لماذا وإلى أين ؟

لماذا لا نعيش “إسلام النرويج” ؟

لست أدري من نشر دعابة مفادها أن الدول المتقدمة في شمال أوروبا والتي تحتل المراتب الأولى في جودة الحياة والحكامة والتدبير، ومنها “النرويج”، إنما هي دول ناجحة لأنها تطبق “الإسلام الصحيح”، الذي تخلينا عنه نحن.

بل إن الاحتكاك الأول للمسلمين مع نموذج الدولة الغربية الحديثة خلال القرن التاسع عشر  وبدايات العشرين قد اكتسى طابع الصدمة التي عبر عنها بعض الرحّالة بقوله واصفا  المجتمع الغربي: “رأيت إسلاما بلا مسلمين”. وهي نفس الفكرة التي تقوم الحركات الإسلامية باستنساخها اليوم من جديد، بعد أزيد من قرن، المسافة الزمنية التي فشل فيها المسلمون في بناء نموذج ناجح للنهضة والنمو.

مثل هذه الأقاويل اليوم تعكس شقاء الوعي الإسلامي المعاصر، وعجزه عن رؤية الواقع، حيث تشكل هذه الأفكار التبريرية حجابا يخفي حقائق كثيرة:

ـ أولها أن التيار الإسلامي الذي فشل في كل شيء، عوض أن يعترف بفشل الإسلام السياسي ويقرّ بضرورة العلمانية، التي تجسدها خير تجسيد دول شمال أوروبا، يقوم بالعكس تماما، يسرق نجاحات الغير وينسبها إلى عقيدته.

ـ ثانيها أن ما يرمي إليه هؤلاء بأقاويلهم تلك إنما هو الانتصار للدين وليس الدعاية للنماذج الناجحة ولأسباب نهضة الدول المتقدمة، تلك الأسباب التي هي منظومة غير قابلة للتجزيء، ولهذا ينجح الإسلاميون  في نشر التديّن، ولا يفلحون أبدا في نشر العلوم والمعارف والحريات والقيم الإنسانية.

ـ ثالثها أن هؤلاء يريدون الصدق والأمانة والعدل وفعل الخير والتوزيع المتوازن للثروة وعدم التبذير والحكامة الاقتصادية والنظافة والتناوب على الحكم وفصل السلطات وسموّ القانون وتساوي الجميع أمامه، يريدون كل هذا باعتباره موجودا في الإسلام، لكنهم لا يعرفون بأن هذا كله مرتبط ارتباطا عضويا بقيم أخرى يرفضونها، حيث هناك معضلتان كبيرتان تواجههم:

1) أن هذه المبادئ والقيم الإيجابية مرتبطة ارتباطا عضويا بقيم أخرى هي المساواة التامة بين الرجال والنساء وبين جميع المواطنين بغض النظر عن التمايزات في اللون والجنس والعقيدة والعرق والنسب العائلي، وبالحريات الفردية والجماعية، وعلى رأسها حرية المعتقد وحرية التفكير والتعبير والصحافة، وحرية اختيار نمط الحياة، وبمبدأ احترام الآخر الذي هو جوهر النظام العلماني الغربي، فهل هذه القيم موجودة أيضا في الإسلام ؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا يعارضونها بشراسة ويمقتونها ؟ فإما أنهم لا يعرفون الإسلام، وإما أن الإسلام لا يشتمل على تلك القيم التي هي أساس نهضة الغرب المتقدم.

2) أن في الإسلام قيم نبيلة بلا شك لكنها بدورها مرتبطة ارتباطا عضويا بنظام قيمي يتضمن قيما أخرى نقيضة للأولى، نظام ارتبط بدوره بسياق حضاري واجتماعي سابق لم يعد قائما اليوم، ومنشأ هذا ما نسميه “الآيات والأحاديث المتعارضة”، والتي نشأت في ظروف مختلفة ثم جُمعت كلها بين دفات الكتب دون أية قدرة على الحسم في الاختيار فيما بينها، حيث تركت جميعها للاستعمال عند الحاجة، مما جعل الإسلام إطارا للعدل ونقيضه، للمساواة ونقيضها، للسلام ونقيضه،  للتسامح ونقيضه، للعلم ونقيضه، وجعل المسلمين غارقين في التناقضات إلى يومنا هذا، عاجزين عن الخروج من الفقه القديم والقيام بالقراءة التي تسمح لهم باختيار القيم التي تتناسب مع عصرهم، وترك الباقي بسبب ارتباطه بمجتمع ودولة بائدين، معتبرين أن ما يحقق الخير والسلام والمساواة والعدل والترقي الحضاري كما هو في البلدان الناجحة، هو عين ما أراده الله بحكمته.

