لماذا وإلى أين ؟

نساء في الواجهة (ح28): زكية داود… حين يتحول صوت الهامش إلى أدب نسوي

نساء في الواجهة.. سلسلة يومية تنشر طيلة شهر رمضان، تتناول في كل حلقة شخصية نسائية مغربية (أديبة، سوسيولوجية، فيلسوفة، مؤرخة، عالمة، زوجة زعيم سياسي بارز..).

سلسلة تهدف لإبراز حقيقة الوجه والعلمي الفكري للمرأة المغربية بعيدا عن الصور النمطية، وإظهار مدى مساهمتها في تطوير العلوم الإنسانية والاجتماعية والحقة والمشهد الأدبي بالمغرب في مراحل تشكله وانعطافاته الحاسمة منذ الاستقلال..

وسيكون موضوع حلقة اليوم، الكاتبة الأدبية والصحفية زكية داود.

زكية داود… حين يتحول صوت الهامش إلى أدب نسوي..

تبرز زكية داود كصوت استثنائي اختار ان يكتب من تخوم الهوية وان يجعل من الكتابة جسرا بين ضفتين لا مجرد وسيلة للتعبير. ولدت سنة 1937 بفرنسا باسم جاكلين دافيد قبل ان تستقر بالمغرب اواخر الخمسينيات حيث ستعيد تشكيل ذاتها فكريا وثقافيا وتختار اسمها الادبي الذي سيلازم مشروعها الابداعي.

رغم شهرتها الواسعة كصحافية مؤسسة لمجلة لاماليف فان الوجه الادبي في تجربة زكية داود يظل عميقا ومتماسكا اذ لم تكن الكتابة عندها منفصلة عن التفكير بل كانت امتدادا له. اشتغلت على الرواية والسيرة والتاريخ الثقافي ونسجت اعمالا تقف عند تخوم الادب والبحث حيث يتداخل السردي بالتوثيقي في اسلوب رصين ودقيق.

في روايتها زينب النفزاوية ملكة مراكش تعود داود الى التاريخ المغربي لتستعيد شخصية نسائية قوية مقدمة نصا يزاوج بين التخييل والبحث ويعيد الاعتبار لدور المراة في صناعة السلطة والقرار. لم يكن هذا العمل مجرد رواية تاريخية بل محاولة لاعادة كتابة الماضي من زاوية مختلفة حيث تتحول الشخصية النسائية الى مركز للحكي بدل هامشه. وتواصل هذا النفس في اعمال اخرى مثل حفدة زينب حيث يمتد الخيط السردي بين الماضي والحاضر في تامل طويل في الذاكرة والهوية.

أما في كتبها الفكرية ذات الطابع الادبي مثل مغاربة من الضفة الاخرى فتشتغل داود على موضوع الهجرة لا بوصفه ظاهرة اجتماعية فقط بل كتجربة انسانية مركبة تتقاطع فيها الاسئلة الوجودية بالتحولات الثقافية. هنا تكتب بلغة اقرب الى الادب منها الى السوسيولوجيا مستثمرة حسها السردي في التقاط التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير.

تتميز كتابتها بقدرتها على الانصات للتاريخ الهامشي وعلى استحضار اصوات غالبا ما تقصى من السرديات الرسمية فهي لا تكتب عن المغرب من الخارج رغم اصولها الفرنسية بل من داخله ومن خلال معايشة طويلة جعلتها جزءا من نسيجه الثقافي. لهذا تبدو نصوصها مشبعة بحس نقدي ولكن ايضا بحميمية واضحة تجاه المجتمع الذي اختارت الانتماء اليه.

ان تجربة زكية داود الادبية تقوم على فكرة العبور عبور بين لغتين وثقافتين وزمنين وهي في هذا العبور لا تبحث عن التوفيق السهل بل عن الاسئلة الصعبة التي تطرحها الهوية حين تكون مفتوحة على اكثر من افق. لذلك يمكن قراءة اعمالها باعتبارها كتابة في المسافة حيث يصبح الانتماء نفسه موضوعا للتامل.

لا تُختزل زكية داود في كونها شاهدة على مرحلة، بل أيضا كاتبة ساهمت في صياغة وعي ادبي وفكري حول المغرب المعاصر وجعلت من الكتابة فعلا مزدوجا توثيقا للذاكرة واعادة تخييل لها في الان ذاته.

الحلقات السابقة:

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك ، اشترك الآن

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

0
أضف تعليقكx
()
x