لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح27): مريم شديد.. حكاية عالمة بدأت من حي شعبي وانتهت في أعتى المختبرات العالمية

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية الحقة والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، عالمة الفلك المغربية مريم شديد..

حكاية عالمة بدأت من حي شعبي وانتهت في أعتى المختبرات العالمية

وُلدت مريم شديد سنة 1969 في أسرة متواضعة، نشأة في الحي الشعبي بالدار البيضاء “درب سلطان”، وكان طريقها نحو العلم محفوفا بالتحديات، تابعت دراستها في المدارس العمومية قبل أن تتجه إلى الرياضيات، ثم تغادر المغرب نحو فرنسا، حيث تخصصت في علم الفلك والفيزياء الفلكية، لتنال الدكتوراه وتبدأ مسارا علميا داخل مؤسسات بحثية مرموقة.

ما ميز مسيرة مريم شديد لم يكن فقط التفوق الأكاديمي، بل اختيارها الدائم للمسارات الصعبة، حيث يختبر العلم حدوده القصوى.

من أبرز هذه المحطات، تجربتها القاسية في صحراء “أتاكاما”، التي تُعد من أكثر مناطق العالم جفافا وارتفاعًا، وأفضلها لرصد السماء. هناك، أمضت مريم شديد ما يقارب أربع سنوات في عزلة شبه تامة، ضمن مشروع علمي دولي لتثبيت أكبر التلسكوبات في العالم، إذ كانت الحياة في تلك الصحراء أشبه بالعيش على كوكب آخر، إذ لا نبات فيها ولا حيوانات، وأي مظهر من مظاهر الحياة كيفما كان، ما جعلها توصف بـ “جنة الفلكيين”.

ولم يكن ذلك سوى تمهيد لمحطتها الأكثر رمزية في القطب الجنوبي، ففي منتصف العقد الأول من الألفية، قادت مريم شديد بعثة علمية دولية إلى قلب القارة القطبية الجنوبية، حيث أشرفت على مشروع تركيب مرصد فلكي في واحدة من أقسى البيئات على وجه الأرض، وهناك، وسط درجات حرارة تصل إلى 80 درجة تحت الصفر، رفعت العلم المغربي، لتصبح أول عالمة فلك مغربية وعربية، بل وأول شخص مغربي وإفريقي يبلغ قلب القطب الجنوبي في مهمة علمية بهذا الحجم.

لم تكن هذه الرحلة مجرد إنجاز علمي، بل لحظة إنسانية كثيفة، تختزل مسار امرأة اختارت أن تواجه المجهول، وأن تقتحم مجالا ظل طويلا حكرا على الرجال، فقد اشتغلت ضمن فرق علمية دولية عالية التنافس، وقادت علماء من جنسيات مختلفة، مؤكدة أن الكفاءة وحدها قادرة على تجاوز الحدود والجنسيات.

بعيدا عن الميدان، واصلت مريم شديد عملها كأستاذة وباحثة في فرنسا، وشاركت في مشاريع كبرى داخل المرصد الأوروبي الجنوبي، كما خضعت لتكوينات في القيادة والحوكمة بجامعة هارفارد، في مسار يجمع بين العلم والاستكشاف والتأطير الأكاديمي، وتعرف أيضا بقدرتها على التوفيق بين حياتها العلمية الصارمة وحياتها الأسرية، حيث ترى أن النجاح الحقيقي يكمن في تحقيق هذا التوازن.

وقد توجت مسيرتها بعدة جوائز دولية، من بينها جائزة المرأة العربية في العلوم، كما أُدرج اسمها ضمن القادة الشباب العالميين، في اعتراف بمسار علمي استثنائي بدأ من سطح بيت بسيط، وانتهى عند حدود القطب الجنوبي.

هكذا، لا تبدو قصة مريم شديد مجرد سيرة عالمة فلك، بل رحلة إنسانية صاعدة من الهامش إلى العالمية، ومن صحراء الأرض إلى سماء الكون، حيث يصبح الحلم، حين يُطارد بإصرار، حقيقة تُرفع فوق الجليد.

الحلقات السابقة:

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x