فلنقم بتمرين ذهني بسيط علّ إخواننا الإسلاميين يفهمون المأزق الذي يتواجدون فيه بسبب طريقتهم الخاطئة في التفكير:

لنفرض أننا سايرنا هؤلاء في أقاويلهم وقررنا أن نتفق معهم على تطبيق “إسلام النرويج”، الذي لا يمكننا إلا الإقبال عليه بكل حماس وحيوية، فسنلمس أنّ أول شيء جميل قامت عليه نهضتهم هو الحرية والمساواة التامة بين المواطنين بدون تمييز، حتى أن النساء تشغلن نصف مناصب الدولة، سيتململ إخواننا الإسلاميون بدون شك وسيقولون “نحن مسلمون ولسنا نرويجيين”، ولنا “خصوصياتنا” الدينية و”تقاليدنا العريقة” و”ثوابتنا” التي هي “ثوابت الأمة”، والتي تجعل من غير الممكن تطبيق المساواة كما في النرويج. وما لا ينتبهون إليه بهذا الصدد هو أنّ النهضة التي يعجبون بها ويسمونها “إسلاما” في النرويج إنما نشأت عن هذه الطاقة التي أطلقتها دينامية النساء بجانب الرجال، فالمساواة في مجتمعات الشمال الناجحة هي أساس الدينامية الاجتماعية ومصداقية المؤسسات والقوانين.

تمرين آخر: في النرويج دين رسمي في الدستور لكنه لا يعدّ مصدرا للتشريع ولا تفرضه الدولة على مواطنيها ولا تراقبه ولا تستعمله في السياسة ولا في التمييز أو المفاضلة بين المواطنين، أما في التعليم فتُعرّف بكل الديانات المتواجدة على أرضها من يهودية ومسيحية وإسلام وبوذية وبهائية وغيرها حتى يحترم أطفال النرويج كل المنتسبين إلى تلك الديانات  في بلدهم. ولا تغصب الأطفال على إتباع دين معين بل تترك لهم حرية الاختيار عندما يكتمل نضجهم النفسي والعقلي ويبلغون سن الثامنة عشرة، لأن النظام التربوي هناك قائم على مبدأي الحرية والإبداع، وليس التقليد والإتباع.

سيقول إخواننا الإسلاميون: ولكن الإسلام هو خاتم الديانات وأفضلها وكل الديانات التي جاءت بعده باطلة وكل تلك التي جاءت قبله محرفة وهو وحده “الدين الصحيح”، فكيف نُعرف في مدارسنا بديانات محرّفة وندفع التلاميذ إلى احترامها بينما أهلها “كفار” ؟

إن المشكلة التي تمثل عائقا معرفيا في فكر الإسلاميين إنما تتجسد في عجزهم عن فهم شمولية النظام المجتمعي الغربي الناجح، الذي هو ثمرة تطور وصيرورة تاريخية طويلة، انتقلت من العبودية إلى التحرّر ومن الاستبداد إلى العدل، ومن الخرافة إلى العقلانية، ومن الجهل إلى العلم، فهم يرتاحون للحكامة وللتوزيع العادل للثروة ولفعالية الإدارة وللتناوب على السلطة في الغرب، لكنهم يريدون ذلك كله بدون مساواة بين الجنسين وبدون حريات وبدون فصل للدين عن الدولة، بينما لا تتحقق تلك إلا بهذه، وإلا لكانوا استطاعوا تحقيقها في بلدانهم سواء في الماضي أو في الحاضر.

إن “إسلام النرويج” إذن ليس سوى نظاما مبنيا على القيم الإنسانية الكونية، التي ساهمت في بنائها كل الحضارات الإنسانية بدون استثناء، وهي نفس القيم التي تتقاسمها كل البلدان الناجحة بينما يتنكر لها المسلمون ولا يطيقونها، ويحاربونها يوميا في مدارسهم ووسائل إعلامهم، وتبدو لهم غريبة عن “أصالتهم”، ولهذا هم متخلفون.

*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي آشكاين و إنما تعبر عن رأي صاحبها.

