وتعيد قراءة موقع المرأة داخل بنية المجتمع.

عملت باقا في مجال التدريس، غير ان الكتابة ظلت المجال الذي تجد فيه نفسها، والفضاء الذي تصوغ فيه اسئلتها الخاصة حول الحرية والهوية والتجربة الانسانية.

دخلت لطيفة باقا عالم النشر سنة 1992 بعملها القصصي الاول “ما الذي نفعله؟”، وهو العمل الذي لفت الانتباه الى صوت سردي جديد داخل القصة المغربية. وقد حازت هذه المجموعة جائزة اتحاد كتاب المغرب للادباء الشباب في السنة نفسها، وهو تتويج مبكر اكد حضورها ضمن جيل ادبي كان يسعى الى تجديد ادوات الكتابة القصصية في المغرب.

ومنذ ذلك الوقت، ظل اسمها مرتبطا بالقصة القصيرة بوصفها جنسا ادبيا قادرا على التقاط لحظات انسانية مكثفة، وعلى تحويل اليومي والهامشي الى مادة للتامل والسرد.

في اعمالها اللاحقة، واصلت باقا هذا الاشتغال على العوالم الصغيرة التي تكشف في العمق عن قضايا كبرى. ففي مجموعتها “منذ تلك الحياة” الصادرة سنة 2005، تتعقب الكاتبة مصائر شخصيات تعيش على هامش التحولات الاجتماعية، حيث تتقاطع الرغبات الفردية مع القيود الثقافية التي يفرضها المجتمع.

أما مجموعتها “غرفة فرجينيا وولف” الصادرة سنة 2014، فتستعير عنوانها من الكاتبة البريطانية فرجينيا وولف لتطرح سؤالا قديما متجددا: كيف يمكن للمرأة ان تكتب وان تصنع فضاءها الخاص داخل مجتمع لا يزال مثقلا بالصور النمطية.

لا تقدم لطيفة باقا في نصوصها خطابا مباشرا او شعارات جاهزة حول قضايا المرأة، بل تفضل الاقتراب من هذه القضايا عبر الحكاية والتفاصيل اليومية، حيث تتحول الشخصيات الى مرايا تعكس هشاشة الواقع الاجتماعي وتناقضاته. فالعالم الذي تكتبه هو عالم الناس العاديين، لكنه عالم مشحون بالاسئلة: اسئلة الحرية، والاختيار، والبحث عن معنى الحياة داخل شبكة من العلاقات والقيود.

وقد ترجمت نصوصها الى عدة لغات، وشاركت في عدد من الانطولوجيات واللقاءات الثقافية داخل المغرب وخارجه، مما جعل صوتها جزءا من الحوار الادبي الاوسع حول السرد العربي المعاصر. كما نالت مجموعتها “غرفة فرجينيا وولف” جائزة القراء الشباب للكتاب المغربي سنة 2017، وهو تكريم يعكس استمرار حضورها وتاثيرها في الاجيال الجديدة من القراء.

بهذا المعنى تمثل لطيفة باقا تجربة قصصية تنتمي الى جيل اعاد للقصة القصيرة المغربية بريقها، وجعل منها فضاء لطرح الاسئلة العميقة حول المجتمع والذات.

الحلقات السابقة:

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x