 

    أحمد التوري
    01/10/2019
    23:54
    التعليق :

    يحارب الإسلام في عقر داره ، سواء من طرف الساهرين عليه وكذلك من بني جلدته ، القليل من الشباب من اعتنق ديانة اللادين ، و منهم سيادتكم ، و اتخدتم حربا لن تنجحوا فيها ، فسيكون سوى ما يجعلك شقيا و مهموما ، لكونك تصفق في الماء لا اكثر ، يعلم الجميع أن الإسلام محارب على جميع الأصعدة ، و ليس الامر وليد اليوم بل من الأيام الاولى لفجر الإسلام ، اما فيما يخص النمادج ، فهم سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلم، و الخلفاء الراشدون : ابو بكر الصديق ، عمر بن الخطاب ، عثمان بن عفان ، علي لن أبي طالب رضي الله عنهم و ارضاهم ، ابحث في هذا الباب و أكيد لن ترى نمودجا عند كل من يدعي الحضارة أن يصل الى ما وصل إليه الهلفاء الراشدون . قبل ان ننتقد أي يجب معرفته أولا و من الينابيع ، علماء كبار لم يتجرؤوا ، بل بااعكس نرى اناس في القرون الأخيرة أخذوا كل ماهو أخلاقيات إسلامية و دمجوها في علوم التربية لديهم . أفق من سباتك اسي عصيد .

    10
    17
      simo
      02/10/2019
      10:26
      التعليق :

      Au monsieur qui donne le premier commentaire, allez voir comment vivent les gens en Norvège entre autre,après vous pouvez commenter .ce que dit monsieur assid est vrai a cent pour cent.

      5
      1
    Sami
    02/10/2019
    06:28
    التعليق :

    احمد عصيد يوجد فيه الاسلام الذي يريد اغلبية الشعب المغربي.
    الحرية . الابداع والابتكاروالخلق . العدالة ،المساوات و الكرامة
    اذن فهي العلمانية اما الدين لله والوطن للجميع
    شكرا استاذ احمد عصيد على مجهودك في نشر التنوير

    8
    4
    ابراهيم
    02/10/2019
    07:35
    التعليق :

    بني ديوث الى جنهم إن شاء الله

    4
    9
    Bencheikh
    02/10/2019
    11:28
    التعليق :

    الفرق بينك وبين المتأسلمين هو :هم يريدون إسلاما يخدم مصالحهم وعنفهم المادي والرمزي وأنت تريد أن يغيب الإسلام من حياة الناس بشكل تام فكلاكما مصيبة ولعنة أصابت جسم الأمة…..أنتم جميعا أعداء الاسلام وأصابكم الافلاس الفكري كل طرف منكم يشتغل على الآخر ليثبت وجوده الميت.

    2
    4
    رفيق
    02/10/2019
    22:26
    التعليق :

    وأسفاه أنت ومتأسلمين كلاكمأ يغني على ليلاه لكن نسيمه أنكم لستم قيص، أنا أقرأ لك أحيانا لأني أتفق في بعضها معك لكن الأن لن أقرأ لك أي شيء بعد الأن الإسلام جاء بمكارم الأخلاق وأفضلها ليس خطئه المدعين به لا خطئه أن يكون نتيجة مجتمعه خضرتك ألعنة عليكم جميعا

    1
    2
    لحسن عبدي
    05/10/2019
    11:41
    التعليق :

    الفريضة الغائبة على كثير من المهتمين بالكتابة وليس المفكرين ، أن نظام شامل كامل بمؤسسات تختلف كلياً عن باقي الانظمة العالمية ، في حقل التربية التعليم الاقتصاد القضاء أقول كل مناحي الحياة ، ومنذ سقوط الأندلس بدأت تتهاوى النهج الاسلامي وآخر لبنة عند سقوط الخلافة العثمانية لم يعد العالم الاسلامي العربي الامازيغي يعمل بالنظام الاسلامي يبقى الكلام عن فشل او نجاح عن شيء غير موجود للمناقشة دلّني على دولة في العالم ذات مؤسسات إسلامية برمتها مع تحفظنا على دولة ماليزيا

    1
    0
    rachid samy
    07/10/2019
    19:05
    التعليق :

    l’analyse que M. Assid a fait et fait toujours est poignant bien argumenté ,
    tout ce qu’il dit nous manque au Maroc en particulier et la Ummah en général.

    merci beaucoup pour votre contribution à illuminer notre communauté,
    notre communauté qu patine dans la boue du takfirisme,salafisme et wahhabisme,

    cause principale de notre décadence sur tous les plans,
    le Maroc a connu un blocage terrible à cause de ces obscurantistes et ce depuis le début des années 80

    en a marre de vos idéologies obscures d’une autre époque révolue,laissez nous en paix vivre comme d’autres nations;

    vivez avec vos convictions,et laissez nous vivre les notre en paix.
    assez de nous rabaissez encore et encore….

    0
    0

أضف تعليقا

أضف تعليقا - لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني - سوف يتم نشر تعليقك بعد المعاينة

يستخدم موقع الويب هذا ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد